البلوك 8...سيطرة شركة واحدة وقيود على الاستثمارات
تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT
وافق مجلس الوزراء مؤخراً على اتفاقية الاستكشاف والإنتاج في البلوك رقم 8 البحري الجنوبي، وهي خطوة طال انتظارها منذ أكثر من ثلاث سنوات، بعد سلسلة من التأجيلات الإدارية والتقنية والسياسية التي رافقت الملف.
هذه الموافقة تأتي في سياق حساس من تاريخ قطاع النفط والغاز في لبنان، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات السيادية والسياسية، وتُثار تساؤلات جدية عن مدى ملاءمة الاتفاقية للمصلحة الوطنية، وعن الأسباب الحقيقية التي أخّرت إطلاق هذا المسار الحيوي، حيث تظهر واقعة وقف المسح الثلاثي الأبعاد في البلوك البحري رقم 8 أنّ ما حصل لم يكن مجرّد إجراء إداري أو تفصيل تقني، بل يعكس تداخلاً عميقًا بين العوامل السياسية والاقتصادية التي تحكم إدارة قطاع الطاقة في لبنان.
وفق خبراء الاقتصاد والطاقة خسر لبنان فرصة ثمينة للحصول على بيانات زلزالية مجانية كانت ستضاف إلى رصيده العلمي، وتعزّز موقعه التفاوضي في أي دورة تراخيص مقبلة. كما كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام دخول شركات جديدة إلى السوق، ما يوسّع قاعدة المنافسة ويحدّ من هيمنة الائتلاف الثلاثي المكوَّن من توتال وقطر للطاقة وإيني. غير أنّ هذا المسار أُجهض بقرار سياسي بدا وكأنه يخدم مصالح الشركات الكبرى أكثر مما يخدم المصلحة الوطنية.
تتولى شركة توتال إنرجيز الفرنسية قيادة الائتلاف الذي يضم أيضاً قطر للطاقة وإيني الإيطالية، وهو نفس الائتلاف العامل في البلوك رقم 9. هذا الأمر بحدّ ذاته أثار تحفظات في الداخل اللبناني إذ يخشى، بحسب استاذ الاقتصاد والخبير المالي بلال علامة، أن يؤدي منح امتياز جديد للائتلاف ذاته إلى تكريس نوع من الاحتكار الضمني في إدارة الموارد البحرية اللبنانية، ما يحدّ من قدرة الدولة على اجتذاب شركات دولية جديدة وتوسيع المنافسة. ويرى منتقدون أن وجود شركة واحدة في أكثر من رقعة بحرية قد يسمح لها بالتحكم بوتيرة الأعمال الاستكشافية وتوقيتها بما يتناسب مع مصالحها التجارية، وليس بالضرورة مع حاجة لبنان الملحة لتسريع عمليات التنقيب والإنتاج.
التحفظات على الاتفاقية ترتبط أيضاً، بحسب الدكتور علامة، بطبيعة البنود المالية والفنية، لاسيما في ظل الحديث عن أن شروط المشاركة في الأرباح ونسب العائدات ليست بالمستوى الذي يضمن حصة عادلة للدولة، خصوصاً في ظل غياب الشفافية الكاملة في نشر تفاصيل العقد للرأي العام أو حتى للبرلمان. كذلك، تطرح علامات استفهام حول غياب جدول زمني إلزامي صارم، مما يمنح الائتلاف حرية في تأجيل مراحل التنفيذ من دون تحمل مسؤوليات مالية واضحة، ما قد يؤدي عملياً إلى تجميد البلوك لسنوات إضافية. وهذه النقطة تحديداً تعتبر أحد أبرز مداخل النقد للاتفاق، إذ يرى البعض أن الاتفاقية صيغت على نحو يمنح المشغّل امتيازات مفرطة مقابل التزامات محدودة بدون ضوابط محددة.
