لدينا «كَهَنة» خيّرون. بارعون في تفكيرهم. تستشعر قدراتهم في ملفات عدة. أحيانا، في دلالات التوقيت، ورسائل المناسبات. جهدهم خلال السنوات الأخيرة يمنح الفعل الوطني بُعدًا إضافيًا، تزامن افتتاح المتحف المصري الكبير مع احتفالات الغرب بـ«الهالوين» لافت جدًا. مصر تستدعي المعرفة الحضارية، وغيرها يستحضر أجواء الأشباح، الخوف، والظلام.
يتقدّم الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى المنصّة الرئيسية، يُلقي كلمته الرسمية. يُبادر بافتتاح أيقونة المتاحف العالمية. حدث تاريخي متكامل (الموقع، المنشآت، المقتنيات، والأجواء)، كلها تمثل وثيقة هوية تُعيد ترتيب العلاقة مع الزمن. مصر تُنشّط الذاكرة بالعقل لا بالموروثات الغيبية. تعرض للعالم تاريخها القديم. تؤكد أن تجربتها الحضارية مستمرة، يظلّلها العلم مهما تعاقبت تحديات العصور والأجيال.
المتحف يقدّم تصورًا لعالم نشأ على ضفاف النيل، الحياة والموت عند قدمائنا جزء من نظام صارم قائم على حقائق، أجدادنا لا يعتبرون الموت شبحًا، لكنه رحلة منظَّمة لها مفاتيح، نصوص، وأدوات تحافظ على الجسد والروح معًا، لم تنشأ حضارتنا على أقنعة الرعب أو الرهبة من الغيب، بل على حياة يملكها من يواجهها، و«أخرة/بعث» تتكامل فيها حياة ثانية بعد الموت.
الصرح الكبير جزء من مشروع سياسي وثقافي أكبر، رسالتنا واضحة: «لسنا أرض التاريخ فقط، نحن مصدر معرفة وتجربة عقلية وإنسانية»، لا نتلقّى إرث الغير بل صُنّاع حضارة، شركاء في إنتاج مكتسبات تفيد الإنسانية. كل زوايا الصرح المصري الضخم تؤكد القدرة على التفاعل مع العصر دون تخويف أو تزييف.
الإضاءة في قاعات المتحف المصري الكبير رسالة مزدوجة: للخارج، حضارتنا القديمة أساس للحركة الحديثة، وللداخل، يمكننا الإبهار مجددًا دون حاجة إلى نسخ مستوردة. كل جناح متحفي يعكس القدرة على المواجهة، على تعليم الأجيال كيفية بناء مجتمع لا يتعاطى التغييب، التاريخ لدينا أداة للفعل لا للاستعراض، يحتفل العقل بالمعرفة. يسود الفهم لا الغموض كـ«الهالوين».
المقارنة بين قاعات المتحف المصري الكبير وشوارع نيويورك، لندن، وغيرها أثناء «الهالوين» توضّح الفارق الكبير، هنا في مصر نعرض تاريخ أجدادنا كقوة تتغلب على الفناء بحسابات الفكر والمنطق، وهناك تتحول أجواء الأشباح والدماء «الطبيعية قديمًا، والصناعية حاليًا» إلى طقوس غريبة، ثم سلع ترويجية.
يحتفل الغرب بـ«الهالوين» سنويًا. الطقوس تبدأ ليلة 31 أكتوبر، وتستمر حتى مطلع نوفمبر. ممارسات مصدرها قبائل إيرلندية، اسكتلندية، وبريطانية. قبل أكثر من ألفي عام، كانوا يعتقدون أن الأرواح تعود إلى الأرض لإيذاء الناس نهاية الصيف وبداية الشتاء. تفنّنوا في إبعادها بعادات لم تنجح في تهدئة المخاوف من المجهول على مرّ العصور.
كانوا يُشعلون نيرانًا على التلال لتجنّب أذى الأرواح الشريرة، يرتدون جلود الحيوانات والأقنعة لإخفاء هوياتهم. يضعون الأطعمة أمام المنازل «رشوةً للأرواح القادمة من الغيب». «الهالوين» في بدايته لم يكن مهرجانًا صاخبًا، بل ليلةً للخوف الجماعي. اعتقاد يخلط الخيال بالشعبيّة، يؤمن أنصاره بعبور أرواح الموتى إلى عالم البشر.
