جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@04:31:12 GMT

من يجرؤ على قول المسكوت عنه؟!

تاريخ النشر: 1st, November 2025 GMT

من يجرؤ على قول المسكوت عنه؟!

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

من المؤسف حقًا أن تكون بلاد العرب البيئة الحاضنة والمكان الأمثل والأصيل لصناعة المؤامرات وزرع الفتن وتأسيس المليشيات الإرهابية بتمويل رسمي من بعض الزعامات العربية؛ بل وفي كثير من الأحيان بشراكة مع الحكومات الغربية كما هو الحال وما أكدته مراكز البحوث المتخصصة في دراسة الإرهاب الدولي العابر للقارات؛ إذ لم تكن التنظيمات المعروفة بـ"القاعدة" ثم "داعش" إلّا نتائج لهذا التعاون الشيطاني بين أجهزة المخابرات الغربية وأعوانهم من أنظمة عربية تهدف بالدرجة الأولى إلى تشويه الإسلام والمسلمين، والعمل على القضاء على الغايات والطموحات الكبرى للأمة الإسلامية، وإبعاد المجتمعات والأفراد عن الجهاد الحقيقي في سبيل الله لتحرير المقدسات واستعادة فلسطين المحتلة من الصهاينة.

لقد تابعت مثل غيري من الملايين الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأبرياء من الأطفال والنساء في مدينة الفاشر بالسودان، وهي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة؛ ذلك لكون أن الذي سلَّط تلك العصابة الإجرامية على الشعب السوداني هم من أبناء جلدتهم، ولكن بتوجيه من الخارج؛ فهذه الحرب تدار بريموت كنترول من أعداء الأمة من خارج الحدود؛ فالتمويل المُباشر حسب توصيف مجلس الأمن الدولي جرى بأموال عربية تشتري السلاح بشكل رسمي كواجهة رسمية، ثم يتم تسليمه بعد ذلك لميلشيات الدعم السريع؛ وذلك لإعادة تصويبه إلى صدور المواطنين السودانيين المدنيين في أرجاء هذا البلد الجريح الذي تتقاذفه القوى الأجنبية تارة، وبعض المتعهدين من بعض الأنظمة الخليجية تارة أخرى، كالتي وُكِّلَ لها من الدول الاستعمارية زرع الفتن ونشر الحروب وإعداد أمراء الحرب من الجنرالات لتدمير الدول العربية وأنظمتها من الداخل، بهدف معروف هو تقسيم المُقسَّم في الأصل في بلاد العرب من القوى المُعادية.

الذي يحدث في السودان ليس ببعيد عن نزيف الدم وسياسة القتل والتجويع في غزة وليبيا واليمن وسوريا منذ سنوات طويلة؛ فهناك جهات معروفة تفتخر بتلك الأعمال الإرهابية ولا تخاف من كائن من كان، خاصة التبعات القانونية لتلك الجرائم التي يشيب لها الرأس، والتي لا يُمكن بأيِّ حال من الأحوال أن تسقط عن مدبريها ومموليها بالتقادم؛ فهناك يوم للحساب مؤكد، وقد يكون في لاهاي وربما في الخرطوم؛ فلكل قاتل وظالم أيام قادمة لا تحيد عن المحاسبة واسترجاع الحقوق ولو بعد حين. وكما قيل في الماضي "كما تُدين تُدان" وهذه هي القوانين الإلهية ثابتة وغير قابلة للتعديل.

ومن المفارقات العجيبة أن هذا العبث بأمن الأمة العربية لم يتوقف عند حد توزيع سلاح القتل؛ بل وصل الأمر إلى جلب المرتزقة والشركات التي تعمل فيها عصابات إجرامية عابرة للحدود من دول معروفة لقتل الآمنين دون ذنب، ويقف خلف ذلك السيطرة ونهب مناجم الذهب والثروات الطبيعية التي تشتهر بها السودان.

وبالعودة إلى قصة نضال الشعب السوادني في التحرر من الأنظمة الاستبدادية، نتذكر الانتفاضة الشعبية التي قادها الشعب السوداني عام 2019، وأجبرت نظام عمر البشير- الذي وصل إلى الحكم عام 1989 عبر انقلاب عسكري- على التنازل عن الرئاسة للشعب، لكن هذا النضال لم يؤتِ ثماره؛ إذ أجهضه الجنرالات كما جرت العادة في مثل هذه الأحوال، فقد وعد كل من قائد الجيش السوداني وقائد الدعم السريع بتسليم السلطة إلى الشعب بعد إجراء انتخابات عامة بين الأحزاب السودانية خلال الفترة الانتقالية التي يقودها مجلس السيادة الذي يتكون من كبار القادة في الجيش وقوات الدعم السريع. لكن ما حدث أن هؤلاء الجنرالات تمسكوا بالسلطة لمدة 4 سنوات حتى منتصف أبريل من عام 2023، واختلف على السلطة أصدقاء الأمس عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني ونائبه محمد حمدان دقلو (الشهير بحميدتي) قائد الدعم السريع. إلّا أن قائد الدعم السريع قاد تمردًا عسكريًّا بمساندة من الخارج.

السودان الجريح يتعرض الآن لخطر التقسيم مرة أخرى من قوى عربية وأجنبية وكذلك من دول الجوار خاصة إثيوبيا وكينيا.    

أين السودان اليوم من الجنرال عبدالرحمن سوار الذهب- طيب الله ثراه- الذي كان الاستثناء الوحيد في هذه الأمة، وذلك عندما استلم السلطة من الرئيس الأسبق جعفر النميري ثم سلمها طوعًا بدوره للحزب الذي فاز بالانتخابات وهو حزب الأمة السوداني.

في الختام، العرب اليوم من المحيط إلى الخليج ينظرون إلى القيادات التاريخية التي هي صاحبة الحل والعقد عند حلول الكوارث والانتكاسات بلداننا العربية؛ إذ نتذكر جميعًا كل من جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا البلد العربي الحليف للرياض والمساند له في كثير من الأحداث خاصة عاصفة الحزم؛ وكذلك القاهرة حيث يعتبر السودان جوارًا استراتيجيًا لأمن مصر واستقرارها؛ وذلك للعمل على وقف نزيف الدم ومنع الإبادة الجماعية في السودان وقطع الأيادي الآثمة التي تقتل المدنيين الأبرياء على الهوية، وقبل ذلك كله وقف تمويل أمراء الحرب، والدعوة إلى انتخابات بإشراف الأمم المُتحدة. وبالفعل حان الوقت لجنرالات السودان جميعًا للعودة إلى ثكناتهم وتسليم السلطة للشعب السوداني بأسرع وقت.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

رهاب العلمانية!

 

رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح

يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.

الوسومالخطر الحقيقي الخوف الشديد جنال عبدالرحيم صالح حالة ذهنية رهاب العلمانية

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • المسكوت عنه فى قوانين التصالح
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • رهاب العلمانية!
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • رئيس الوزراء السوداني يصدر قرارات وتوجيهات للجمارك والجوازات وشركات الطيران بشأن مطار بورتسودان
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