لخدمة البشر.. علماء صينيون يوجّهون الفيروسات لقنص البكتيريا
تاريخ النشر: 1st, November 2025 GMT
في الوقت الذي يبحث فيه العلماء عن حلول مبتكرة لمواجهة التغير المناخي، جاءت دراسة جديدة من الأكاديمية الصينية للعلوم لتكشف عن بطل غير متوقع في معركة كوكبنا ضد الغازات الدفيئة، وهو فيروسات التربة.
فبحسب الدراسة المنشورة في دورية "نيتروجين سايكلنج"، تبيّن أن بعض فيروسات التربة قادرة على خفض انبعاثات غاز أكسيد النيتروز، وهو أحد أقوى الغازات المسؤولة عن الاحتباس الحراري بنسبة تصل إلى 20%.
تقول شوپينغ تشين، الباحثة في المختبر الرئيسي لعلم بيئة التربة، في معهد البيولوجيا الوراثية والتنموية، في الأكاديمية الصينية للعلوم، وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة في تصريح حصلت الجزيرة نت على نسخة منه: "تظهر نتائجنا أن الفيروسات ليست مجرد كائنات خاملة في التربة، بل فاعلين نشطين يمكنهم التأثير على انبعاثات الغازات الدفيئة".
كشف العلماء منذ عقود قدرة فيروسات التربة على مهاجمة البكتيريا والفطريات، لكنهم طالما اعتبروها مجرد طفيليات لا دور بيئيا لها سوى إصابة وقتل تلك الكائنات الدقيقة لتتكاثر وتنتج المزيد من النسخ الفيروسية.
غير أن هذه الدراسة الصينية فتحت عيوننا على صورة مغايرة تماما، إذ تبين أن تلك الفيروسات يمكن أن تعمل كمنظم طبيعي لدورة النيتروجين في التربة، عبر استهداف الميكروبات التي تنتج أكسيد النيتروز أثناء عملية "نزع النيتروجين".
النيتروجين عنصر أساسي للحياة، يدخل في تركيب البروتينات والحمض النووي للنباتات والحيوانات. لكن أغلب النيتروجين في الطبيعة يوجد في الجو على شكل غاز، وهو شكل لا تستطيع الكائنات الحية استخدامه مباشرة. لذا تخضع ذرات النيتروجين في البيئة لما يُعرف باسم "دورة النيتروجين".
تشمل دورة النيتروجين مراحل مثل تثبيت النيتروجين في التربة، حيث يتحول من غاز إلى مركبات مفيدة للنبات، ثم التمعدن، وتحويل النيتروجين العضوي إلى أشكال أخرى في التربة، ثم نزع النيتروجين من التربة كي يعود إلى الغلاف الجوي. بهذه الدورة يُعاد تدوير النيتروجين باستمرار، مما يحافظ على توازن النظام البيئي.
إعلانيشرح فريق البحث في نص الدراسة أن عملية نزع النيتروجين التي تتحول فيها مركبات النيتروجين إلى غازات، هي أحد المصادر الرئيسية لانبعاث أكسيد النيتروز من التربة الزراعية، وتقوم بها البكتيريا والميكروبات.
لكن عندما تضاف فيروسات التربة إلى البيئة الميكروبية، يتضح تقليلها لأعداد بعض البكتيريا الأساسية المنتجة لهذا الغاز، وهو ما يؤدي إلى خفض الانبعاثات بشكل ملحوظ. يقول الباحثون في نص الدراسة: "أدت إضافة الفيروسات إلى خفض فقدان النيتروجين وانبعاثات أكسيد النيتروز بنسبة وصلت إلى 20%".
أُجريت التجارب في محطة "لوانتشنغ" الزراعية شمال الصين، وهي منطقة معروفة بزراعة الحبوب واستخدام الأسمدة بكثافة. أخذ الباحثون عينات من التربة، واستخرجوا منها فيروسات طبيعية ثم أعادوها بنسب مختلفة إلى تربة مماثلة، ليراقبوا التغيرات في انبعاثات الغازات خلال 48 ساعة من الحضانة في ظروف لاهوائية، أي خالية من الأكسجين.
أراد الباحثون بهذه التجربة عزل أثر الفيروسات نفسها على التربة وعلى انبعاثات الغازات، عن تداخل العوامل الأخرى مثل اختلاف نوع التربة أو تركيبتها الميكروبية.
النتائج كانت مدهشة، فمع زيادة تركيز الفيروسات، انخفضت كمية أكسيد النيتروز المنبعثة، بينما زاد احتفاظ التربة بالنيتروجين. ولم يجد الباحثون أي دليل على أن الفيروسات أحدثت تغيرات سلبية في الكربون العضوي أو تسببت في اضطراب بيئي، مما يشير إلى أن تأثيرها كان موجها بدقة نحو البكتيريا المسؤولة عن الانبعاثات.
