” #لي_كوان_يو ” #صانع #النهضة_الاقتصادية في #سنغافورة . . !

#موسى_العدوان

سنغافورة دولة صغيرة تقع في جنوب شرق آسيا، تبلغ مساحتها حوالي 700 كيلومتر مربع، وعدد سكانها حوالي 5 ملاين نسمة من عرقيات واديان متنوعة. كانت هذه الجزيرة مستعمرة بريطانية في أواسط القرن الماضي، وكانت تفتقر للموارد الطبيعية، وأكثر تخلفا من الأردن في ذلك الزمان.

كما كان يعاني سكانها من البطالة والركود الاقتصادي وأزمة السكن والفساد الإداري. ولكن أهميتها تكمن في موقعها على خطوط الملاحة البحرية بين الشرق والغرب.

فكيف لهذه الجزيرة الصغيرة والمتخلفة في ذلك الحين، أن تفرض نفسها بين أغنى خمس دول من عمالقة دول العالم، من حيث احتياطات العملة الصعبة، واستقبالها لِ 5 ملايين سائح سنويا ؟ وأصبح معدل دخل الفرد من الناتج المحلي عام 2024، حوالي 68 ألف دولار في العام ؟ ومعدل البطالة أقل من 3 % ؟ وأصبحت المركز المالي والتكنولوجي الأول في المنطقة ؟ كما أصبحت تتميز بنظافتها وجمل منظرها، بعد أن كانت مكرهة صحية مزعجة؟

مقالات ذات صلة هل تبشر المؤشرات بتغير الأنظمة الجوية وهطول الأمطار الأيام القادمة؟ 2025/11/01

* * *

ففي عام 1959 أنتُخب ” لي كوان يو ” القادم من جامعة أكسفورد، كأول رئيس لوزرائها بعد فوز حزبه بالانتخابات. ثم انفصلت الجزيرة عن اتحاد الملايو ( ماليزيا )، ونالت استقلالها عام 1965. وقد وصف رئيس وزرائها الجديد المشهد الذي يكتنف الجزيرة قائلا :

” بعد الانفصال عن الملايو وجدت كل شيء حولي ينذر بالانهيار. فنسبة البطالة تقارب 15 %، والدولة الجديدة تكاد تخلو من كل شيء، البنية التحتية متخلفة للغاية، المدارس والجامعات لا تفي بالحاجة، القوة العسكرية مؤلفة من كتيبتين ماليزيتين، قوات الشرطة لا وجود لها من الناحية العملية، الغليان العنصري والديني يهدد بالانفجار في أية لحظة، التهديد الخارجي لم يتوقف، ومانت مليزيا تنتظر فشلنا على أحر من الجمر، لتستخدم القوة في إعادة سنغافورة إلى حظيرة البلاد “.

كان الرئيس ” يو ” يتمتع بالرؤية الثاقبة وبعد النظر، والتصميم على بناء الدولة، رغم كل التحديات التي كانت تواجهه. فركّز خطته على ” بناء الإنسان ” من خلال النهوض العلمي، وعدم إضاعة الوقت في الإصغاء للإذاعات، ومنع الناس من التجمهر إلاّ لأداء الصلاة، وأغلق السجون ليفتح المدارس بدلا منها. كما حارب الفقر والبطالة من خلال مشاريع ناجحة، وجعل لكل مواطن بيتا يسكن فيه، بدلا من أكواخ الصفيح على ضفتي النهر، ثم أقام نموذجا مثاليا للحكم في البلاد.

وفي تطبيق رؤيته الاقتصادية، لم يعتمد الرئيس ” يو ” على لجان وخلوات اقتصادية، على أحد شواطئ الجزيرة، لتستنزف الوقت وتخرج بتوصيات فاشلة تكرّس التخلف، بل أعتمد في رؤيته النهضوية، على محاور رئيسية ثلاث هي :

1. محور التعليم. فقد أورد في مذكراته ما يلي : ” الدول المتحضرة تبدأ نهضتها بالتعليم، وهذا ما بدأتُ به عندما تسلّمت الحكم في دولة فقيرة جدا. أوليت الاقتصاد اهتماما أكثر من السياسة، والتعليم أكثر من نظام الحكم، فبنيت المدارس والجامعات، وأرسلت الشباب إلى الخارج لتلقي العلم والاستفادة من دراساتهم لاحقا، في تطوير الداخل السنغافوري “.

