جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@03:10:14 GMT

خرافة «اليمن أصل العرب»

تاريخ النشر: 2nd, November 2025 GMT

خرافة «اليمن أصل العرب»

 

 

حسين الراوي

 

في زحمةِ الترديد والاقتباس، تتناقل الألسن مقولةً صارت كأنَّها حقيقة لا يطالها شكّ أن القبائل العربية تحدّرت من اليمن، وأن اليمن أصل العرب جميعًا.

لكن حين نُزيح غبار التقليد عن صفحات التاريخ، ونقرأ المصادر بعينٍ فاحصة، ندرك أنَّ هذه المقولة لا تعدو كونها بناءً أدبيًّا واجتماعيًّا صاغه مؤرخون ونسّابون في عصور لاحقة، دون أن يسندوه إلى دليلٍ أثريٍّ أو جغرافيٍّ واحد.

لم يكن العرب قبل الإسلام يعرفون هذا التقسيم الشائع بين قحطانيين وعدنانيين، فهذه الفكرة وُلدت في القرنين الثاني والثالث للهجرة، عندما بدأ النسّابون المسلمون في رسم خرائط النسب العربي بما يُرضي روح الفخر القبلي أكثر مما يعكس واقع التاريخ.

وأول من وضع اللبنات الأولى لهذا التصور هو محمد بن السائب الكلبي (ت 204هـ) في كتابه جمهرة النسب، إذ قسّم العرب إلى «العاربة» (القحطانيين) من نسل قحطان ومساكنهم اليمن، و«المستعربة» (العدنانيين) من نسل إسماعيل بن إبراهيم ومواطنهم الحجاز.

ثم جاء بعده الهمداني (ت 334هـ) في الإكليل وصفة جزيرة العرب، فعمّق هذه الفكرة وجعلها أصلًا، فكتب أن قحطان هو أبو العرب العاربة، وأن اليمن مهد العرب جميعًا. غير أنّ الهمداني- وهو من أبناء همدان اليمنية- كان في كثير من مواضعه يعبّر عن فخرٍ محليٍّ وهويةٍ إقليميةٍ أكثر من توثيقٍ علميٍّ محايد.

ومع مرور الزمن، تبنّى مؤرخون مثل ابن حزم الأندلسي والقلقشندي هذه الرواية دون تمحيص، حتى تحوّلت إلى مسلّمة أدبية تتكرر في كتب الأنساب والأدب، لا في دراسات التاريخ العلمي.

ولم تكن الغاية من هذا التصنيف بحثيةً بقدر ما كانت محاولةً لإعادة ترتيب النسب العربي في إطارٍ ثنائيٍّ: شمالي وعدناني مقابل جنوبي وقحطاني، في زمنٍ كانت العصبيات تُصاغ فيه بمداد الفخر أكثر مما تُكتب بمداد التحقيق.

أما الدراسات الحديثة- في علم الآثار والأنثروبولوجيا والجينات- فقد نقضت هذه الفرضية من جذورها؛  فالأدلة اللغوية والنقوش القديمة (الثمودية، الصفائية، اللحيانية) تُظهر أن الوجود العربي الأصيل كان منتشراً في شمال الجزيرة ووسطها منذ قرونٍ قبل ممالك اليمن كسبأ وحِمير ومعين.

كما تشير الأبحاث الحديثة إلى أن العرب لم ينحدروا من منطقة واحدة، بل تشكّلوا عبر أقاليم متعدّدة داخل الجزيرة العربية، في تفاعلٍ لغوي وثقافي طويل.

(Andrey Korotayev, Ancient Yemen, Oxford 1995؛ Daniel Martin Varisco, Yemen’s Tribal Idiom, Qatar University, 1986).

وتوضح الباحثة Marieke Brandt في دراستها Heroic History, Disruptive Genealogy أن الهمداني استخدم الأنساب «كخطابٍ هويّاتيٍّ» لتقوية فكرة الانتماء الجنوبي، لا كمصدرٍ علميٍّ يعتمد على النقوش والآثار (medievalworlds.net, 2018, pp. 116–119).

 

وقد خالف هذا التصور عددٌ من الباحثين والمؤرخين العرب المعاصرين، مؤكدين أن مقولة «اليمن أصل العرب» لا تستند إلى دليلٍ علميٍّ قاطع.

الدكتور علي الغبان، عالم الآثار السعودي ونائب رئيس هيئة السياحة والتراث الوطني سابقًا، صرّح بأنّ هذه المقولة «غير صحيحة، ولا أساس لها من الصحة»، موضحًا أن الجزيرة العربية كانت مأهولة بالبشر منذ أزمانٍ سحيقة قبل أيّ هجراتٍ مزعومة من الجنوب، وأن فكرة انحدار العرب جميعًا من اليمن إنما ظهرت في القرن الثاني الهجري مع تدوين الأنساب (موقع موطني 48، 24 ديسمبر 2024؛ وموقع صحيفة صدى، 24 ديسمبر 2024).

كما أشار المؤرخ أحمد الزيلّعي، أستاذ التاريخ والآثار بجامعة الملك سعود، في برنامج سجال على قناة العربية (20 يوليو 2024) إلى أن القول بأن اليمن هو «أصل العروبة» طرحٌ جدليٌّ غير مدعومٍ بما يكفي من الأدلة الأثرية واللغوية، وأن العروبة تشكّلت في أقاليم متعدّدة داخل الجزيرة العربية.