أما عن التأخير الذي دام أكثر من ثلاث سنوات في إقرار الاتفاقية، فهو، بحسب علامة، نتيجة تداخل عدة عوامل. فمن جهة، ساهم عدم الاستقرار السياسي والفراغات الحكومية المتكررة في تجميد الملفات الاستراتيجية، ومن جهة أخرى، لعبت الاعتبارات الأمنية الإقليمية بعد ترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي دوراً في إعادة رسم أولويات الشركات الأجنبية. كما ساهمت الحروب الناجمة عن طوفان الأقصى وما تلاه من حروب وإعتداءات إسرائيلية في عرقلة كل أعمال الإستكشاف والحفر والتلزيم لمدة سنتين. كما أن وزارة الطاقة واجهت تحديات قانونية في تعديل بعض بنود النموذج التعاقدي ليتلاءم مع المتغيرات الدولية وأسعار النفط المتقلبة. كذلك، تشير بعض المعطيات إلى أن بعض الشركات الدولية التي أبدت اهتماماً مبدئياً بالبلوك 8 انسحبت لاحقاً بسبب تباطؤ الإجراءات، ما ترك المجال مفتوحاً أمام الائتلاف القائم للاستحواذ مجدداً على الامتياز.
في هذا السياق، تبرز اتهامات غير مباشرة لشركة توتال بأنها مارست ضغوطاً سياسية وتقنية لإبطاء أي مبادرات تهدف إلى إشراك شركات أخرى في المسح والاستكشاف ضمن المياه اللبنانية،فالشركة تفضل الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من المعلومات الجيولوجية والبترولية حول الساحل اللبناني، لتبقى صاحبة الكلمة العليا في أي مفاوضات مستقبلية، خصوصاً إذا تبيّن وجود كميات تجارية من الغاز في المنطقة المتاخمة للبلوك 9، وهذا التوجه، إن صح، سوف ينعكس، بحسب علامة، سلباً على قدرة لبنان في تنويع شركائه واستقطاب استثمارات جديدة، ويبقيه رهينة لشركة واحدة تتحكم عملياً بجدول التطوير وبالقرارات التقنية الحساسة.
وليس بعيداً، فإن النقطة الأخيرة التي أثارت جدلاً تتعلق برفض السلطات اللبنانية السماح لشركة ترويجية متخصصة بإجراء المسح الزلزالي في البلوك 8، على الرغم من أن هذه الشركة كانت مستعدة لتحمل التكاليف على نفقتها مقابل حق بيع البيانات للشركات المهتمة لاحقاً، هذا القرار اعتُبر من قبل بعض الخبراء خطوة غير مبرّرة، لأن مثل هذه المسوحات تُشكّل أداة دعائية فعالة لجذب مستثمرين جدد وتوسيع قاعدة المنافسة. التبريرات الرسمية تمحورت حول اعتبارات السيادة وضرورة أن تبقى البيانات بيد الدولة أو الشركات المرخّصة فقط، لكن خلف هذه الحجج تلوح، بحسب علامة، مخاوف من أن السماح بمسح مستقل قد يمنح منافسين محتملين فرصة للاطلاع على معطيات جيوفيزيائية يمكن أن تقلّل من القيمة التفاوضية للائتلاف القائم.
وعليه، يعكس هذا القرار ، كما يقول علامة، استمرار النهج الاحترازي الذي اتبعته وزارة الطاقة، والذي كثيراً ما يتهم بأنه يغلّب الاعتبارات السياسية والولاءات السياسية الدولية على منطق الانفتاح الاستثماري الشفاف وقد يكون المدخل لمعرفة خلفيات تلزيم الإئتلاف. ولذلك فإن اتفاقية البلوك 8 تمثّل اختباراً جديداً لصدق لبنان في إدارة ملف النفط والغاز بجدية ومهنية. صحيح أن جذب شركات عالمية مثل توتال وقطر للطاقة يعتبر مؤشراً إيجابياً من حيث الثقة التقنية، لكن استمرار الغموض حول بنود التعاقد، وضعف المنافسة، ورفض المبادرات الترويجية المستقلة، كلّها عوامل قد تبقي لبنان، بحسب علامة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة الاقتصادية المرجوّة من ثروته البحرية، فيما المطلوب اليوم هو قدر أعلى من الشفافية والمساءلة، ونشر نصوص الاتفاقيات للرأي العام، وتكريس مبدأ التنافسية في منح التراخيص، لأن الموارد الوطنية لا يمكن أن تدار بمنطق الصفقات المغلقة أو التفاهمات غير المعلنة، بل بمنطق السيادة الاقتصادية والمصلحة العامة.