2. محور التوظيف الحكومي. اعتمدت حكومته على التوظيف، بدرجة عالية من المهنية والثقافية، وذلك من خلال مناظرات ومسابقات مفتوحة للجميع. ويقول في هذا الصدد : ” بعد عدة سنوات من الخدمة الحكومية، أدركت أنني كلما اخترت أصحاب المواهب كوزراء وإداريين مهنيين، كلما كانت سياستنا أكثر فعالية وأكثر انتاجا “.

3. محور تحديد النسل. تبنت الحكومة سياسة تحديد النسل، بحيث لا تتجاوز زيادة نسبة السكان وهي 1,9 % في عام 1970 و 1,2 في عام 1980، وذلك تجنبا للانفجار السكاني الذي يعرقل التنمية. وبعد أن تعافى الاقتصاد، اعتمدت الحكومة برنامجا معاكسا، يهدف إلى تحفيز المواطنين على زيادة النسل، لتوفير الأيدي العاملة التي نحتاجها.

وهكذا حققت سنغافورة بقيادة رئيس وزرائها ” لي كوان يو ” معجزة اقتصادية عظيمة، في فترة لا تزيد عن ثلاثة عقود، وتحولت من دولة متخلفة إلى دولة صناعية، تنتج مختلف المواد التجارية والإلكترونية، وتكرير النفط، وبناء السفن، وصناعة السياحة، رفع دخل الفرد السنوي في بلاده، من 1000 دولار عند الاستقلال، إلى 68 ألف دولار في عام 2024. وحوّل بلاده من مستنقعات تعجّ بالذباب والبعوض، إلى مركز استثماري وسياحي عالمي، يكتظّ بناطحات السحاب. ويمكن لأي قارئ أن يطلع من خلال الشبكة العنكبوتية، على معالم نهضة سنغافورة الحديثة، التي حولت البلاد إلى قبلة للسائحين والمستثمرين.

في عام 1990 تنازل ” يو ” عن الحكم طوعا، بعد أن تولى رئاسة الوزراء لمدة 31 عاما متواصلة، حقق خلالها لبلاده هذه النهضة الاقتصادية الرائعة. ولكن الدولة حافظت عليه نظرا لإخلاصه وخبراته الفذة في إدارة البلاد، وعينته مستشارا لمجلس الوزراء، لمدة 21 عاما إضافية، لكي يحافظ على الإنجاز الذي تم تحقيقه، ويواكب استمرارية تطور البلاد، ثم توفي عام 2015 عن عمر يناهز ال 91 عاما.

وعند المقارنة بين ما أنجزه رئيس وزراء سنغافورة السابق، من تقدم اقتصادي لبلاده خلال توليه الحكم، وما أنجزه رؤساء وزرائنا خلال توليهم الحكم خلال العقود الماضية وحتى الآن، نجد أن هناك بونا شاسعا بين الطرفين.

فبدلا من التقدم الاقتصادي الذي تحقق في سنغافورة، تلك الدولة الصغيرة فقيرة الموارد الطبيعية، والتي استقلت بعدنا ب 19 عاما، قابلها من طرفنا تخلف اقتصادي، رغم تعدد اللجان الاقتصادية وتوفر الموارد الطبيعية، والظروف الأفضل من ظروف سنغافورة في ذلك الحين.

ولكني أستثني من ذلك : تقدمنا في ارتفاع المديونية، وفرض الضرائب الجديدة، وزرع آلاف كاميرات المراقبة في شوارع العاصمة عمان، وتوقيع اتفاقية استثمار علاجي مع الصومال وغامبيا واليمن . . !

وختاما أتساءل : ألا يمكن لخبرائنا الاقتصاديين، الذين يتولون التخطيط لما سُمي بِ ” خطة الرؤية الاقتصادية وغيرها “، أن ينقلون رؤية ” الراحل لي كوان يو الاقتصادية “، بعد تطويرها بما يتفق مع التكنولوجيا الحديثة، وبما يناسب ظروفنا المحلية ؟ ويريحونا ويريحوا أفكارهم من العصف الذهني المرهق تحت المكيفات، والاستغناء عن خططهم الاقتصادية الهلامية، التي سمعنا بها وبأمثالها خلال السنوات الماضية، ولم نلمس لها نتائج واقعية ؟

التاريخ : 1 / 11 / 2025

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: صانع النهضة الاقتصادية سنغافورة من خلال فی عام

إقرأ أيضاً:

السجن مدى الحياة لراشد الغنوشي في قضية الجهاز السري لحركة النهضة

أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، مساء اليوم الثلاثاء، أحكامها في ما يُعرف إعلاميًا بـ "قضية الجهاز السري لحركة النهضة"، في ملف واسع شمل 35 متهمًا، وتراوحت العقوبات فيه بين السجن لعشر سنوات والسجن مدى الحياة، إضافة إلى أحكام تراكمية بعشرات السنوات.

