رهينة. هكذا أصبحت البيئة والدول النامية بين أيدي القوى الكبرى، حيث لم تعد القضايا البيئية مجرد أدوات حماية للكوكب، بل تحولت اليوم إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي لإعادة توزيع النفوذ العالمي. أحدث مثال على ذلك جاء من المنظمة البحرية الدولية، التي أعلنت عن خطة فرض “إطار العمل الصافي الصفري” للحد من الانبعاثات في قطاع الشحن الدولي.

على الورق، بدا الإطار خطوة بيئية ضرورية، يتضمن معايير للوقود وآلية لتسعير الانبعاثات، لكنه في الواقع يُمثل ضريبة كربون عالمية سترفع تكاليف النقل والشحن والطاقة بشكل كبير، وستكون الدول النامية والمستهلكون الأضعف في مواجهة هذه الأعباء.
الولايات المتحدة كانت في طليعة الرافضين. إدارة الرئيس ترامب اعتبرت أن الإطار يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالح الاقتصاد الأمريكي والصناعة الوطنية. أي زيادة في أسعار الوقود أو الشحن كانت ستنعكس فورًا على المستهلكين والشركات، حتى مع قدرة أمريكا التقنية والمالية على التكيف. وشدد ترامب على أن بلاده لن تقبل أي اتفاقية دولية تفرض أعباءً غير عادلة، وأنها ستسعى للحصول على دعم عالمي لوقف هذا الإجراء، مع الحق في الرد أو البحث عن انتصاف لمواطنيها إذا تم فرض المعايير. هذا الموقف لم يكن مجرد رد فعل، بل تحرك استراتيجي لضمان سيطرة الولايات المتحدة على صياغة المعايير الدولية بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية.
نتيجة الضغط الأمريكي، أعلنت المنظمة البحرية الدولية تأجيل التصويت على الإطار لمدة عام كامل، مع استمرار العمل على إعداد المبادئ التوجيهية بين الدورات. هذا التأجيل، رغم أنه قد يبدو إجراءً فنيًا، كان في الحقيقة انتصارًا سياسيًا واقتصاديًا للولايات المتحدة، وأظهر كيف تتحكم القوى الكبرى في توجيه القرارات الدولية لصالحها، بينما تبقى الدول النامية والبيئة أسيرة للقرارات التي تفرض عليها.
التحليل الاقتصادي يكشف أن المنظمات الدولية ليست مستقلة. فهي تعتمد على التمويل السياسي والاقتصادي من الدول الكبرى، وتعمل وفق موازين القوة بينها، ما يجعل أي سياسات بيئية غالبًا تُفرض لصالح تلك القوى وليس لصالح العالم أو التنمية المستدامة. أي ضريبة كربون أو معيار وقود صارم يؤدي إلى رفع تكلفة تشغيل السفن وزيادة أسعار الشحن والسلع، وهو ما تتحمله الدول النامية بشكل أكبر، لأنها تفتقر للقدرة المالية والتكنولوجيا المتقدمة اللازمة للامتثال بسهولة.
بهذا تصبح البيئة والدول النامية رهينة بين النفوذ الأمريكي ومصالح القوى الكبرى وصلاحيات المنظمات الدولية. أي تحرك بيئي على المستوى العالمي يتحول من قضية حماية الكوكب إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي، تحدد من يملك القرار ومن يدفع الثمن. الدول النامية، التي غالبًا ما تعاني من نقص التمويل والتكنولوجيا، تواجه خيارًا صعبًا بين الامتثال المكلف أو التخلف عن الركب الاقتصادي العالمي، بينما تتحرك الدول المتقدمة بحرية لحماية صناعاتها وأسواقها، مع القدرة على التكيف دون تحمل تكاليف كبيرة.
الدول النامية والبيئة أصبحتا رهينة بين القوى الكبرى والمنظمات الدولية، تتحملان الأعباء المالية والمعيشية، بينما تُستخدم المعايير البيئية كأداة لإعادة توزيع النفوذ والثروة. الدول المتقدمة ليست مضطرة للضرر، لكنها تتحرك لضمان أن أي معايير دولية تُطبق بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية، مع الاستفادة من مرونتها التقنية والمالية.
هذا الواقع يعكس ما يمكن تسميته بالاستعمار البيئي الناعم، حيث تُفرض على الدول النامية قيود ومعايير مكلفة بحجة حماية الكوكب، بينما الدول الكبرى تتحكم في التمويل والتكنولوجيا وتطبيق المعايير. البيئة لم تعد هدفًا مشتركًا، بل أصبحت أداة ضغط اقتصادي وسياسي للتحكم في الأسواق العالمية للطاقة والشحن والتجارة.