مهرجانات قديمة للاحتفال بالموت والدورة السنوية للطبيعة، المسيحية حين دخلت تلك المناطق لم تستطع محو تلك الطقوس. حاولت استيعاب بعض رموزها الزمنية والشكلية لتسهيل الانتقال الثقافي والديني، عدّلت بعضها فقط. كان ذلك استيعابًا ذكيًا لتقاليد قديمة، نامت العادات الاجتماعية داخل الاحتفالات الشعبية.
الهجرة الأوروبية إلى أمريكا في القرن التاسع عشر حملت الطقوس عبر المحيط. لم تظل كما كانت، المجتمع الأمريكي حوّل «الهالوين» إلى ظاهرة شعبية، جعل الخوف مادة لـ«المتعة». شيئًا فشيئًا انفصلت الطقوس عن جذورها الروحية. استقرّت كموسم اجتماعي يجتمع خلاله الناس على احتفال مشترك بالخيال والرعب المتوارث.
في القرن الـ20، ومع اتساع نطاق ما يسمى بـ«الثقافة الأمريكية» خرج «الهالوين» إلى شاشات السينما، عالميًا، إعلانات الشركات، ولافتات المحلات التجارية الكبرى. صارت الطقوس تُباع بعد أن كانت تُورث، وتحولت من ليلة أشباح إلى سوق استثماري ضخم: أزياء، ديكورات، أفلام، بيوت أشباح، وحفلات تنكرية. أصبح موسمًا اقتصاديًا، بضاعته الأساسية: الخوف.
الخوف أصبح سلعة قابلة للتداول. صناعة السينما، ألعاب الفيديو، وكتب الرعب تعتمد على إثارة القلق والرهبة لجذب الجمهور وزيادة المبيعات. كل صرخة، وكل مشهد مظلم، مُصمَّم لإبقاء المستهلك في حالة توقّع دائم. نجخوا في تحويل تجربة الرهبة والخوف والقلق إلى مورد اقتصادي مربح، مكاسبه تتجاورز مليارات الدولارات.
الأزياء التنكرية، ديكورات المنازل، وحفلات الرعب تُسوّق بشكل موسمي مدروس، الشركات الكبرى تستثمر في التسويق النفسي للخوف. حتى في الإعلام الرقمي والإعلانات، الخوف يبيع. الأخبار المثيرة للرعب، مقاطع الفيديو الصادمة، أو العروض التي تستثير القلق النفسي، ترفع نسب المشاهدة والتفاعل، ما يُترجم مباشرة إلى عائدات.
تقدّم الغرب في التكنولوجيا وانحيازه لقيمة العقل لم يمنعه من تخصيص مساحة واسعة للاحتفال بما هو غيبي وغير عقلاني، «الهالوين» تجسيد لخوف قديم ارتدى أقنعة ملوّنة.
تثبيت لمعتقدات، تصوّرات، وموروثات في قلب المجتمع، احتفال بالظلال، بالأرواح، وبالليالي الطويلة، يعكس استمرار نزعة الإنسان الأولى نحو الرهبة، حتى وهو في عصر العلم.
«الهالوين» اعتراف غير مباشر بأن الخوف راسخ مهما تقدّمت الحضارة الحديثة، وأن الإنسان مهما امتلك أدوات القوة يحتاج أن يواجه ظلاله ولو تحت قناع مزيف، احتفال بالهشاشة الإنسانية، وتسويق لها. ثقافة تستدعي الليل والظلام، وجثثًا بلا ملامح، بينما المتحف المصري الكبير يقدم المجتمع الآخر الذي يضيء الطريق بالتاريخ العريق والتجربة الإنسانية.
حين نقارن بين الحضارة المصرية القديمة ومنظومة «الهالوين» في الثقافة الغربية الحديثة، فنحن لا نقارن بين احتفالين، نقارن بين صورتين مختلفتين تمامًا للوجود الإنساني. الأولى هنا في مصر ترى العالم بناءً محكمًا يقوم على توازن الكون، بينما الثانية في الغرب تحتفل بلحظة اختلال هذا التوازن. يختلط الموت بالحياة، ويُترك المجال للفوضى كي تُعبّر عن نفسها بصور مرعبة.
