مدير التوجيه بـ(البحوث الإسلامية): الفكر الإلحادي يحصر الوجود في نطاق المحسوس
تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT
تواصلت فعاليات «أسبوع الدعوة الإسلامية الثالث عشر» الذي تنظمه الأمانة العامة للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية بالتعاون مع جامعة المنوفية، تحت عنوان: «الإيمان في عصر العلم»، وذلك برعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر، الدكتور محمد الجندي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية.
وعُقد رابع أيام الأسبوع بكلية التربية جامعة المنوفية في ندوة بعنوان: «الإلحاد الرقمي: كيف نواجه الشبهات في عالم الإنترنت»، بمشاركة نخبة من علماء الأزهر، وبحضور الأستاذ الدكتور صبحي شرف، نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، وعدد من قيادات الكلية وأساتذتها.
أكد الدكتور صلاح السيد، مدير عام التوجيه بمجمع البحوث الإسلامية، أن الإلحاد الرقمي ليس مجرد رأي فردي، بل هو ظاهرة عالمية منظَّمة تستغل التقدم التكنولوجي في نشر الشكوك والأفكار العدمية.
وأوضح أن هذا المفهوم يشير إلى استثمار التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي في صناعة محتوى جاذب ومصمم لـ«تفكيك» العقائد الدينية، مستهدفًا فئة الشباب بشكل خاص، حيث يتم استبدال الحوار العميق بمنشورات سريعة تثير الشبهات دون تقديم حلول فكرية متكاملة.
وأشار إلى أن أحد أخطر أسس الإلحاد الرقمي هو الترويج لـ«المادية الجامدة» التي تحصر الوجود في نطاق المحسوس، وتُقدَّم على أنها مدعاة علمية، بينما تتجاهل عمدًا الأدلة العقلية والفطرية على وجود الخالق.
وبيّن أن دعاة الإلحاد يركّزون على ما يصفونه بـ«تناقضات» أو «ادعاءات زائفة» في النصوص الدينية، مستغلين جهل البعض بعلوم الشريعة واللغة لـ«تفكيك» اليقين المعرفي، متغافلين عن عجز الإطار المادي وحده عن تفسير الوعي والأخلاق وغائية الكون.
وأكد أهمية تفكيك الادعاءات الزائفة التي تعتمد على المغالطات المنطقية، مشيرًا إلى أن ما يُقدَّم على أنه دليل علمي ضد الدين غالبًا ما يكون تأويلًا ماديًا للنتائج العلمية وليس العلم ذاته.
وأضاف أن المواجهة تتطلب نظرة نقدية للأسس التي يبني عليها الإلحاد الرقمي، وكشف طبيعة هذه الأسس الضعيفة التي تنهار أمام الأسئلة الوجودية العميقة حول معنى الحياة والمصير، وغيرها من دلائل قدرة الله سبحانه وتعالى.
من جانبه، قال الدكتور حسن درويش، رئيس الإدارة المركزية لمنطقة المنوفية الأزهرية، إن سلاحنا الأول في المواجهة يتمثل في تقديم الإيمان كنظام معرفي متكامل وليس مجرد طقوس أو شعائر، لأن الإيمان يقدم إجابات عقلانية للأسئلة الكبرى التي يعجز الإلحاد عن الإجابة عنها، مثل: من أين أتينا؟ وما الغاية من وجودنا؟ وما هو المعيار المطلق للعدل والخير؟
وأوضح أن هذا النظام المعرفي الشامل للإسلام يثبت تفوقه على العدمية الإلحادية التي لا تقدم سوى شعارات واهية تملأ عقول الشباب فراغًا ويأسًا.
وشدد فضيلته على ضرورة استخدام أدوات المواجهة بفعالية، ليس فقط بالرد على الشبهات، بل أيضًا عبر البناء المعرفي والأخلاقي الذي يحصّن الشباب، مؤكدًا أهمية تقديم الإيمان كنظام أخلاقي يبني الأسرة والمجتمع ويسمو بالإنسان، بينما العدمية الإلحادية لا تملك سوى الهدم، إذ تنفي القيمة المطلقة للأخلاق وتحول الإنسان إلى مجرد كائن محكوم بالصدفة والغريزة.
كما أكد أهمية تدريب الشباب على مهارات التفكير النقدي للمحتوى الذي يتلقونه، للتمييز بين المعلومات الموثوقة والشبهات المغرضة، مع تقديم نماذج دعوية رقمية رصينة وجذابة تثبت أن الإيمان هو المرتكز الذي يبني الحياة الكريمة ويمنح السكينة والغاية.
ومن المقرر أن تستمر فعاليات «أسبوع الدعوة الإسلامية الثالث عشر» الذي يحمل شعار «الإيمان في عصر العلم»، بخطة شاملة على مدار خمسة أيام في مختلف كليات جامعة المنوفية، تتناول مجموعة من المحاور تشمل:
«ركائز الإيمان»، و«الإيمان والعلم: صراع أم توافق»، و«وجود الله بين العقل والفطرة»، و«الإلحاد الرقمي: كيف نواجه الشباب في عالم الإنترنت»، و«الإيمان وبناء الأوطان».
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: البحوث الإسلامية مدير التوجيه بـ البحوث الإسلامية الإلحادي الفكر الإلحادي بجامعة المنوفية البحوث الإسلامیة
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..