تتجلى هذه الديناميكية بوضوح في قطاع النقل البحري، حيث أي ضريبة أو معيار جديد يرفع تكلفة تشغيل السفن، ويؤثر على أسعار الشحن للسلع الأساسية والمنتجات الاستهلاكية، ويزيد من تكاليف الطاقة. حتى السفن الصغيرة والموانئ في الدول النامية تتحمل أعباء مالية بملايين الدولارات، مما يقلل قدرتها التنافسية ويزيد اعتمادها على الشركات والدول الكبرى. الدول المتقدمة تظل الأكثر استفادة وتحكمًا في الأسواق العالمية، بينما الدول النامية والبيئة تدفع الثمن. هذا يؤكد أن البيئة لم تعد مجرد قضية حماية للكوكب، بل أداة هيمنة اقتصادية وسياسية.
الأثر على البيئة نفسها ليس مضمونًا كما يُعلن، إذ أن فرض معايير وقود باهظة الثمن أو ضريبة كربون عالمية قد يؤدي إلى تأجيل التحول الفعلي للتقنيات النظيفة في الدول النامية، بسبب ارتفاع التكاليف وعدم توفر التكنولوجيا المناسبة. وبالتالي، بدلًا من تقليل الانبعاثات عالميًا، قد تتباطأ جهود حماية البيئة، بينما الدول الكبرى تظل رائدة في استخدام الطاقة النظيفة بفضل قدرتها المالية والتكنولوجية، فتتحقق مصالحها الاقتصادية أولًا، والبيئة ثانويًا.
الأمثلة الواقعية على تأثير السياسات البيئية على الدول النامية عديدة، منها ارتفاع تكلفة الشحن البحري للبضائع الغذائية والسلع الأساسية، مما يزيد من أسعار المواد في الأسواق المحلية ويضغط على الاقتصاد الوطني. كما أن القيود الجديدة على الوقود تفرض على الصناعات الناشئة في الدول النامية تكاليف إضافية قد تؤدي إلى توقف بعض المشروعات أو انخفاض التنافسية أمام الشركات الدولية. هذا الواقع يعكس التفاوت الكبير في القدرة على الامتثال للتشريعات البيئية بين الدول الغنية والفقيرة.
حتى بعض الدول التي تمتلك موارد طبيعية محدودة، تجد نفسها مجبرة على الاستثمار في تقنيات باهظة الثمن لمواجهة المعايير الدولية، بينما الدول الكبرى تتحكم في توافر التكنولوجيا والأسواق العالمية للوقود النظيف. وهذا يخلق حلقة تبعية اقتصادية وبيئية تجعل الدول النامية تدفع الثمن في الوقت الذي تظل فيه البيئة معرضة لمخاطر إضافية بسبب التأخير في تطبيق الحلول الفعالة.
ومع كل هذه الأعباء الاقتصادية والسياسية، تبقى أهمية الحفاظ على البيئة واضحة وحيوية. فهي ليست رفاهية، بل ضرورة لضمان استدامة الموارد الطبيعية وحماية الأجيال القادمة. الانبعاثات غير المضبوطة تؤدي إلى تغيّر مناخي حاد، يزيد من الكوارث الطبيعية، ويؤثر على الأمن الغذائي والمائي في الدول النامية قبل المتقدمة. وهذا يضع المسؤولية الأخلاقية والاقتصادية على كل دولة، ليس فقط للحد من الانبعاثات، بل لضمان تطبيق سياسات عادلة وفعّالة دون تحميل الدول الفقيرة أعباء غير متناسبة.
الواقع يمتد إلى كل القرارات البيئية الدولية، حيث تُشكل السياسات وفق مصالح الدول القوية، ويتم توجيه التمويل والتكنولوجيا بما يخدمها، بينما تتحمل الدول النامية والبيئة العبء الأكبر. أي اتفاقيات أو ضوابط بيئية غالبًا ما تفرض أعباء مالية وتقنية كبيرة على هذه الدول، دون أن يكون لديها القدرة على التأثير الفعلي في صياغة القرارات. كل هذا يجعل البيئة أداة ضغط سياسي واقتصادي أكثر من كونها هدفًا علميًا أو أخلاقيًا.
الخلاصة واضحة: البيئة لم تعد قضية علمية أو أخلاقية فحسب، بل أصبحت أداة لإعادة ترتيب السلطة الاقتصادية والسياسية عالميًا. الدول النامية والأجيال القادمة أصبحت رهينة بين قرارات القوى الكبرى والمنظمات الدولية، بينما تتحرك الدول المتقدمة لحماية مصالحها، وضمان ألا تُفرض عليها أعباء مباشرة. المستقبل يتطلب إعادة تعريف العدالة البيئية كحق سيادي لكل دولة، مع سياسات توازن بين حماية المستهلك، حماية الصناعة الوطنية، وضمان استدامة البيئة، مع الحفاظ على الالتزام بالمعايير البيئية الضرورية لمواجهة التغير المناخي.
لكن يبقى التساؤل الأهم: هل ستظل المنظمة البحرية الدولية، والدول النامية، والبيئة أسيرًا لسياسات أمريكا والدول الكبرى، أم أن هناك فرصة لإعادة رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل أكثر عدلاً واستدامة؟ البيئة اليوم في قبضة السياسة والمال، والدول النامية تدفع الثمن، بينما القوى الكبرى تحدد قواعد اللعبة الدولية لصالحها، مؤكدة أن الملف البيئي أصبح أداة هيمنة اقتصادية عالمية أكثر من كونه ميدان تعاون مشتركاً، ما يجعل التساؤل عن مستقبل العدالة البيئية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

