في ذكرى وعد بلفور| سياسي لـ صدى البلد: جريمة بريطانيا تاريخية ولا تسقط بالتقادم
تاريخ النشر: 2nd, November 2025 GMT
في مثل اليوم، جاء وعد بلفور، الذي غير وجه المنطقة وأطلق شرارة مأساة ما زال الشعب الفلسطيني يعيش فصولها حتى اليوم.
فذلك التصريح البريطاني، الذي منح أرض فلسطين لغير أصحابها، لم يكن مجرد وثيقة سياسية عابرة، بل كان حجر الأساس لمشروع استعماري اقتلاعي مهد لقيام الاحتلال الإسرائيلي وما تبعه من نكبات متتالية.
وبعد أكثر من قرنٍ على صدوره، يقف العالم أمام حقيقة دامغة، أن العدالة الغائبة لا تتحقق إلا بالاعتراف بالمسؤولية وجبر الضرر، وأن إنهاء معاناة الفلسطينيين يبدأ من تصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكب باسم "وعد بلفور".
وفي هذا الصدد، قال الدكتور جهاد أبو لحية، أستاذ القانون الدولي والنظم السياسية، إن في مثل هذا اليوم من عام 1917 صدر وعد بلفور المشؤوم، الذي شكل نقطة البداية لأحد أكبر المظالم التاريخية في العصر الحديث، فذلك الوعد الذي منحت فيه بريطانيا، المستعمرة آنذاك، ما لا تملك لمن لا يستحق، أسس لمسار من الاقتلاع والتهجير والاحتلال ما زال شعبنا الفلسطيني يدفع ثمنه حتى يومنا هذا.
وأضاف أبو لحية - خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "واليوم، ونحن في عام 2025، لا يمكن قراءة هذا التاريخ إلا في ضوء ما ترتب عليه من نكبات متعاقبة وجرائم ممنهجة ارتكبها وما زال يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وآخرها حرب الإبادة الجماعية ضد أهلنا في قطاع غزة، التي كشفت للعالم الوجه الحقيقي للاحتلال الذي وُلد من رحم ذلك الوعد الاستعماري".
وأشار أبو لحية، إلى أن لكن التاريخ لا يمحى، والعدالة لا تسقط بالتقادم، لذلك فإن اعتراف بريطانيا هذا العام، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدولة فلسطين خطوة إيجابية، لكنها تبقى ناقصة ما لم تترافق باعتراف قانوني وأخلاقي صريح بالمسؤولية التاريخية عن الجريمة التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني من خلال وعد بلفور وما تبعه من سياسات استعمارية مكّنت المشروع الصهيوني من اغتصاب أرض فلسطين.
وأكد أبو لحية، أنه كما تقرر القواعد القانونية المستقرة، فإن من تسبب بالخطأ يتحمل تبعات الضرر الناجم عنه وعليه، فإن على بريطانيا أن تُصحّح خطيئتها التاريخية من خلال الاتي:
1. الاعتراف الرسمي بالمسؤولية القانونية والسياسية عن وعد بلفور وما ترتب عليه من انتهاكات جسيمة لحقوق الشعب الفلسطيني.
2. تقديم التعويضات القانونية والسياسية والاقتصادية لشعبنا الفلسطيني، عن قرنٍ من المعاناة والاحتلال والاقتلاع.
3. الالتزام بدعم تنفيذ قرارات الشرعية الدولية التي تضمن حق شعبنا في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
والجدير بالذكر، أن قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى، ومع انتظار المنتصرين لتقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية، أرسل وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور خطابًا إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، جاء فيه: «عزيزي اللورد روتشيلد، يسعدني أن أبلغكم، نيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي يعكس تعاطفنا مع تطلعات اليهود والحركة الصهيونية، وقد تم عرضه على الحكومة ووافقت عليه.
وتعبر حكومة صاحب الجلالة عن تعاطفها مع إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف، بشرط ألا ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي يتمتع بها السكان غير اليهود المقيمون حاليا في فلسطين، سأكون ممتنا إذا أبلغتم الاتحاد الصهيوني بهذا التصريح. المخلص، آرثر بلفور".