في مصر القديمة، كان الموت امتدادًا للحياة لا نقيضًا لها. لم يكن مصدرًا للرعب، بل معادلة قابلة للفهم والتنظيم. الجسد يُحنَّط، الروح تُزوّد بنصوص العبور، والقبر يُبنى كبيت دائم، لأن الخلود مشروع يُدار بالعلم والهندسة والنصوص المقدسة، الموت لم يكن مفاجأة، بل جزءًا من نظام كوني تُشرف عليه الآلهة ويشارك فيه الإنسان بالمعرفة والانضباط.
أما في الثقافة الغربية التي تُنتج «الهالوين»، فالموت ليس جزءًا من نظام، بل سؤال مفتوح على الظلام. يُقترب منه بالسخرية، أو التهكم، أو القناع، بدل أن يواجه الإنسان الموت بالعلم والتنظيم، يواجهه بالتنكّر واللعب، كأنه يعترف بعجزه عن فهمه، فيحوّله إلى مادة للضحك المؤجَّل. «الهالوين» هنا ليس تجاوزًا للموت، بل مفاوضة معه تحت ضوء شمعة داخل قرع مُجوَّف.
أدوات التعبير تكشف أساس كل رؤية. المصري القديم كتب ونحت حجرًا يقاوم الزمن، وجعل من الهندسة والرياضيات والطب وسائل لتحويل الفلسفة إلى واقع معماري وأخلاقي. بينما الثقافة الغربية في «الهالوين» تعتمد القناع، الحكاية، والمنتج الاستهلاكي، أدوات عابرة لا تُبنى لتبقى، بل لتُستخدم ثم تُنسى بعد انتهاء الليلة، الأثر في الأولى خالد، وفي الثانية لحظي.
الحاضر يعكس هذه المفارقة. الغرب يعرض مهرجانه ليستضيف أشباحًا من كرتون، بلا قيمة حقيقية، أما مصر فتعرض حضارتها داخل متحف عالمي، ترتفع جدرانه بعقل علمي، تضع مقتنياته تحت ضوء المعرفة. تقول للعالم إن ما كان هنا ليس أسطورة، بل تجربة بشرية قابلة للفهم، للتعليم، وللتمدّد في المستقبل.
المتحف المصري الكبير مشروع دولة، يُجدّد مدّ الجسور بين تاريخها ومستقبلها، إقامته غرب القاهرة الكبرى، وسط أجواء تليق بقيمته الكبيرة، يختزن رؤية سياسية ترى أن الحضارة يمكن أن تصبح طاقة معاصرة لا إرثًا محفوظًا في صناديق «حجرية أو زجاجية»، لم يعد الهدف عرض الآثار الخالدة، بل توظيفها كجزء من خطاب وطني شامل يعزّز مكانة مصر على كل الأصعدة.
نجحت مؤسساتنا في تحويل فكرة المتحف إلى منصة سيادية. تؤكد مصر قدرتها على خلق مشروع ثقافي ينافس أضخم المؤسسات الثقافية العالمية ويتفوّق عليها. المسألة ليست ترميمًا للماضي، بل جزءًا من بناء خطاب عملي حديث، يقول إن المصريين أحفاد صُنّاع الحضارة القديمة، عقولهم قادرة على إنتاج المعرفة مجددًا.
المتحف يترجم صورة مصر عالميًا بوجوه متعددة، بعيدًا عن مستهدفه الأساسي كأكبر بوابة لاستقطاب الزوار ورؤية المعروضات وتكوين صورة واقعية متكاملة عن الحضارة، سيكون مساحة ناعمة للحوار الثقافي والتهدئة حين تتعقّد ملفات السياسة. الشراكات الجامعية، المراكز البحثية، وورش العمل المتخصصة ستربط الشباب بجذورهم، وتُعزّز ارتباطنا بالثقافة العالمية.
ما يتم جزء من اقتصاد إبداعي، استثمار في التراث، في صناعة وتصميم منتجات تحمل هوية خاصة، مصر لا تستعرض معروضاتها الحجرية والذهبية «مهما كان الإبداع في صناعتها»، بل فكرًا تشكّل عبر قرون في الطب «برديات تصف الجراحة وتشخيص الأمراض»، في الفلك «قياس الزمن بحركة النجوم»، وفي العمارة التي جعلت الحجر لغة للخلود.