برامج لدعم البيئة التعليمية في جامعتي الطفيلة واليرموك

صراحة نيوز – نفذت جامعتا الطفيلة التقنية واليرموك اليوم الثلاثاء، مبادرات وبرامج لدعم الطلبة وتعزيز البيئة التعليمية والبحثية، من خلال أنشطة توعوية ومشروعات أكاديمية.

ففي الطفيلة، نفذت جامعة الطفيلة التقنية مبادرتين توعويتين استهدفتا طلبة الجامعة، لتعزيز الصحة النفسية والسلوكيات الصحية الإيجابية لدى الطلبة خلال فترة الامتحانات النهائية.

وشملت المبادرة الأولى توزيع عبارات تحفيزية وإيجابية في مختلف مرافق الجامعة، بهدف رفع معنويات الطلبة وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ومساندتهم نفسياً خلال فترة الامتحانات، وبما يسهم في التخفيف من الضغوط النفسية وتحفيزهم على بذل المزيد من الجهد لتحقيق النجاح والتفوق الأكاديمي.

وفي السياق ذاته، نفذت شعبة عيادة المساعدة على الإقلاع عن التدخين في الجامعة مبادرة توعوية تمثلت في توزيع قطع من الشوكولاتة مرفقة بعبارات إرشادية وتشجيعية تحث الطلبة على الإقلاع عن التدخين، وتسلط الضوء على الآثار الإيجابية لهذه الخطوة على صحتهم الجسدية والنفسية، وذلك ضمن جهود الجامعة الرامية إلى نشر الوعي الصحي وترسيخ ثقافة الحياة السليمة بين الطلبة.

وأكد عميد شؤون الطلبة في الجامعة، الدكتور محمود السعود، أن هذه المبادرات تأتي انسجاماً مع رؤية جامعة الطفيلة التقنية في توفير بيئة جامعية متكاملة تدعم الطلبة نفسياً وأكاديمياً واجتماعياً، مشيراً إلى أن الاهتمام بالصحة النفسية وتعزيز السلوكيات الصحية الإيجابية يشكلان جزءاً أساسياً من رسالة الجامعة تجاه طلبتها.

وفي جامعة اليرموك، افتُتح “متحف التاريخ الطبيعي الأردني” بحلته الجديدة بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل والتطوير بدعم من مجلس محافظة إربد، تزامناً مع احتفالات الجامعة بالأعياد الوطنية واليوبيل الذهبي لتأسيسها، برعاية رئيس الوزراء الأسبق، الدكتور عبدالرؤوف الروابدة وبحضور رئيس جامعة اليرموك، الدكتور مالك الشرايري، ورئيس مجلس محافظة إربد، المهندس منذر البطاينة، والمدير العام للحديقة النباتية الملكية، المهندس محمد إبراهيم شهبز.

وأكد الروابدة أن إعادة تأهيل المتحف تمثل استثماراً وطنياً في الذاكرة العلمية والبيئية للمملكة، مشيراً إلى أن المتاحف العلمية تُعد ركيزة أساسية في حفظ الموروث الطبيعي ونقله إلى الأجيال القادمة، بما يعزز الوعي البيئي ويكرس استدامة المعرفة.