وقضت المحكمة بالسجن مدى الحياة مع  ثلاثين سنة سجنا ضد رئيس الحركة راشد الغنوشي، و42  عاما ضد نائبه علي العريض ،و96 سنة سجنا لمصطفى خذر والسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجنا لرضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين.

وحسب مصدر قضائي لوكالة الأنباء الرسمية، فقد قضت المحكمة بـ"ثبوت إدانة المتهمين من أجل جرائم تكوين وفاق إرهابي والإنضمام عمدا بأي عنوان كان داخل تراب الجمهورية إلى وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية ووضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي وعلى ذمة أشخاص لهم علاقة بالجرائم الإرهابية وجرائم ارهابية اخرى منصوص عليها بقانون مكافحة الارهاب".


وقضت المحكمة أيضا بالسجن مدى الحياة مع 50 سنة سجنا لفتحي البلدي والسجن مدى الحياة مع 37 سنة سجن لعبد العزيز الدغسني والسجن مدى الحياة مع 32 سنة سجنا لكمال البدوي والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجن لسمير الحناشي والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجنا لراشد الغنوشي.

يشار إلى أن الملف تم فتحه سنة 2022 إثر شكوى قدمتها النيابة العمومية وفريق الدفاع عن السياسيين  شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا تباعا في فبراير  ويوليو من سنة 2013.

خلفية القضية: من اغتيالات 2013 إلى فتح الملف القضائي

يعود أصل هذا الملف إلى مطلع سنة 2022، حين تقدمت النيابة العمومية وشكوى صادرة عن فريق الدفاع عن السياسيين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا في شباط / فبراير، وتموز / يوليو من عام 2013 على التوالي.

وقد اتهم فريق الدفاع حينها ما يُعرف بـ“الجهاز السري لحركة النهضة” بالضلوع في الاغتيالين، إضافة إلى اتهامات أخرى تتعلق بالتجسس واختراق مؤسسات الدولة.

في المقابل، تنفي حركة النهضة هذه الاتهامات بشكل متواصل، وتعتبرها ذات خلفية سياسية ولا تستند إلى أدلة قضائية حاسمة.

مسار قضائي معقد وتحقيقات متعددة

وكانت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بأريانة قد تعهدت بالملف في بدايته، قبل أن تقرر في سبتمبر/أيلول 2023 التخلي عنه لفائدة القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي تولى لاحقًا استكمال التحقيقات وإحالة الملف على الدائرة الجنائية المختصة.

يأتي هذا الحكم في سياق سياسي وقضائي حساس في تونس، حيث تتقاطع الملفات المرتبطة بالإرهاب مع سياقات سياسية متشابكة تعود إلى ما بعد 2011، وتحديدًا مرحلة ما بعد اغتيالات 2013 التي هزّت المشهد السياسي التونسي وأعادت فتح ملفات تتعلق بالأمن والاستخبارات والتنظيمات السرية.



مقالات مشابهة

  • حكم جديد بالمؤبد مع السجن 30 سنة في حق زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي
  • محاكمة في الظلام.. النهضة تهاجم أحكام المؤبد وتتهم السلطة بتصفية سياسية
  • السجن مدى الحياة لراشد الغنوشي في قضية الجهاز السري لحركة النهضة
  • “حماس”: الحديث عن رفض الحركة تسليم الحكم في غزة أكاذيب مضللة والعدو الإسرائيلي وميلادينوف هما العقبة
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • برلماني: المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمتلك مقومات لتصبح مركزًا عالميًا لإدارة سلاسل الإمداد
  • طقس الثلاثاء: حار بكل من الجنوب الشرقي وجنوب البلاد مع هبوب رياح قوية
  • خلال اجتماع اقتصادية الشيوخ.. تساؤلات حاسمة للحكومة حول خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2026/2027
  • ابتكار قطرة من السبانخ تعالج جفاف العين بتقنية التمثيل الضوئي
  • كوريا الجنوبية تتفق مع اليابان على إمدادات عسكرية متبادلة