المصدر: خاص "لبنان 24" مواضيع ذات صلة آخر معلومة: "لا غاز" في البلوك رقم "8" Lebanon 24 آخر معلومة: "لا غاز" في البلوك رقم "8"
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: فی البلوک رقم مجلس الوزراء لبنان فی فی لبنان البلوک 8 فی هذا
إقرأ أيضاً:
هل يتحوّل لبنان من ساحة حرب إلى منصة استقرار؟
مرّة جديدة ينجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في لجم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ومنعه من استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك في إطار مشروع حل متكامل لا يزال غير واضح المعالم، خصوصًا أن إسرائيل ماضية في قصف الجنوب، مما يؤشرّ إلى أن ما تمّ التوصّل إليه من اتفاق على وقف إطلاق النار لا يزال حبرًا على ورق، خصوصًا أن تدّخل الرئيس الأميركي جاء على خلفية الحرص على عدم تشظّي مفاوضاته مع إيران بصواريخ الضاحية.
واستنادًا إلى هذه المعطيات فإن ما تسرّب من أجواء الاجتماعات التي عُقدت في البنتاغون بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي، وبرعاية أميركية، يوحي بأنّ الهوة بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي لا تزال واسعة، على رغم الجهود الأميركية الحثيثة لمنع انهيار المسار التفاوضي في بداياته. فمغادرة الوفد اللبناني العسكري العاصمة الأميركية بعد اجتماعات وُصفت بـ "العاصفة" والمتوترة" تعكس حجم التباين في مقاربة كل طرف للأولويات المطروحة على الطاولة. ففي حين تمسّك لبنان بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من المناطق المحتلة باعتبارهما المدخل الطبيعي لأي بحث لاحق، حاول الجانب الإسرائيلي نقل النقاش إلى مسائل أمنية وعسكرية تتعلق بمستقبل "حزب الله" وبنية انتشاره وقدراته العملانية.
وتكشف المعطيات المتوافرة أنّ الجانب الأميركي حاول خلال الجلسات إيجاد مساحة مشتركة بين الطرحين، إلا أنّه اصطدم بحقيقة أساسية مفادها أنّ إسرائيل تنظر إلى نتائج الحرب الأخيرة باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة صياغة الواقع الأمني في جنوب لبنان، فيما ينظر لبنان إلى هذه المحاولة بوصفها سعيًا لفرض شروط سياسية تحت وطأة التفوق العسكري الميداني.
وما يزيد من تعقيد المشهد أنّ التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب لا ينسجم مع المناخ الذي يفترض أن يواكب أي عملية تفاوضية جدية. فالغارات والتوغلات ومحاولات توسيع نطاق السيطرة الميدانية تمنح الانطباع بأنّ تل أبيب تريد التفاوض من موقع المنتصر لا من موقع الشريك في البحث عن تسوية مستدامة. وهذا تحديدًا ما يثير قلق المسؤولين اللبنانيين الذين يخشون أن تتحول المفاوضات إلى مجرد إطار لتكريس وقائع فرضتها القوة العسكرية على الأرض.
وفي المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة للسماح بانهيار المفاوضات بشكل كامل، لأنّ فشلها سيعني عمليًا سقوط أحد المسارات القليلة المتبقية لضبط الوضع على الجبهة اللبنانية. فالإدارة الأميركية تدرك أنّ أي انهيار للمحادثات سيُفسَّر إسرائيليًا على أنّه ضوء أخضر لمزيد من التصعيد، كما سيُفسَّر داخل لبنان على أنّ الخيار العسكري عاد ليتقدّم على الخيار الديبلوماسي.
