جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@20:05:17 GMT

إرث لا يُورَّث

تاريخ النشر: 4th, November 2025 GMT

إرث لا يُورَّث

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في كل مرةٍ يتغيّر فيها المسؤول، تبدأ الحكاية من الصفر. تُمحى اللوحات، وتُستبدل الشعارات، ويُعاد رسم التاريخ الإداري بمدادٍ جديد، كأنَّ ما سبق لم يكن. مشاريعٌ وُلدت بالأمس تُدفن اليوم بلا مُبرر، وخططٌ كادت أن تُثمر تُقتلع مع جذورها بمجرد أن يُغادر صاحبها المكتب. وهكذا يتحوّل الإرث المؤسسي – الذي كان ينبغي أن يُورَّث – إلى ذاكرةٍ منسية، وكأنَّ كل قادمٍ يهمس لمن سبقه: "ابدأ أنت، وسأنهي أنا".

إن ما يفترض أن يكون «إرثًا مؤسسيًا» يُبنى عليه، يتحوّل – للأسف – في بعض الجهات إلى صفحةٍ تُطوى مع أول توقيعٍ لمسؤولٍ جديد. فبدل أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون، يبدأ من حيث بدأوا، كأن الزمن لا يتقدّم خطوةً واحدة. هذه الممارسات لا تعبّر عن رؤيةٍ تطويرية، بل تُجسّد انقطاعًا في سلسلة التعاقب المؤسسي التي تمثل جوهر الاستدامة الإدارية. فالمؤسسات الرصينة لا تُقاس بعدد المشاريع التي تُطلقها، بل بقدرتها على صون المعرفة المتراكمة وتحويل الجهود السابقة إلى قاعدةٍ تُبنى عليها الإنجازات اللاحقة، لا إلى عبءٍ يُتخلّص منه.

وحين يتولى بعض المسؤولين الجدد مواقعهم، يبدؤون – من حيث لا يُعلنون – معركةً صامتة ضد كل ما سبقهم. تُغيَّر الخطط، وتُستبعَد الكفاءات، وتُستبدَل فرق العمل بأخرى، وكأن المؤسسة وُلدت يوم تعيينهم. تتراجع الخبرات أمام الولاءات، وتُهدر سنواتٌ من البناء المؤسسي لأن صاحب القرار يرى أن ما أنجزه من سبقه لا يستحق البقاء. وفي لحظةٍ واحدة، يتحوّل شعار «ابدأ من حيث انتهى الآخرون» إلى ممارسةٍ معاكسةٍ تقول: «انسف ما أنجزه الآخرون وابدأ وحدك من جديد». وهكذا تُصاب ذاكرة المؤسسة بما يشبه الزهايمر الإداري، فتفقد قدرتها على التعلّم من تجاربها وتعيد أخطاءها في دائرةٍ لا تنتهي.

إن نسف ما بُني لا يعني فقط إلغاء مشاريع أو تبديل فرق عمل، بل هو إهدارٌ متكرر لجهدٍ ومالٍ ومعرفةٍ استثمرتها الدولة عبر سنواتٍ طويلة. فكل موظفٍ راكم خبرةً في موقعه هو جزءٌ من ذاكرة المؤسسة، وكل تجربةٍ سابقة تحمل درسًا يُجنّب تكرار الخطأ ذاته. وحين تُهمَّش هذه الذاكرة أو تُقصى الكفاءات بحججٍ واهية، تدفع المؤسسة ثمنًا باهظًا من كفاءتها واستقرارها. والأشدّ وطأةً أن يشعر المخلصون بأن أعمارهم الوظيفية تضيع في دوامة إعادة ما أُعيد، فيغيب الدافع، ويذبل الانتماء، ويتحوّل العمل العام إلى مسرحٍ لإثبات الذات بدل أن يكون ميدانًا لبناء الوطن.

وجوهر التعاقب المؤسسي لا يقوم على تكرار الوجوه، بل على استمرار الفكر والبناء. فالمسؤول الواعي يدرك أن موقعه حلقةٌ في سلسلة التطوير، لا نقطةُ انطلاقٍ جديدة. لذلك يترك بعده أثرًا يبقى، لا اسمًا يُنسى. فالمؤسسة القوية تُقاس بقدرتها على الحفاظ على ذاكرتها الحية وتوريث خبراتها لمن يأتي بعدها، لأن التطوير الحقيقي لا يبدأ من الصفر، بل من آخر خطوةٍ وصل إليها السابقون. وعندما يصبح تسليم وتسلم المهام عمليةً منهجيةً تُوثَّق فيها الخبرات وتُستثمر فيها المعرفة، يتحوّل الإرث الإداري من عبءٍ إلى كنزٍ وطنيٍّ متجدّد. فالقيمة ليست في من بدأ الطريق، بل في من أكمل المسير، وبنى على ما بُني قبله من غير أن يهدم ما أثبته الزمن من نجاح.

