صحيفة التغيير السودانية:
2026-06-03@01:41:00 GMT

حالة ضعف..

تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT

حالة ضعف..

أطياف

صباح محمد الحسن

طيف أول

أيها الوطن السكن أنت موئل الأرواح المسالمة، تملك مدىً حتى الأعماق السابعة..

في مطلع نوفمبر الجاري، وتعقيبًا على تصريح مندوب دولة الإمارات، في جلسة مجلس الأمن، وفي قراءة لما بين السطور من قوله.

“إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع قد أقصتا نفسيهما من تشكيل مستقبل السودان”، داعيًا المجتمع الدولي إلى تقبّل هذه الحقيقة.

ذكرنا أن كلمة أبوظبي تعني رفع يدها السياسية والدبلوماسية عن الدعم السريع، بإشارة تُفهم جيدًا. هذا التحول كفيل بأن يُعيد توجيه بوصلة الهجوم الكيزاني نحو تحالف “صمود” وقياداتها ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إذ أدركت فلول النظام البائد أن الدعم السريع لم يعد حصانا رابحا، وباتوا يرون في المدنية خطرًا حقيقيًا، وفي الديمقراطية تهديدًا وجوديًا.

وبالأمس، فعليًا، بدأت المنابر الكيزانية التي لا تنطق إلا بما يُملى عليها، حملة منظمة ضد القوى المدنية. منصات مدفوعة الأجر، حيث صار الهجوم على المدنيين وظيفة ومصدر رزق وموسم حصاد لمن اعتادوا بيع الكلام والذمم.

تزامنت معه أمس، وفي مشهد لا يخلو من الكوميديا السوداء، نشرة من النيابة العامة لحكومة بورتسودان لقائمة المطلوبين السياسيين والصحفيين، وطالبتهم النيابة بتسليم أنفسهم في موعد محدد، وفي حال عدم حضورهم ستحاكمهم غيابيًا. وبهذا تُجسّد النيابة العامة الكيد السياسي الواضح حيث يجد المستمع لقائمة أسماء المطلوبين السياسيين عبر التلفزيون القومي أن اسم الدكتور عبد الله حمدوك يُتلى مباشرة بعد اسم “أبو لولو” القاتل، وكأن النيابة تُمارس التلميح المسموم بتقنية ترتيب الأسماء. أي هوان هذا الذي بلغه الكيزان!! وما هذا العجز في النزال السياسي الذي جعلهم يبحثون في الدفاتر القديمة يستخدمون هذه الأساليب الفقيرة

التي تكشف أنهم يعانون فوبيا الحكم المدني، وإفلاس تام عن إنتاج فكرة جديدة، حتى تعود إلى مؤامراتها المكشوفة، وتُعيد تدويرها بنفس الأدوات، والسيناريو، وبذات الإخراج الرديء. إنهم لا يخشون الدعم السريع، بل يخشون أن يُصبح السودان دولة مدنية، تحكمها المؤسسات لا المليشيات، وتُدار بالعقل لا بالهتاف. وهذا هو الرعب الحقيقي الذي يُسكنهم، ويُحرّكهم، ويُفضحهم.

الأيام القادمة

لن تقف عند حدود التشهير بسمعة المدنيين، بل ستكشف عن سوء النهايات، على شاكلة غِلّ المغلوب الذي ينهض مهزوما ً، لكنه لا يغادر قبل أن يقلب الطاولة. لن يقف الأمر عند التشهير، بل سيتجاوزه إلى ما هو أخطر. فربما تُفتح الحراسات السيئة من جديد لتزج بالنساء، ويُرغم الشباب على الاستنفار بالقوة، وتعود حوادث النهب والسلب والسرقات، وقد تعود “9 طويلة” من جديد.

فما وصلت إليه الفلول هو أن أيامها انتهت برفض وعزل وعداوة دولية، وما زال المجتمع الدولي يمسك لسانه عن رد الفعل لمحاولات عرقلة الاتفاق الذي يجري كما خطط له وهم يعلمون ذلك؛ ولهذا يستخدمون هذه الحيل الفاشلة.

والسؤال: منذ بداية الحرب وما قبلها من خيبات سياسية، ماذا حصدت فلول النظام البائد؟ فحربها خاسرة، وعودتها مستحيلة، ونهايتها الأبدية مسألة وقت.

والقوى المدنية تراقب هذا التخبط السياسي والحالة المتأخرة التي يعاني منها جسد التنظيم، ودليل الوعي بين الناس يتجلى في أن غالبية الشعب السوداني الآن ينشد وقف الحرب ويطالب بالسلام.

ونجحت دعوات السلام ومنابرها بعد أن أفشلت حملات الاستنفار، فالقيادات العسكرية، بعظمة لسانها، قالت إن دعوات الاستنفار فشلت ولم تحقق أهدافها، وطالبت القيادة العسكرية دعاة الحرب أن يتركوا منصات السوشيال ميديا، ويأتوا إلى الميدان. ففشل دعوات الحرب يعود فضله لهذا الشعب المدرك، الذي كشف أكاذيب الحرب وزيفها. لذلك، آن أوان أن يقود الشعب بلاده نحو السلام، ويدعم بقوة وقف هذه الحرب اللعينة.

طيف أخير

وقعت بعض القنوات الفضائية أمس في خطأ فادح، عندما ناقشت مع ضيوفها هجوم المسيرات على عطبرة باعتباره خرقًا من الدعم السريع للهدنة التي وافق عليها، وذهب المحللون في هذا الاتجاه الخاطئ.

ومعلوم أنه لا توجد هدنة حتى يُقال إنها خُرقت، فموافقة الدعم السريع على الهدنة تعني أنه يوافق عليها كطرف، وينتظر موافقة الجيش. ولا تسري الهدنة إلا بتوقيع الطرفين، ومن بعدها، إن مارس أيٌّ منهما الهجوم، يكون هو المخترق.

الوسومصباح محمد الحسن

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: صباح محمد الحسن الدعم السریع

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
  • واشنطن : الصين التزمت الحذر .. وإمداداتها لإيران لم تغير مسار الحرب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الكتائب يدعم مفاوضات واشنطن ويطالب بإنهاء حالة الحرب في لبنان
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • إيران تدرس اتفاقا لوقف الحرب مع استمرار حالة الجمود
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