هل البيتكوين حقا النسخة الرقمية من الذهب؟
تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT
تحت هذا السؤال الذي يشغل المستثمرين حول العالم، تناول تقرير موسع نشرته وكالة بلومبيرغ المقارنة بين الذهب والبيتكوين بوصفهما أصلين يُنظر إليهما كأدوات تأمين استثماري، مؤكدا أن "الذهب لا يزال الأصل الأكثر موثوقية عندما تنهار الأسواق أو تتعرض الأنظمة المالية لهزات عميقة".
وأوضح التقرير، الذي أعده الكاتب الاقتصادي جون ستيبك، أن فكرة المقارنة بين الأصلين عادت بقوة بعد أن لامس كلٌ منهما مستويات قياسية جديدة خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إذ تجاوز سعر الذهب 4 آلاف دولار للأونصة، في حين صعدت بيتكوين فوق 100 ألف دولار للوحدة الواحدة، قبل أن يتراجع كل منهما لاحقا.
واستند التقرير إلى تحليل الخبير المالي دهافال جوشي، كبير إستراتيجيي مؤسسة "بي سي إيه ريسيرش"، الذي أكد أن "الذهب هو الأصل التأميني الرئيسي في الأنظمة النقدية القائمة على العملات الورقية"، مشيرا إلى أنه يحمي الثروة من تدهور قيمة النقود في ظل قدرة البنوك المركزية على إصدارها بلا قيود. وأضاف أن "المستثمرين حول العالم ما زالوا يعتبرون الذهب وسيلة حفظ الثروة في مواجهة تقلبات النظام المالي العالمي".
ووفق بلومبيرغ، يرى جوشي أن القيمة الطويلة الأجل للذهب تعتمد على عاملين أساسيين: أولهما حجم الثروة العالمية الكلية، وثانيهما نسبة هذه الثروة التي تتجه إلى الذهب كلما زادت المخاوف من تآكل قيمة النقود. وأوضح أن ارتفاع الطلب على الذهب في السنوات الأخيرة يرتبط بشكل مباشر بتزايد "الريبة من السياسات النقدية التوسعية وتراجع الثقة بالدولار كعملة احتياط عالمية".
وأضاف التقرير أن هذا الاتجاه لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل أيضا البنوك المركزية في الأسواق الناشئة، التي ضاعفت مشترياتها من الذهب لتقليل اعتمادها على الأصول المقومة بالدولار. ووفق ما نقله التقرير عن جوشي، فإن "الطلب المتزايد على الذهب يعكس رغبة المؤسسات المالية في الحصول على أصول خارجة عن السيطرة السياسية للنظام المالي الأميركي".
في المقابل، تناول التقرير وجهة النظر التي ترى في بيتكوين بديلا رقميا للذهب، ووفق تقديرات بلومبيرغ، تبلغ القيمة السوقية الإجمالية لبيتكوين نحو تريليوني دولار، مقارنة بنحو 30 تريليون دولار للذهب.
إعلانويُظهر هذا الفرق الهائل -حسب جوشي- أن الأصلين سيستفيدان من زيادة الثروة العالمية، لكن بيتكوين قد تستفيد أكثر نسبيا من اتساع قاعدة المستثمرين الشباب الباحثين عن أدوات تحوط رقمية.
ومع ذلك، عبر الكاتب جون ستيبك عن تحفظه قائلا: "أنا لست من منكري بيتكوين، فقد أثبتت وجودها وحققت أرباحا هائلة، لكنها لا توفر الاطمئنان المادي الذي يمنحه الذهب في أوقات الأزمات".
وأضاف: "عندما أشعر بالقلق على النظام المالي، يمكنني شراء عملات ذهبية وحفظها في خزنة، أما بيتكوين فلا يمكن أن تمنحني هذا الشعور بالسيطرة المادية على الثروة".
وأشار التقرير إلى أن مفهوم التأمين الاستثماري يقوم أساسا على التحوط ضد السيناريوهات القصوى، أي تلك التي تفقد فيها الأنظمة النقدية والمالية استقرارها.
وأوضح أن "الذهب يتميز بقدرته على البقاء خارج دائرة النفوذ السياسي أو التقني"، في حين "تعتمد بيتكوين على شبكة رقمية يمكن أن تتأثر بالأعطال، أو الرقابة، أو حتى انقطاع الكهرباء في حالات الطوارئ".
وخلص تقرير بلومبيرغ إلى أن الذهب لا يزال يحتفظ بصفته "الملاذ المادي الأخير" في مواجهة الانهيارات، وأن الثقة به تتزايد كلما تراجع الإيمان بسلامة الأنظمة النقدية الورقية.
وأضاف أن تجربة العقدين الماضيين، من أزمة 2008 إلى صدمات التضخم الأخيرة، أظهرت أن المستثمرين "يعودون دائما إلى المعدن الأصفر حين يفقدون الثقة بالأسواق".
وأشار التقرير إلى تجربة المستثمر تشارلي موريس من مؤسسة أطلس بالس -الذي يدير محفظة تجمع بين الذهب وبيتكوين بنسبة مدروسة تُعرف باسم "بولد بروتوفوليو"- حققت أداء جيدا في السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، يظل رأي ستيبك واضحا: "حتى في أفضل الظروف، سأظل أفضل المعدن الأصفر في مواجهة الانهيارات الحقيقية، فربما أكون تقليديا، لكن التجربة تثبت أن الذهب لا يخون في الأزمات".
وفي ختام التقرير، أكدت بلومبيرغ أن "الذهب يظل الأصل الأكثر استقرارا وملموسية في مواجهة هشاشة النظام المالي العالمي"، بينما تظل بيتكوين "رهانا رقميا واعدا، لكنه لم يثبت بعد أنه قادر على الصمود في لحظات الانهيار الفعلي".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات فی مواجهة
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.