لقد آن الأوان أن نُغيّر نظرتنا إلى المنصب من كونه غايةً إلى كونه أمانة، وأن ندرك أن الاستمرارية لا تُقاس بتبدّل الأسماء، بل بما يُضاف إلى رصيد المؤسسة من معرفةٍ وتجربة. فحين يتوارث المسؤولون روح الإنجاز لا مواقعه، ويتعاملون مع جهود من سبقهم باحترامٍ لا بتجاهلٍ، يتحوّل الإرث المؤسسي إلى ثروةٍ تُنمّي الوطن، لا إلى حكايةٍ تُعاد كل بضع سنوات. فالإدارة التي تحترم ماضيها، تضمن حاضرها، وتصنع مستقبلها. وخلاصة القول: خير ختامٍ لكل عهدٍ رشيد أن يُقال فيه: ترك إرثًا يُورَّث، لا أثرًا يُمحى.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

لمتابعة سير العمل.. قيادات المؤسسة العلاجية في زيارة تفقدية لمستشفى هليوبوليس

أجرى الدكتور محمد شقوير، رئيس مجلس إدارة المؤسسة العلاجية، جولة تفقدية موسعة بمستشفى هليوبوليس، للوقوف على آخر مستجدات أعمال التطوير والتحديث الجارية بالمستشفى، وذلك في إطار المتابعة الميدانية المستمرة لرفع كفاءة المنشآت الطبية وتحسين جودة الخدمات الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين.

وشملت جولة رئيس مجلس الإدارة تفقد قسم العمليات الجاري تطويره وفق أحدث المعايير الطبية القياسية، بالإضافة إلى زيارة قسم رعاية الأطفال للاطمئنان على سير العمل ومستوى الخدمة الطبية المقدمة، مؤكداً على ضرورة الالتزام بالجداول الزمنية المحددة للانتهاء من كافة أعمال رفع الكفاءة.

ورافق رئيس مجلس الإدارة خلال الجولة لجنة التطوير ورفع الكفاءة بالمؤسسة العلاجية، والتي ضمت كلاً من:

أحمد غراب، مدير إدارة السلامة والصحة المهنية بالمؤسسة.

كمال صلاح، مدير الإدارة الفندقية بالمؤسسة.

المهندس مصطفى قناوي، ممثلاً عن الإدارة الهندسية بالمؤسسة.

وكان في استقباله والوفد المرافق له القيادات التنفيذية والإدارية بمستشفى هليوبوليس، وعلى رأسهم الدكتور شريف عبد الستار، مدير عام المستشفى، وهشام وصفي، مدير الشئون الإدارية، والمشرفون على المنظومة التمريضية والإعلامية بالمستشفى؛ متمثلين في مروة يوسف، رئيسة التمريض، ومصطفى شلبي، مدير العلاقات العامة بالمستشفى.

وتأتي هذه الزيارة ضمن سلسلة من الجولات التفقدية التي تهدف إلى تذليل أي عقبات تواجه سير العمل، وضمان تطبيق أعلى معايير السلامة والصحة المهنية والجودة الفندقية داخل المستشفيات التابعة للمؤسسة العلاجية، بما يلبي تطلعات المرضى ويسهم في تطوير المنظومة الصحية الشاملة.

مقالات مشابهة

  • مؤسسة النفط تكشف أرقاماً ضخمة للإنتاج والإيرادات في «شهر مايو»
  • لمتابعة سير العمل.. قيادات المؤسسة العلاجية في زيارة تفقدية لمستشفى هليوبوليس
  • رئيس المؤسسة العلاجية يتفقد أعمال التطوير بمستشفى هليوبوليس
  • ليفربول يبدأ المفاوضات مع خليفة المدرب سلوت
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • رئيس جامعة المنوفية: التميز المؤسسي ركيزة أساسية للتنمية
  • سباق الكونغرس الأمريكي يبدأ.. تصويت حاسم لمعركة السيطرة على مجلسي «الشيوخ والنواب»
  • مهرجان مراكش للفيلم يفتح باب الترشح لورشة متخصصة في النقد السينمائي لفائدة الصحافيين
  • نقل بحري.. تحديد موعد التسجيل لرحلة سكيكدة – مرسيليا
  • رئيس مؤسسة النفط: سجلنا أعلى معدل لتوريد البنزين في تاريخ المؤسسة خلال مايو