لذلك، يُرجَّح أن تشهد الأيام التي ستلي الجولة الرابعة من المفاوضات السياسية في وزارة الخارجية الأميركية اتصالات مكثفة لإعادة ترميم ما تصدّع في اجتماعات البنتاغون، خصوصًا أنّ الولايات المتحدة لا تريد أن تتزامن أي انتكاسة في الملف اللبناني مع التعقيدات المتزايدة في ملفات إقليمية أخرى، من العلاقة مع إيران إلى أمن الممرات البحرية والطاقة في المنطقة.
إلا أنّ المؤشر الأهم يبقى في الميدان نفسه. فإذا استمرت إسرائيل في سياسة توسيع نطاق عملياتها العسكرية ومحاولة فرض وقائع جديدة جنوب الليطاني وشماله، فإنّ قدرة واشنطن على إبقاء المفاوضات حيّة ستصبح أكثر صعوبة. أما إذا نجحت الإدارة الأميركية في فرض بعض من التهدئة، ولو محدودة، فقد يكون ذلك كافيًا لمنح المسار التفاوضي فرصة جديدة، ولو أنّ أحدًا لا يملك حتى الآن ضمانات فعلية بأنّ الطريق إلى التسوية سيكون قصيرًا أو سهلًا.
في المقابل، يبدو أنّ لبنان يقف اليوم أمام مفترق بالغ الحساسية. فإمّا أن تنجح واشنطن في تحويل المفاوضات إلى مدخل لإرساء استقرار طويل الأمد على الحدود الجنوبية، وإمّا أن تبقى هذه الاجتماعات مجرد محطات مؤقتة في مسار صراع لم تنضج بعد شروط إنهائه، لا إقليميًا ولا دوليًا، خصوصًا أنّ ما يُناقش في واشنطن يتجاوز الجنوب اللبناني ليطال شكل التوازنات الجديدة في المنطقة بأسرها.
ويبقى السؤال الأهم، وهو: هل يُراد للبنان أن يبقى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل الإقليمية والدولية، وورقة ضغط تستخدمها القوى الكبرى كلما تعثرت مفاوضاتها أو احتدمت صراعاتها، أم أنّ ما تحمّله من أثمان باهظة خلال السنوات الأخيرة سيجعله مدخلًا إلزاميًا لإعادة رسم التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط؟
فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وتعقيداته الداخلية، لم يكن يومًا خارج معادلات المنطقة. لكنه يقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تحدد مصيره لعقود مقبلة.
فإذا نجحت المساعي الدولية والإقليمية في تحويل الجنوب من ساحة مواجهة إلى مساحة استقرار، فقد يجد لبنان نفسه، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، جزءًا من التسوية لا مجرد ضحية. أما إذا استمرت سياسة إدارة الصراعات بدلًا من حلّها، فإنّ البلد سيبقى الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للاهتزاز كلما تبدلت موازين القوى أو تعثرت التفاهمات الكبرى.
وما يزيد من أهمية هذه المرحلة أنّ المنطقة بأسرها تعيش مخاضًا سياسيًا وأمنيًا غير مسبوق منذ عقود. من الخليج إلى بلاد الشام، ومن الملف النووي الإيراني إلى مستقبل غزة والعلاقات العربية – الإسرائيلية، تتشكل معالم نظام إقليمي جديد لم تستقر قواعده بعد. وفي قلب هذا المشهد يقف لبنان، لا لاعبًا رئيسيًا في رسم هذه التحولات، بل ساحة تتقاطع فوقها المصالح والنفوذ والحسابات المتناقضة.
لذلك، قد لا يكون الرهان الحقيقي اليوم على وقف جولة من القتال هنا أو هناك، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على استثمار اللحظة الإقليمية الدقيقة لإعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتها، لأنّ الدول وحدها تستطيع حماية أوطانها عندما تتغير الخرائط وتتبدل التحالفات. وعندها فقط يمكن للبنان أن ينتقل من موقع الساحة إلى موقع الشريك، ومن دور الضحية الدائمة إلى دور الدولة التي تملك قرارها وتشارك في صناعة مستقبلها، بدلًا من أن يبقى مستقبلها يُصنع على طاولات الآخرين.