الحضارة المصرية القديمة قدّمت للعالم القديم أولى نظم الكتابة الموثقة (الهيروغليفية). مكّنت البشر من حفظ المعرفة والمعاملات الاقتصادية والطقوس الدينية، ووضعت أساس التاريخ والعلوم الاجتماعية. نظام الحسابات والفلك المصري أتاح للأمم المجاورة فهم الزمن والفصول الزراعية بدقة، وربط المجتمع بالظواهر الطبيعية.
الهندسة المعمارية المصرية كانت نموذجًا متقدّمًا للبناء المستدام والدقيق، من الأهرامات والمعابد إلى القنوات والسدود.إنجازات شكّلت رموز قوة، ونقلت التقنيات إلى حضارات أخرى، وامتدّت إلى اليونان وروما. أسهمت في تطوير العمارة الدينية والعامة، وأساليب التخطيط العمراني في العالم القديم، ووضّحت كيف يمكن للمعرفة المنظّمة أن تُشكّل مجتمعًا متقدّمًا.
مع سقوط الإمبراطوريات القديمة، احتفظت الثقافة المصرية بمخزون هائل من المعرفة، أصبحت مصدر إلهام لأوروبا. عانت القارة كثيرًا قبل عصر النهضة، كانت عالقة في حالة اختناق فكري واجتماعي. المدن ضيقة، مكتظة، روح الخوف تسكن الناس من المرض والموت والجوع. المجتمع كان يعيش توازنًا هشًا بين الإقطاع والسيف.
صراعات متكررة بلا نهاية، تُشعلها صراعات على السلطة أو الثروة، وتترك خلفها قرى مهدمة، وأجيالًا بلا تعليم أو سند.الفلاح يعمل في الأرض دون أمل في التملك أو التحرر، محاصر بالضرائب، والتهديد بالعقاب، والجوع الدائم، المدن التجارية التي بدأت تنمو تعاني من ضعف التنظيم، وانتشار الفقر، وغياب القانون المستقر. أما الحروب،
في تلك الأجواء، انطفأ العقل العام. بدا كأن الزمن ثابت لا يتحرك. الخرافة كانت ملجأً للفهم، والساحرة أو المرض الغامض تفسره القوى الخفية، انغلاق الأفق لم يكن قدرًا بل نتيجة منظومة متشابكة من القمع، والجهل، والخوف من التغيير. كان الركود يحمل في داخله بداية التحول، التراث الإغريقي، ومخطوطات الطب والفلك والرياضيات المصرية كانت نواةً لإعادة اكتشاف العلوم.
ساعدت في الحفاظ على استمرارية المعرفة في فترة كان فيها العالم الغربي يعاني انحدارًا علميًا وثقافيًا. الفنون والهندسة المصرية ألهمت العمارة الدينية في أوروبا المبكرة، من الكاتدرائيات إلى النوافذ المزخرفة والقباب. الرموز والهندسة المصرية كانت مرجعًا للتصميمات الرمزية التي استخدمها الأوروبيون، في فترة لم يكن فيها الاتصال بين الحضارات سهلًا أو متكررًا.
المعرفة المصرية حول الزراعة والري أسهمت في تجاوز المجاعات وإدارة الموارد في أوروبا الوسطى. استلهام التقنيات المصرية القديمة ساعد الأوروبيين على تنظيم المياه والزراعة بشكل أكثر فعالية، ممهّدًا الطريق لاحقًا للتطور الزراعي قبل عصر النهضة، ومظهرًا كيف يمكن لحضارة قديمة أن تؤثر على المجتمعات حتى في أوقات ضعفها العلمي والسياسي.
حتى في الأخلاق، عبر مفهوم الضمير المرتبط بنصوص الحكمة، وفي القانون الذي أسس لفكرة العدالة القائمة على النظام والحق (ماعت). بهذا، يصبح المتحف واجهة لفكر لا ينقطع، بل تبدلت أدواته. المصري القديم لم يفصل بين العلم والدين، ورأى الكون منظومة يمكن فهمها وتنظيمها. الفكرة حين تُروى للعالم، حاليًا، تُعيد لمصر صورتها كحضارة عقلانية لا أسطورية.
إرث تحتاجه مصر العظيمة، التي مرت ككل الحضارات بمراحل مؤقتة لا تليق بها، لكنها عادت تتموضع وسط عالم شديد التنافس. توظف رأس مالها الحضاري في سياساتها الشاملة، لاسيما القوة الناعمة. الاستخدام ليس ترفًا، بل ضرورة. العالم الآن لا يقتنع بالقوة الصلبة «العسكرية» فقط، الهوية المقنعة حائط صد، ومصر بالمتحف الكبير لا تهرب إلى الماضي، بل توظفه لدخول المستقبل.