وأرسل بلفور هذه الرسالة في 2 نوفمبر 1917، وهي الرسالة التي عرفت لاحقا باسم "وعد بلفور" أو "الوعد المشؤوم".
ويوضح نص الوعد موقفا صريحا، إذ تشير الوثيقة إلى حكومة قائمة -حكومة جلالة الملك- تمثل الدولة وتدعم إقامة وطن قومي للشعب اليهودي، وهو اعتراف باليهود كجماعة قومية وليس كلاجئين أو مضطهدين.
كما يعكس الوعد بعدا سياسيا واستعماريا، حيث تعهدت الحكومة البريطانية ببذل ما بوسعها لتحقيقه.
جاءت رسالة بلفور تتويجا لسنوات من المفاوضات بين الساسة البريطانيين وزعماء الحركة الصهيونية في بريطانيا، وكان مستقبل الأراضي الفلسطينية موضوعًا مطروحا في دوائر الحكم البريطانية منذ دخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى، وشهد أول لقاء بين حاييم وايزمان، زعيم الحركة الصهيونية لاحقا، وبلفور في عام 1904، حيث ناقشا إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: فلسطين غزة الفلسطينيين بلوفر قطاع غزة الشعب الفلسطینی وعد بلفور أبو لحیة
إقرأ أيضاً:
قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين وتقصّر في مواجهة إسرائيل
وجهت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، إميلي ثورنبيري، انتقادات حادة لحكومة حزب العمال التي تنتمي إليها، متهمة إياها بالفشل في نصرة الفلسطينيين وعدم اتخاذ خطوات عملية كافية لوقف السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مؤكدة أن لندن "خذلت الشعب الفلسطيني" واكتفت بإطلاق المواقف السياسية دون ممارسة ضغوط مؤثرة على إسرائيل.
وفي واحدة من أقوى الانتقادات التي تصدر عن شخصية بارزة داخل حزب العمال تجاه سياسة الحكومة في الشرق الأوسط، ونقلتها صحيفة "الغارديان"، قالت ثورنبيري إن اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين قبل أكثر من ثمانية أشهر كان ينبغي أن يكون "الخطوة الأولى ضمن سلسلة من الإجراءات"، إلا أن الحكومة لم تتخذ بعد ذلك خطوات ملموسة لدفع حل الدولتين أو حماية الفلسطينيين من الانتهاكات المستمرة.
وأضافت خلال فعالية عقدت في وستمنستر بتنظيم من منظمات داعمة للفلسطينيين، أن "الاعتراف كان البداية فقط، لكن أين الخطوة الثانية والعاشرة؟ ماذا نفعل فعلياً؟"، معتبرة أن السياسة البريطانية الحالية تفتقر إلى الطموح المطلوب لمواجهة الأزمة الفلسطينية.
انتقاد لإسرائيل و"شعور مذهل بالإفلات من العقاب"
وهاجمت ثورنبيري الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، معتبرة أن لديها "شعوراً مذهلاً بالإفلات من العقاب"، مشيرة إلى إعلان نتنياهو أخيراً عزمه فرض السيطرة على أكثر من 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة.
وقالت إن ما يجري في الضفة الغربية "غير قابل للاستمرار"، متحدثة عن تهجير عائلات فلسطينية من منازلها، وتعرض مجتمعات بأكملها للتهديد المستمر، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين وتوسع الاستيطان.
وأكدت أن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد كافياً، داعية إلى خطوات عملية تجعل استمرار التوسع الاستيطاني "مكلفاً اقتصادياً وسياسياً".
دعوات لفرض عقوبات على المستوطنات
وشددت البرلمانية العمالية على أن على بريطانيا أن تترجم مواقفها القانونية إلى إجراءات ملموسة، خصوصاً بعد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن عدم قانونية الاحتلال والمستوطنات الإسرائيلية.
وقالت إن منطق القانون الدولي يقتضي حظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض عقوبات على المتورطين في الأنشطة الاستيطانية.