وفي الاتجاه ذاته، نشر موقع توبو بوست الثقافي (23 يوليو 2022) مقالًا بعنوان «ما حقيقة اليمن أصل العرب؟» يؤكد أن هذه الفكرة غير صحيحة علميًّا، وأن اللغات الجنوبية القديمة في اليمن تختلف عن العربية الأم التي تبلورت في شمال الجزيرة ووسطها، مما يُضعف فرضية الأصل الجنوبي المطلق.

إنّ اليمن مهدٌ لحضاراتٍ عربيةٍ عظيمةٍ، لا ريب في ذلك؛ فهي أرض سبأ وحِمير ومعين، ومواطن لغاتٍ ساميةٍ قديمةٍ تركت أثرها في الوجدان العربي.

لكن تحويل هذا المجد الحضاري إلى ادّعاءٍ بأن اليمن أصل جميع العرب، تَوسّعٌ لا تسنده شواهد.

فالحجاز ونجد وشمال الجزيرة وشرقها كانت بدورها مواطن لقبائل عربيةٍ خالصةٍ منذ أقدم العصور.

العربية لم تولد من رحم بقعةٍ واحدة، بل من تنوّع الجغرافيا والزمان والإنسان.

إنّ مقولة «اليمن أصل العرب» ليست حقيقةً تاريخية، بل انعكاس لِما دوّنه مؤرخون بدافع الفخر الإقليمي أكثر من السعي للبرهان.

فالتاريخ والآثار واللغة والجينات تقول بوضوح: العرب أبناء الجزيرة كلّها، لا أبناء الجنوب وحده.

وما نراه في تلك المقولة إلا صدى فخرٍ قديمٍ ظلّ يتردّد حتى خُيِّل للناس أنه حقيقة، بينما هو رأيٌ وُلد من الحماسة لا من الدليل.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

اليمن يدين الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان ويدعو لتحرك دولي لوقفها

يمن مونيتور/ قسم الأخبار

أدان اليمن، الثلاثاء، استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، معتبراً أنها تسهم في تصعيد التوتر بالمنطقة وتهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، داعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم لوقف هذه الانتهاكات المتكررة.

وقالت وزارة الخارجية، في بيان، إنها تعرب عن إدانتها واستنكارها الشديدين لاستمرار الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، بما في ذلك توسيع نطاق التوغل البري في جنوب لبنان وما يرافقه من استهداف للمدنيين وانتهاكات تمس سيادة البلاد وأمنها واستقرارها.

واعتبرت الخارجية اليمنية استمرار العدوان الإسرائيلي بأنه يفاقم من حالة التوتر في المنطقة ويهدد الأمن والسلم الإقليميين.

ودعت خارجية اليمن المجتمع الدولي، إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف هذه الاعتداءات المتكررة، وضمان احترام قواعد القانون الدولي وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم (1701)”.

وأكدت “موقف اليمن الثابت الداعم للجمهورية اللبنانية الشقيقة ووحدتها وسيادتها وسلامة أراضيها”.

وامس الاثنين، عقد مجلس الأمن الدولي، جلسة طارئة بطلب من فرنسا لمناقشة التطورات العسكرية المتسارعة في جنوب لبنان، في ظل التوغل الإسرائيلي المتواصل وارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين.

وخلال الجلسة، حذّرت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون السياسة وبناء السلام وعمليات السلام، مارثا بوبي، من خطورة الوضع الميداني، مشيرة إلى استمرار تقدم القوات البرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع توسيع هجمات حزب الله إلى مناطق أعمق داخل إسرائيل.

وأكدت المسؤولة الأممية أن المخاوف تتزايد من اتساع رقعة المواجهات بين الجانبين، في وقت تتواصل فيه التحذيرات الإسرائيلية الموجهة لسكان الضاحية الجنوبية لبيروت، وسط حالة من الغموض بشأن مستقبل المحادثات الأمريكية الإيرانية المرتبطة بجهود تثبيت وقف إطلاق النار.

وأوضحت أن العمليات العسكرية الإسرائيلية شملت السيطرة على قلعة الشقيف (بوفورت)، والتقدم إلى ما بعد نهر الليطاني، إلى جانب تكثيف الغارات الجوية على مناطق جنوب لبنان والبقاع وضواحي بيروت، فضلاً عن إصدار إنذارات عاجلة للسكان بإخلاء المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني.

كما لفتت إلى أن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) رصدت نشاطاً عسكرياً مكثفاً شمال الخط الأزرق، حيث سجلت في 30 مايو نحو 992 مساراً لمقذوفات إسرائيلية، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ إعلان وقف الأعمال العدائية في 17 أبريل الماضي.

 

مقالات مشابهة

  • باقي 18 يوم.. ننشر جدول امتحانات الثانوية العامة 2026 لطلاب علمي وأدبي
  • نجاح ولادة نادرة لـ4 أطفال توائم في محافظة مأرب شرقي اليمن
  • متى يحق لأستاذ الجامعة الحصول على إجازة تفرغ علمي؟.. القانون يجيب
  • اليمن يدين الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان ويدعو لتحرك دولي لوقفها
  • المقاولون يفتح أبوابه لاكتشاف المواهب .. انطلاق اختبارات قطاع الناشئين السبت
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • اليمن تدين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان
  • مساعدات سعودية للمحتاجين في اليمن وغزة ومالي
  • إنفوجرافيك | الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • بـ «الروبوتات» و«البلاي ستيشن».. الأنبا مينا يفتتح النادي الصيفي بكاتدرائية العذراء ببرج العرب