المقارنة ليست هدفها تمجيد طرف أو إدانة آخر، بل إدراك أن الحضارات تتعامل مع الأسئلة الكبرى بطرق مختلفة، الغرب الحديث، في لحظة «الهالوين»، فهو يواجه الموت بالصور الساخرة، ويحوّل الخوف إلى سلعة. مصر القديمة واجهت الموت بالعلم والهندسة والنظام. حوّلت الخوف إلى علم وفنون ومعرفة، والآن، يحاول الأحفاد السير على طريق الأجداد.
اقرأ أيضاًعالم المصريات الياباني: المتحف المصري أعظم متحف عالمي.. وعرض كنوز توت عنخ آمون مذهل
«نحن أحفاد الفراعنة».. سلمى أبو ضيف تحتفي بحفل افتتاح المتحف المصري الكبير
ملك بلجيكا في جولة خاصة بـ «سقارة» و«أبوصير» بعد افتتاح المتحف المصري الكبير
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: المتحف المصري الكبير الرئيس عبدالفتاح السيسي افتتاح المتحف المصري الكبير الهالوين المتحف المصری الکبیر جزء من لم یکن
إقرأ أيضاً:
تعزيز الدور التنموي للبورصة المصرية
شهدت البورصة المصرية في الفترة الأخيرة تطورات ملموسة عكستها مؤشرات الأداء وأحجام التداول، مدفوعة بجهود حكومية لتطوير البنية التكنولوجية وتنشيط برنامج الطروحات. وانطلاقاً من هذا الزخم، تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية تهدف لتعظيم الاستفادة من سوق المال كقاطرة للتنمية، مع العمل على تحسين مكانة مصر في التصنيفات الدولية للأسواق الناشئة، وهو هدف يتطلب توازناً دقيقاً بين متطلبات الانفتاح على الاستثمار العالمي وبين مقتضيات المصلحة الوطنية الاقتصادية.
وفي مقدمة المقترحات الرامية لتطوير هذا القطاع، تأتي ضرورة العمل علي زيادة حجم الأصول المتداولة والرأسمالية السوقية للبورصة المصرية مقارنة بالأسواق العالمية والإقليمية. فإذا اتخذنا رأس المال السوقي للبورصة المصرية كقاعدة للقياس، والذي يحوم حالياً حول ٧٠ مليار دولار تقريبا، نجد أن السوق السعودي (تداول) يتصدر المشهد الإقليمي برأسمال سوقي يتجاوز 2.6 تريليون دولار (أي ما يعادل نحو 37 ضعف الحجم المصري)، مما يجعله أحد أكبر عشرة أسواق مالية في العالم. أما في الولايات المتحدة، فيتجاوز الرقم 50 تريليون دولار (أكثر من 600 ضعف الحجم المصري)، بينما في كندا يصل إلى نحو 3 تريليونات دولار (حوالي 40 ضعفاً).
أما في أوروبا، فتبرز بريطانيا برأس مال سوقي يبلغ 3.2 تريليونات دولار (نحو 45 ضعفاً)، بينما في ألمانيا يتخطى 2.5 تريليون دولار (نحو 35 ضعفاً). وبالانتقال إلى النماذج الآسيوية الناشئة، نجد أن تركيا استطاعت الوصول برأسمالها السوقي إلى 350 مليار دولار (نحو 5 أضعاف الحجم المصري)، بينما تحقق فيتنام نمواً متسارعاً برأس مال يتجاوز 250 مليار دولار (حوالي 3.5 ضعفاً). إن هذه الأرقام لا تعكس فقط قوة تلك الاقتصادات، بل تشير إلى حجم الإمكانات التمويلية التي يمكن لمصر الاقتراب منها عبر توسيع قاعدة الشركات المقيدة في البورصة، وتعميق السيولة، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية، عبر تقديم حزمة من الحوافز الإيجابية والسلبية لدفع الشركات والمنشٱت للتقييد في البورصة مما ينشط السوق ويعزز الشفافية ويحجم الكثير من المظاهر السلبية في الممارسات الاقتصادية والمالية المعاصرة.
