مساران رئيسيان.. كيف تعبر الأسلحة من الإمارات إلى الدعم السريع في السودان؟
تاريخ النشر: 1st, November 2025 GMT
تتخذ الإمارات عدة مسارات جوية وبرية سرية لتقديم الدعم العسكري المباشر لقوات الدعم السريع في السودان، والتي ترتكب منذ بدء نيسان/ أبريل 2023 فظائع ومجازر مروعة، كان آخرها في الفاشر، عاصمة إقليم شمال دارفور.
وتسلك شحنات الأسلحة مسارين رئيسيين في مناطق معينة تحظى فيها أبو ظبي بنفوذ كبير وواسع، وذلك بهدف ضمان وصول السلاح والمرتزقة إلى قوات الدعم السريع التي يقودها أحمد حمدان دقلو، الملقب بحميدتي.
مناطق سيطرة حفتر في ليبيا
وتبرز المناطق التي يسيطر عليها اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر في شرق وجنوب ليبيا كأحد أهم المسارات التي تستخدمها الإمارات في تهريب الأسلحة إلى مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
وكشف تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية أن الإمارات تستخدم الأراضي الليبية كمنصة لوجستية لتكثيف نقل شحنات الأسلحة إلى قوات "الدعم السريع" في السودان. وأوضح التقرير، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب، أن الإمارات زادت في الأشهر الأخيرة من وتيرة الرحلات الجوية التي تنقل الأسلحة عبر ليبيا.
وتشمل الأسلحة المنقولة، طائرات بدون طيار صينية الصنع متطورة من طراز "CH-95"، بالإضافة إلى أسلحة صغيرة، مدافع رشاشة ثقيلة، مدفعية، وذخائر. وفقًا للصحيفة فإن هذا الدعم النوعي ساعد قوات الدعم السريع على شن هجوم متجدد بعد سلسلة من النكسات التي تعرضت لها مؤخرًا.
ولم يتوقف استخدام ليبيا على نقل الأسلحة فقط، بل شمل أيضا استقبال مرتزقة كولومبيين وتهريبهم إلى السودان عبر ليبيا. ووفق تقرير سابق لصحيفة "التلغراف" البريطانية، كشفت وثائق أن شركات أمنية إماراتية، مثل GSSG وA4SI، تورطت في تجنيد مرتزقة للقتال في السودان، تحت غطاء "خدمات حماية". إضافة إلى ذلك، كشف مركز المرونة المعلوماتية في لندن عن وجود معسكر عسكري تابع لقوات الدعم السريع داخل ليبيا، ما يعكس استمرار استخدام ليبيا كمسار إمداد رئيسي.
وكان مصدر مطلع تحدث سابقا لـ"عربي21" رجح تهريب شحنات الأسلحة من ليبيا إلى مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور،بريا، عبر مدينة الكفرة الليبية التي تقع في أقصى جنوب شرق ليبيا، أو عبر رحلات مباشرة بطائرات شحن تقلع مطارات في بنغازي وصولا إلى مطارات خاضعة للدعم السريع داخل السودان.
إقليم بونتلاند الصومالي
كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني عن مسار سري آخر تقوده الإمارات لمد قوات الدعم السريع السودانية بالمرتزقة والأسلحة، حيث تعبر رحلات نقل منتظمة، تحمل مرتزقة كولومبيين، وشحنات أسلحة عبر مطار بوساسو بولاية بونتلاند الصومالية.
وأكد الموقع أن طائرة نقل بضائع ثقيلة بيضاء من طراز IL-76، شوهدت وهي متوقفة بجوار طائرة مشابهة جدًا، في المطار المذكور، كانت تقوم بعمليات إمداد بالسلاح والمرتزقة.
وكشفت بيانات تتبع الرحلات الجوية التي نشرها موقع "ميدل إيست آي" سابقًا أن الإمارات العربية المتحدة زادت بشكل كبير من إمدادات الأسلحة إلى بوساسو، حيث ذكرت المخابرات الأمريكية أن هذه تشمل طائرات بدون طيار صينية الصنع.
وكشف مدير كبير في ميناء بوساسو لأول مرة لموقع "ميدل إيست آي" أن الإمارات العربية المتحدة قامت، خلال العامين الماضيين، بتهريب أكثر من 500 ألف حاوية مصنفة على أنها خطرة عبر بوساسو.
وأفادت مصادر في بوساسو بأن إجراءات الأمن على هذه الشحنات مشددة للغاية. فعندما ترسو سفينة، تُنشر قوات من قوة حماية ميناء بونتلاند لتطويق الميناء ومنع التصوير. ولا يُسمح بالدخول إلا للموظفين المناوبين، ويُحذّرون صراحةً من تسجيل أي شيء أثناء عملية التفريغ والعبور.
وتُظهر صورٌ حصلت عليها ميدل إيست آي حصريًا عشرات الكولومبيين يحملون حقائب ظهر وهم ينزلون من طائرة في مطار بوساسو ويتجهون مباشرةً إلى المعسكر، وهؤلاء يعملون كمقاتلين مرزقة مع قوات الدعم السريع.
ويصل الأفراد الكولومبيون إلى بوساسو على متن رحلات تجارية دولية، ويمرون عبر المطار يوميًا تقريبًا قبل مواصلة رحلتهم إلى السودان، حيث يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع. ونادرًا ما يتمكن الجنود الصوماليون من قوات الأمن الصومالية، المتمركزون في المطار، من الوصول إلى معسكر الكولومبيين.
تقرير أممي سري
وكشف تقرير سري قُدّم إلى مجلس الأمن الدولي، أن أسلحة ومكونات بريطانية الصنع - بما في ذلك أنظمة استهداف للأسلحة الصغيرة ومحركات مستخدمة في مركبات نمر عجبان المدرعة إماراتية الصنع - قد عُثر عليها من مواقع تسيطر عليها قوات الدعم السريع السودانية.
وحذّر خبراء الأمم المتحدة من أن تحويل مسار هذه المعدات يُشكل "خطرًا جسيمًا" على الاستقرار الإقليمي، وقد يُفاقم تأجيج الصراعات في الدول التي لا تزال تخضع لقيود الأسلحة.
تُظهر الصور والملفات المُقدّمة إلى الأمم المتحدة أن مركبات نمر، التي صنعتها مجموعة إيدج المملوكة للدولة الإماراتية، والمُزوّدة بمحركات كامينز، قد صودرت من قوات الدعم السريع في الخرطوم وأم درمان.
وربطت تقارير سابقة المركبات نفسها بميليشيات في ليبيا والصومال ومناطق نزاع أخرى تخضع لتدقيق في عمليات نقل الأسلحة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية الإمارات الدعم السريع الأسلحة ليبيا بونتلاند ليبيا أسلحة الإمارات بونتلاند الدعم السريع المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة قوات الدعم السریع الدعم السریع فی میدل إیست آی أن الإمارات فی السودان
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.