كما دعت إلى منع الشركات البريطانية من المساهمة في مشاريع مرتبطة بالمستوطنات، وتشديد القيود على شبكات التأمين والتمويل التي تسهم في استمرارها.
وأضافت أن بريطانيا مطالبة بقيادة تحرك دولي لإحياء التحالف الدولي الذي دعم الاعتراف بدولة فلسطين خلال عام 2025، والعمل على تنسيق ضغوط جماعية تجعل استمرار الاستيطان أمراً غير قابل للاستدامة.
هجوم على ترامب
وفي جانب آخر من حديثها، وجهت ثورنبيري انتقادات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متهمة إياه بالتخلي عن غزة بعد إعلانه التوصل إلى وقف إطلاق نار.
وقالت إن ترامب أعلن ما وصفه بـ"الانتصار العظيم" ثم ابتعد عن الملف، بينما لا يزال الفلسطينيون يعيشون وسط الدمار والمعاناة الإنسانية.
وأضافت أن الحديث عن وقف إطلاق نار حقيقي لا ينسجم مع الوقائع على الأرض، مشيرة إلى استمرار سقوط الضحايا الفلسطينيين وتدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع.
وتابعت: "غزة ليست خارج الأخبار فقط، بل أصبحت خارج الاهتمام السياسي الدولي، في وقت لا يزال سكانها يعيشون بين الأنقاض ويواجهون ظروفاً لا تطاق".
دعوة لدور بريطاني أكبر
ورأت ثورنبيري أن المأساة الإنسانية في غزة تمثل دليلاً على فشل المجتمع الدولي في التدخل مبكراً وممارسة ضغوط فعالة لمنع تفاقم الأزمة، محذرة من تكرار السيناريو نفسه في الضفة الغربية.
ودعت الحكومة البريطانية إلى استعادة دورها الدبلوماسي القيادي عبر تنظيم مؤتمرات وتحركات دولية جديدة تضع القضية الفلسطينية مجدداً في صدارة الاهتمام العالمي.
وقالت إن بريطانيا كثيراً ما تُوصف بأنها قوة قادرة على جمع الأطراف المختلفة حول طاولة واحدة، مضيفة: "إذا كان ذلك صحيحاً، فهذا هو الوقت المناسب لإثباته"، مطالبة لندن بقيادة جهود دبلوماسية أكثر فاعلية لإنهاء الحرب والدفع نحو تسوية سياسية عادلة ومستدامة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وإميلي ثورنبيري هي سياسية بريطانية بارزة تنتمي إلى حزب العمال، وتشغل حالياً رئاسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني، إحدى أهم اللجان البرلمانية الرقابية المعنية بمتابعة السياسة الخارجية والأمن القومي.
انتُخبت نائبة في البرلمان لأول مرة عام 2005 عن دائرة إزلنغتون ساوث وفينسبري في شمال لندن، وارتبط اسمها لسنوات بالجناح اليساري داخل حزب العمال. وتولت خلال مسيرتها عدة مناصب في حكومة الظل العمالية، أبرزها وزيرة الخارجية في حكومة الظل بين عامي 2016 و2020 خلال قيادة جيرمي كوربين للحزب.
عُرفت ثورنبيري بمواقفها المنتقدة للحروب والتدخلات العسكرية الغربية، كما تعد من الأصوات الداعمة للاعتراف بالدولة الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين داخل حزب العمال. وخلال السنوات الأخيرة برز دورها في مراقبة أداء الحكومات البريطانية المتعاقبة في ملفات السياسة الخارجية، خصوصاً ما يتعلق بالشرق الأوسط والعلاقات الدولية.
وتحظى تصريحاتها باهتمام خاص داخل الأوساط السياسية البريطانية نظراً لموقعها البرلماني المؤثر وخبرتها الطويلة في ملفات الدبلوماسية والسياسة الخارجية، فضلاً عن كونها من الشخصيات التي تُعد مرجعاً داخل حزب العمال في القضايا الدولية.