كان واضحاً للقاصي والداني، أن وقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وبدء الحديث عن ترتيبات اليوم التالي، لن يقتصر على نظام حكم حماس لقطاع غزة، ولا على نزع سلاحها وحسب، بل سيشمل أيضاً حكومة الحرب اليمينية المتطرفة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، وكان التقدير بأن عقد الائتلاف الحاكم ستفرط، بمجرد موافقة نتنياهو على وقف الحرب، نظراً لما كان يطلقه كل من الوزيرين الفاشيين، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، من تهديد بالانسحاب فوراً من الحكومة، في حال أعطى نتنياهو مثل تلك الموافقة دون تحقيق أهداف الحرب، التي وصلت ذروتها بإعلان التهجير وإعادة استيطان القطاع، ومن ثم اعتباره جزءا من إسرائيل الكبرى، وكان أقل تلك الأهداف، إعادة المحتجزين بالقوة، وتدمير حماس بالحرب، وذلك من خلال احتلال القطاع بالكامل، وحيث إن ذلك لم يحدث، ووافق نتنياهو مجبراً على وقف إطلاق النار، فإن ما لم يقع أيضاً هو تنفيذ تهديد سموتريتش وبن غفير بإسقاط الائتلاف.
يمكن للبعض أن يعيد السبب إلى كون أن نتنياهو ما زال يراوغ، وقد حاول فعلاً، بعد أيام فقط، من تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف الحرب، أن يعيد عجلتها مجدداً، متذرعاً بعدم تسليم حماس لجثث من قتلوا من قبل آلة الحرب الإسرائيلية من المحتجزين الإسرائيليين، رغم أنه يعرف والجميع يعرف، أن العثور على جثث هؤلاء أمر في غاية الصعوبة، ويحتاج إلى معدات ثقيلة للحفر وإزالة الردم، لأنهم قتلوا في الأنفاق، لكن طبعاً كما هو معروف سارعت واشنطن للجم قيادة نتنياهو ومنعته من تجديد الحرب، ومع ذلك، أي مع عجز نتنياهو الواضح عن العودة للقتال مجدداً، لقطع الطريق على إعادة الحياة إلى قطاع غزة، بعد أن بقي فيه مواطنوه بأكثر من مليوني إنسان صامدين، ولم يخرج منهم إلا بضعة آلاف قليلة، من مصابين أو حاملي جنسيات أخرى، قضى منهم سبعون ألفاً، آثروا أن يدفنوا تحت تراب غزة، على أن يغادروها، مع ذلك لم ينفذ الوزيران الفاشيان التهديد الذي طالما هددا به نتنياهو، وهو الانسحاب من الحكومة.
وقد يكون السبب أيضاً قبل ذلك، أو بعد ذلك، هو مواصلة نتنياهو ومعه كل من يسرائيل كاتس وإيال زامير، وزير الحرب ورئيس هيئة الأركان، ادعاء النصر، وتحقيق الجيش انتصاراً كبيراً على حماس، مع أن أهداف الحرب المتمثلة بتحرير المحتجزين وسحق حماس، وإسقاط حكمها بالقوة العسكرية لم تتحقق، فالمحتجزون أطلقوا بموجب صفقة التبادل، مقابل إطلاق ألفي أسير فلسطيني، ومقابل وقف الحرب، أما نظام حماس فما زال قائماً وسلاحهاً، بما في ذلك 60% من الأنفاق وفق ما أعلنه كاتس نفسه، ما زالت قائمة، وتطالب إسرائيل الولايات المتحدة بإعادة ما تبقى من جثث المحتجزين، ونزع سلاح حماس، وإسقاط حكمها، فضلاً عن تدمير الأنفاق خاصة في نحو نصف القطاع، الذي لا يخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي حالياً، أي أن إسرائيل بما يؤكد فشلها في تحقيق الأهداف التي أعلنتها هي بالقوة، تطالب بتحقيقها بموجب اتفاق وقف الحرب، وهذا يؤكد تماماً، أن قدرة نتنياهو على تجديد الحرب باتت معدومة تماماً.
لكن مع ذلك فإن السبب الأهم لعدم إقدام سموتريتش وبن غفير على إسقاط الحكومة الحالية، هو إدراكهما التام، بأن بديلها لن يكون أفضل منها في شيء
لكن مع ذلك فإن السبب الأهم لعدم إقدام سموتريتش وبن غفير على إسقاط الحكومة الحالية، هو إدراكهما التام، بأن بديلها لن يكون أفضل منها في شيء، وأن إسرائيل بعد سيطرتهم عليها قبل ثلاثة أعوام من الآن، قد وصلت ذروة الفاشية، لذلك أطلقوا شعاراتهم وأفصحوا عن أهدافهم بعيدة المدى بشكل سافر، وهذه الأهداف كانت تتراوح بين إقامة دولة إسرائيل الكبرى، وامبراطورية إسرائيل العظمى، وإسرائيل الكبرى تشمل كامل أرض فلسطين الانتدابية، والعظمى تشمل معظم الشرق الأوسط، احتلالاً مباشراً ونفوذاً، وكما نعرف ويعرف الجميع، التراث الأيديولوجي الإسرائيلي اليميني خاصة، زاخر بهذا الشأن، ومختصره «أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل»، ودون ذلك تفاصيل من قبل «هذه الضفة لي، أي الضفة الغربية وتلك لي أيضاً أي الأردن»، أما من الفرات إلي النيل فتشمل كامل فلسطين والأردن ولبنان، وثلثي سورية ونصف العراق ومصر والسعودية، وخلال الحرب لم يقتصر الأمر على التصريحات التي أطلقها سموتريتش ونتنياهو، بل إن إسرائيل تمددت جغرافياً حتى وصلت السويداء في قلب الهلال الخصيب، على المثلث الحدودي بين سورية والعراق والأردن.
ولا يفقد سموتريتش وبن غفير منصبيهما الرفيعين وحسب، حيث يحتل الأول المنصب الثالث في الأهمية من بين المناصب الحكومية، فيما الثاني، ظفر بوزارة الأمن الداخلي مع صلاحيات إضافية في الضفة الغربية وعلى حساب وزارة الداخلية، إضافة إلى أنهما ظلا يحتفظان بما يشبه قرار «الفيتو» في كل القرارات الحكومية، خاصة ما له علاقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحتى ما له علاقة بإعادة ترتيب الداخل الإسرائيلي لفرض الاستبداد اليميني، وكتم كل صوت إسرائيلي داخلي يمكن أن يفكر بالسلام والتعايش مع الجيران العرب، وبالطبع الفلسطينيين أولاً، ولعل كل ما تلفظ به وأعلنه سموتريتش على وجه الخصوص، تجاه الأردن والسعودية، وحتى ما سبق لنتنياهو أن أعلنه ضد السعودية، بل ما أقدم عليه نتنياهو من قصف قطر، أكد بما لم يدع مجالاً للشك، أن هذه الحكومة، مع هؤلاء وفي مقدمتهم نتنياهو شخصياً، لا يمكن للشرق الأوسط وهو ذاهب على وجه الخصوص نحو السلام والتعايش، أن يتعايش معهم.
باختصار، ولأن اليمين المتطرف الإسرائيلي وجد نفسه في مواجهة مع الإقليم، لأنه هو نفسه أعلن عن هدفه بتغيير وجه الشرق الأوسط بقوته العسكرية على هواه، أي دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الآخرين، أو بالتفاهم والتوافق أو حتى الاتفاق معهم، وهنا نعني بالآخرين ليس إيران واليمن وحسب، بل أيضاً تركيا وقطر، اللتين يعلن نتنياهو صراحة وعلناً رفضه أن يكون لهما أي دور في ترتيبات اليوم التالي للحرب، ثم هو لا يقبل التطبيع مع السعودية مقابل إقامة الدولة الفلسطينية، وهذا يعني أن طموح أو خطة ترامب التي تتجاوز غزة، لتحقيق سلام إقليمي، ستصطدم تباعاً بنتنياهو، وسيكون ترامب مضطراً ليس فقط إلى إرسال كل طاقم إدارته، كما فعل الأسبوع الماضي للشرق الأوسط، من أجل منع نتنياهو من العودة للحرب، بل ليقيم هو شخصياً في « كريات غات» قرب تل أبيب بين جنود «سنتكوم»، وألا يكتفي بزيارة قطاع غزة فقط.
يبدو أن اليمين المتطرف الذي سيواجه حتماً يميناً أقل تطرفاً في الانتخابات القادمة، التي ستدق الأبواب بشكل طبيعي بعد عام، وبشكل مبكر، ربما بعد نصف عام من الآن، يعمل الآن وفق نظرية أقل الخسائر، والعودة لتجريب ما سبق له أن جربه، أو محاولة تربيع الدائرة، وهو - أي اليمين بقيادة نتنياهو - إذا كان قد اتبع سياسة العداء لحركة فتح و «م ت ف»، وسارع لقطع الطريق على قيام الدولة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو الذي أبرمه اليسار الإسرائيلي مع فتح و «م ت ف»، بتشجيع الانقسام، والتوافق مع حماس على العداء للسلطة والمنظمة، فإنه بعد أن خسر رهانه على حماس، رغم أنه قطع الطريق عبرها ومعها على قيام الدولة الفلسطينية مدة 30 سنة مضت، فإنه يجرب الآن إنشاء قوة بديلة لحماس، وإذا كان التوافق مع حماس ضد السلطة الفلسطينية، كان عنوان علاقته السابقة معها، فإنه الآن يقيم ميلشيا عملية بشكل واضح، على أن يمكنها من حكم قطاع غزة، كما سبق له أن فعل في جنوب لبنان، حين أقام «دولة سعد حداد - أنطوان لحد».
بذلك لا يضمن نتنياهو بقاء الانقسام بما يمنع قيام دولة فلسطين وحسب، بل يضمن أمن إسرائيل بيد غيرها، بل يدفع قطاع غزة لحرب داخلية تنشغل فيها بأسوأ ما انشغلت مع السلطة خلال 30 سنة مضت، لأنه ليس فقط الفلسطينيون سينشغلون هذه المرة بين سلطة في الضفة وسلطة في غزة، بل سينشغلون داخل غزة نفسها بحرب انتحارية ذاتية، هذا ما يسعى له نتنياهو، الذي بات من المستحيل أن يفكر بطريق السلام، الذي يعلن عنه ترامب، وهذا يعني أن شقة الخلاف بينهما ستزداد حدة، مع مرور الوقت.
ما يؤكد أن الطريق أمام حلم ترامب بالسلام الإقليمي طويل وشاق، هو أن نتنياهو الذي ساعده ترامب في البقاء بالحكم، بل وفي فتح أبواب العفو القضائي عنه، عاد ليؤكد أنه سيترشح مجدداً لرئاسة الحكومة، وفي مقابله تقدمت المعارضة بتقديم نفتالي بينيت، الذي خرج من جعبته قبل أعوام، وهو يميني أيضاً جل ما طرحه في منتدى مغلق يوم السبت الماضي، هو تقديم بديل يميني ليبرالي عن اليمين المتطرف الحالي، مؤكداً على رفض الدولة الفلسطينية وعدم الاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة البديلة.
الأيام الفلسطينية
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه اليمينية المتطرفة نتنياهو ترامب المعارضة نتنياهو المعارضة اليمين المتطرف ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة صحافة سياسة مقالات سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الدولة الفلسطینیة سموتریتش وبن غفیر وقف الحرب قطاع غزة مع ذلک
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026