وأشاد بالشراكة المؤسسية بين جامعة اليرموك ومجلس محافظة إربد في دعم هذا الصرح، ودوره في تطوير العملية التعليمية والبحثية، مؤكداً أن اليرموك أصبحت رافعة علمية ومعرفية وثقافية بارزة في المملكة، وأن هذا الإنجاز ينسجم مع السردية الوطنية الأردنية في بناء الإنسان وصون الهوية.

من جانبه، أكد الشرايري أن إعادة افتتاح المتحف تجسد التوجه الاستراتيجي للجامعة في صون الإرث الطبيعي، مشيراً إلى ما ورد في مقدمة كتاب “شذرات من تاريخ الأردن” للدكتور عبدالرؤوف الروابدة بأن الأرض الأردنية كنز ثمين بما تحويه من موارد طبيعية وتاريخية.

ولفت إلى أن التحديثات الجديدة ستعزز دور المتحف كمركز علمي وتعليمي وتوعوي يخدم الطلبة والباحثين والزوار.

بدوره، بيّن عميد كلية العلوم، الدكتور مهيب عواودة، أن المتحف يمثل مرجعاً علمياً يوثق التراث الطبيعي للمملكة، مستعرضاً خطة الجامعة لتطويره ليكون مركزاً رائداً في البحث والتعليم والسياحة العلمية، عبر تحديث المقتنيات ورقمنتها وتعزيز دورها المجتمعي.

وأوضح مشرف المتحف، الدكتور المثنى الكركي، أن المتحف يضم نحو 8000 عينة نباتية و2300 عينة حيوانية من البيئة المحلية، موزعة على أقسام متخصصة تشمل الحيوان والطيور والأسماك والمعشب النباتي والجيولوجيا، بالإضافة إلى ورشة للتحنيط، ما يجعله سجلاً علمياً حياً يخدم المساقات الجامعية والدراسات الميدانية.

وفي سياق متصل، اختتمت جامعة اليرموك فعاليات مشروع التبادل الافتراضي العالمي، الذي نُفذ على مدى عامين بالشراكة مع جامعة شيناندواه الأميركية بدعم من مبادرة ستيفنز، بهدف تعزيز التعاون الأكاديمي الدولي والتعليم العابر للحدود.

وأكدت نائب رئيس الجامعة لشؤون البحث العلمي والاعتمادات الدولية والتصنيفات، الدكتورة ربا البطاينة، خلال رعايتها الحفل الختامي، أن المشروع أسهم في تطوير مهارات الطلبة وأعضاء هيئة التدريس وتوسيع آفاقهم المعرفية والثقافية.

وأوضحت مديرة المشروع الدكتورة سوسن الدرايسة، أن المشروع استقطب 96 عضو هيئة تدريس، و100 مرشد طلابي، ونحو 2000 طالب وطالبة، وأسهم في تعزيز مهارات القيادة والعمل الجماعي والتواصل بين الثقافات.

من جهته، أكد مدير دائرة العلاقات والمشاريع الدولية الدكتور رشيد جرادات، أن المشروع يعزز الحضور الدولي للجامعة ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون الأكاديمي العالمي.

وتضمن الحفل جلسات حوارية استعرض خلالها المشاركون تجاربهم، قبل أن يُختتم بتكريم المشاركين وتسليمهم الشهادات التقديرية.

مقالات مشابهة

  • برامج لدعم البيئة التعليمية في جامعتي الطفيلة واليرموك
  • يوم البيئة وزمن الدوران
  • نقيب الزراعيين: السياحة البيئية المرتبطة بزراعة المانجروف توازي 200 مليون دولار سنويًا
  • البيئة تعلق على ترند البط: لا إطلاق للكائنات الحية بدجلة دون موافقات
  • جمعية كتاب البيئة: التعاون بين الكيانات البيئية ضرورة لتعزيز جهود حماية الموارد الطبيعية
  • "هيئة البترول" تطلق مبادرة (EGPC Green Oilfield) لبناء إطار مؤسسي موحد للحوكمة البيئية
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • أفضل 7 تطبيقات احترافية لتنزيل الفيديو لهواتف سامسونج في 2026
  • ماليزيا تنتقد إلغاء النرويج صفقة أسلحة وتشكك في موثوقية الاتفاقات الدولية
  • رفع رصيده لخمس ميداليات ملونة.. أدعم القوى يتألق آسيويا