هذا الاكتشاف يسلط الضوء على تحول جذري في فهم دور الفيروسات في حياتنا. فبدلا من النظر إليها ككائنات ضارة ناصبتنا العداء على مدار تاريخنا البشري، رآها الباحثون بشكل مختلف، حيث استطاعوا توظيفها كأداة بيئية "علاجية".
يقول الفريق البحثي في الدراسة: "قد يقدم العلاج بالفيروسات نهجًا واعدا للحد من انبعاثات أكسيد النيتروز من التربة".
هدنة بين البشر والفيروساتإذا كان هذا التأثير مثبتا في الحقول الكبيرة، فإن نتائجه قد تكون مذهلة على نطاق وطني أو عالمي. فالدراسة تقدر أن تطبيق هذه الفكرة في الأراضي الزراعية الصينية وحدها قد يخفض انبعاثات أكسيد النيتروز بما يعادل 0.3 مليون طن من النيتروجين سنويًا.
هذه النتيجة، إن ثبتت في ظروف الحقول المتغيرة، قد تفتح الباب أمام جيل جديد من الأساليب الزراعية الصديقة للمناخ، معتمدة على إدارة التربة بالفيروسات بدلا من المواد الكيميائية. وتضيف تشين في تصريحها: "هذا يفتح الباب أمام التفكير في أساليب زراعية ذكية مناخيا تعتمد على الفيروسات".
رغم حماس النتائج، يشير العلماء إلى أن الطريق لا يزال طويلا قبل اعتماد "العلاج الفيروسي" في الزراعة. فما زالت هناك تساؤلات حول سلامة تطبيق الفيروسات في الحقول المفتوحة، وإمكانية استقرارها في التربة لفترات طويلة، ومدى تأثيرها في كائنات أخرى غير مستهدفة.
وتنص الورقة بوضوح أنه "لم يتم تقييم التأثيرات الجانبية المحتملة على مجموعات ميكروبية أخرى مثل البكتيريا المثبتة للنيتروجين، مما يستدعي مزيدًا من البحث"، كما يدعو الفريق إلى تطوير وسائل تجعل الفيروسات أكثر استقرارا في التربة، مثل تغليفها بالمعادن الطينية، أو تصميم "كوكتيلات فيروسية" تستهدف ميكروبات محددة بعينها.
إعلانفي حين يتحدث العالم عن الذكاء الاصطناعي والابتكار لإنقاذ المناخ، تذكرنا هذه الدراسة أن الذكاء البيولوجي الطبيعي قد يكون أكثر فعالية. فربما يحمل الفيروس الذي كنا نخافه يومًا، الحل الذي نحتاجه لإنقاذ الأرض.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات فیروسات التربة أکسید النیتروز النیتروجین فی فی التربة من التربة
إقرأ أيضاً:
باحثون يحددون حمية غذائية تقلل خطر الوفاة بسرطان الرئة
كشفت دراسة حديثة عن إمكانات واعدة لنظام غذائي مستوحى من حمية البحر الأبيض المتوسط في الحد من خطر الإصابة بسرطان الرئة وتقليل احتمالات الوفاة الناجمة عنه.
استند الباحثون في دراستهم إلى تحليل بيانات شملت 191 ألف شخص تم جمعها من البنك الحيوي البريطاني (UK Biobank)، بهدف استكشاف تأثير هذا النمط الغذائي على الصحة العامة.
وركزت الدراسة على تناول مجموعة محددة من الأطعمة، مثل الخضروات، الفواكه، البقوليات، الحبوب الكاملة، المكسرات، والأسماك، مع تسليط الضوء على أنواع الدهون التي يشملها غذاء المشاركين.
كشفت النتائج أن من يعتمدون هذا النظام الغذائي الغني بالحبوب الكاملة، الخضروات، والبروتين الحيواني الصحي تقل احتمالات إصابتهم بسرطان الرئة بنسبة وصلت إلى 34% مقارنة بغيرهم، كما انخفضت مخاطر الوفاة الناتجة عن المرض بنحو 39%.
تناولت الدراسة أيضاً دور الأحماض الدهنية غير المشبعة الموجودة في الأسماك، المكسرات، البذور، والزيوت النباتية، إذ أظهرت البيانات ارتباط زيادة استهلاك هذه الدهون الصحية بانخفاض خطر الإصابة بسرطان الرئة بنسبة 18% وخفض معدل الوفيات الناتجة عنه بنسبة 23%، بالمقابل لوحظ أن الإفراط في تناول الدهون المشبعة يزيد احتمالات الإصابة بهذا النوع من السرطان.
ورغم أن الباحثين أكدوا أن الدراسة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين النظام الغذائي وسرطان الرئة، إلا أنهم شددوا على أهمية النمط الغذائي كعامل محتمل في الوقاية من المرض.
واستنادًا إلى النتائج، يمكن اعتبار الاعتماد على الدهون الصحية بديلاً واعدًا لتعزيز الصحة العامة والحد من خطر الوفاة المبكرة.