إن توسيع دور البورصة في تمويل المشروعات القومية للدولة من خلال المدخرات الوطنية يمثل أحد أهم البدائل الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على القروض الخارجية وتعزيز التمويل الذاتي للاقتصاد الوطني. إن التوسع غير المدروس في الاقتراض الخارجي غالباً ما يقود إلى ما شاع تسميته بـ "الاغتيال الاقتصادي للأمم"؛ وهو مسار ما يعتقد أنه تنفذه أحياناً كيانات دولية ومخابراتية تهدف لتكبيل سيادة الدول عبر بوابة تراكم الديون الاستهلاكية (وليس القروض الإنتاجية المدروسة). ومن هنا، تبرز البورصة المنظمة كأداة مهمة لتعزيز الأمن الاقتصادي وتوسيع مصادر التمويل الوطني، وتعزيز ملكية الشعب لأدوات والأصول الإنتاجية شريطة تطوير البورصة وصناديق الاستثمار، وتأمين المتعاملين فيها ضد التلاعب النفسي والسعري والتكنولوجي، وحمايتهم من الاختراقات الإلكترونية وأي مخاطر أخري مرتبطة لحفظ الحقوق وتوثيقها وتوريثها.
ولتحقيق هذه القفزة، نقترح تدشين "البوابة الرسمية الموحدة للاستثمار الرقمي" لتكون منصة رسمية حكومية جامعة تربط المستثمرين بكافة شركات السمسرة ومنصات التداول المعتمدة من خلال واجهة رقمية موحدة وآمنة. ولا تهدف هذه البوابة إلى القيام بدور الوسيط المالي أو التدخل في قرارات الاستثمار أو تنفيذ العمليات، وإنما تعمل كممر إلكتروني لحظي لتوثيق البيانات والتحقق من سلامة المعاملات وحماية حقوق المتعاملين.
ويتيح هذا النموذج الحفاظ على استقلالية شركات السمسرة وآليات السوق التنافسية، مع توفير طبقة إضافية من التوثيق والحماية والشفافية وحفظ الحقوق من خلال التحقق الإلكتروني المستمر من هوية المتعاملين وسلامة الأوامر ورصد أي أنماط احتيالية أو أخطاء تشغيلية بصورة فورية قبل شراء أسهم في البورصة أو وثائق في صناديق الإستثمار. كما يساهم وجود سجل رقمي موحد في تعزيز الثقة بالسوق وتيسير إجراءات الرقابة والتنظيم دون إضافة أعباء بيروقراطية أو التأثير على سرعة وكفاءة التداول.
وعلى صعيد الوعي الاستثماري، يمكن أن تشتمل هذه المنصة على منظومة متقدمة للتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل كمساعد رقمي للمستثمرين، من خلال تحليل البيانات المالية والإفصاحات الرسمية وعرض المؤشرات والمخاطر والسيناريوهات المحتملة بصورة مبسطة، بما يساعد المستثمر على اتخاذ قراره على أسس موضوعية. ولا تحل هذه الأدوات محل المستشارين الماليين المرخص لهم أو القرار الاستثماري الشخصي، وإنما تمثل وسيلة داعمة لتعزيز الثقافة الاستثمارية والحد من تأثير الشائعات والمعلومات غير الموثقة. كما أن حفظ وتحليل البيانات الضخمة للسوق سيمكن الجهات المختصة من إجراء دراسات إحصائية دقيقة تساهم في تطوير مناخ الاستثمار ورفع كفاءة السوق بوجه عام.
ختاماً، تمثل البورصة المصرية أداة حيوية لتعزيز الأمن الاقتصادي عبر تمويل قطاعات الصناعة والأمن الغذائي والبنية التحتية بالتمويل الذاتي الوطني. إن التحرك في هذا المسار سيكفل الحفاظ على التصنيف الدولي للسوق المصرية والعمل على الارتقاء به في ظل التحديات القائمة المتعلقة بهذا التصنيف خلال الفترة القادمة، في إطار رؤية وطنية تهدف لبناء اقتصاد إنتاجي منافس (بتمويل وطني في أغلبه ومنفتخ علي الاستثمار الأجنبي البناء), وفي نفس الوقت إقتصاد يحمي مقدرات الشعب ويصون استقلال قراره الوطني بعيداً عن ضغوط الدائنين الدوليين.
سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة