مدير مكتب الجزيرة السابق بطهران يفكك شيفرة إيران المعقدة
تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT
وخلال الحلقة التي امتدت لنحو 5 ساعات ونصف، سلط فايز الضوء على الكيفية والأسلوب التي تُدار بها الدولة العميقة في إيران من خلال عقلية توازن بين المصلحة والتاريخ والعقيدة.
يرى فايز أن إيران ليست دولة يمكن قراءتها بعيون السياسة فقط، بل هي كيان متداخل الجذور يختلط فيه البعد الديني بالقومي، ويستند إلى إرث إمبراطوري طويل جعلها تتصرف في محيطها بثقة وأحيانا بتوجّس من الآخر.
من خلال تجربته الصحفية الممتدة في طهران، يصف فايز المجتمع الإيراني بأنه شديد التماسك رغم تنوعه العرقي الواسع، إذ تضم البلاد أكثر من 9 قوميات تشترك في هوية واحدة تجمعها اللغة الفارسية والعامل الحضاري المتراكم عبر قرون.
اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4كود الردع: الصراع السيبراني بين إيران وإسرائيلlist 2 of 4حميد دباشي: التصورات الغربية عن إيران والحداثة المناهضة للاستعمارlist 3 of 4استراتيجية "الدفاع الأمامي" التي تتبناها إيرانlist 4 of 4هذه مسارات تعزيز التقارب بين إيران ودول الخليجend of listحضارة متجذرةويضيف أن الإيرانيين يرون أنفسهم حاملي حضارة لا مجرد دولة، فالعامل الثقافي لديهم ليس هامشيا بل يوجّه السلوك السياسي والاجتماعي، حتى إن الفنون والآداب والإعلام في إيران تُوظَّف جميعها لترسيخ هذا الوعي الجمعي المتماسك.
ويشير إلى أن السياسة الإيرانية تُدار بعقل براغماتيّ خلف عباءة أيديولوجية، إذ تتخذ طهران قراراتها الكبرى وفق ميزان دقيق بين الثابت العقائدي والمرونة الواقعية، وهذا ما يجعلها أحيانا تبدو متناقضة لكنها في جوهرها تسعى للحفاظ على بقاء النظام.
يتحدّث فايز عن تجربته كصحفي عربي عاش داخل إيران لسنوات، معتبرا أن تغطية الشأن الإيراني تتطلّب حيادا مضاعفا وفهما عميقا للتاريخ والمجتمع، لأن الخطأ في تفسير إشارة أو مصطلح قد يُفهم كاصطفاف سياسي أو إساءة للهوية الوطنية.
ويرى أن الصعوبات أمام المراسل الأجنبي هناك ليست أمنية فحسب، بل ثقافية ولغوية أيضا، فالتعامل مع المسؤولين الإيرانيين يحتاج إلى معرفة غير مكتوبة بلغة المجاملة الرسمية وقراءة ما وراء العبارات المتحفظة.
البداية من الداخلويؤكد فايز أن فهم السياسة الخارجية الإيرانية يبدأ من الداخل، من بنية النظام الذي يجمع بين مؤسسات منتخبة كالرئاسة والبرلمان، وأخرى غير منتخبة كمجلس صيانة الدستور والمرشد الأعلى، وهي المعادلة التي تخلق ثنائية القوة والقرار في الدولة.
ويشرح أن موقع المرشد في النظام ليس رمزا دينيا فقط، بل مركزا فعليا لإدارة ملفات الأمن والسياسة والعلاقات الإقليمية، في حين تبقى مؤسسات الدولة المدنية واجهة تنفيذية ضمن حدود هذا الإطار الأعلى.
ويصف فايز النظام الإيراني بأنه "دولة داخل دولة"، فهناك نظام رسمي يخضع للدستور، وآخر غير معلن يتولّى رسم السياسات الكبرى، وتلك الموازنة بين الشرعية الدستورية والمرجعية الدينية هي ما يمنح إيران قدرتها على الصمود رغم الأزمات.
ويضيف أن الثورة الإيرانية عام 1979 لم تنهِ النظام الملكي فحسب، بل أعادت صياغة مفهوم الدولة ذاتها، فانتقلت من الشرعية الوراثية إلى الشرعية الثورية، وخلقت طبقة سياسية جديدة تعتبر نفسها حارسة للإرث الثوري وللموقع الإقليمي في آن واحد.
وفي قراءته للعلاقة بين طهران وواشنطن، يصف فايز العداء الظاهر بين الطرفين بأنه جزء من لعبة مصالح متبادلة، إذ يعرف كل طرف حدود خصمه بدقة، بينما تحافظ القنوات الخلفية على التواصل الدبلوماسي في لحظات التوتر القصوى.
علاقة معقدةأما العلاقة مع إسرائيل، فيراها فايز أكثر تعقيدا، فهي ساحة مواجهة بالوكالة عبر جبهات متعددة من لبنان إلى اليمن، لكنّها أيضا ملف يستخدمه النظام لتثبيت شرعيته الثورية أمام الداخل وتغذية فكرة "التهديد الدائم".
ويشير إلى أن مشروع إيران الإقليمي ليس دينيا بحتا كما يعتقد كثيرون، بل يقوم على رؤية إستراتيجية تعتبر أن النفوذ في المنطقة ضمان لبقاء النظام في الداخل، لذلك تستثمر طهران في حلفائها السياسيين والعسكريين كجزء من منظومة أمنها القومي.
ويرى فايز أن النظام الإيراني لا يتحرك بدافع المغامرة، بل وفق حسابات دقيقة للمخاطر والمكاسب، إذ تدرك طهران أن سقوط أيّ من حلفائها الإقليميين سيقوّض عمقها الإستراتيجي ويهدد استقرارها من الداخل.
ويتوقف فايز عند الشخصية الإيرانية ليقول إنها شديدة الاعتزاز بالذات، متأثرة بتاريخها الإمبراطوري الطويل، ومشحونة دائما بشعور بأن العالم لا يفهمها بما يكفي، وهذا الشعور هو ما يجعلها أكثر حساسية تجاه النقد الخارجي.
تناقض مستمرويروي أن المجتمع الإيراني يعيش تناقضا دائما بين الانفتاح الحضاري والمحافظة الدينية، فبينما تتطور طهران والمدن الكبرى بسرعة، تبقى المناطق الريفية متجذّرة في تقاليدها، مما يخلق توازنا بين الحداثة والهوية.
ويعتبر فايز أن فهم هذا التوازن أساسي لقراءة سلوك الدولة، فكل قرار سياسي في إيران يخضع لتجاذب بين مؤسسات تمثل الثورة وأخرى تمثل الدولة، وبينهما يحاول المرشد ضبط الإيقاع دون السماح بانفلات يهدد النظام.
ويضيف أن النظام الإيراني رغم تعقيداته يتمتع بقدرة عالية على التكيّف، فحتى العقوبات والضغوط الخارجية تحوّلت إلى أدوات داخلية لتقوية فكرة الاكتفاء الذاتي وإحياء النزعة الوطنية في مواجهة "المؤامرة" الخارجية.
ويؤكد أن هذا الشعور الجماعي بالمظلومية لعب دورا محوريا في بقاء النظام، لأنه حوّل الأزمات إلى طاقة تعبئة داخلية، وجعل الإيرانيين يلتفون حول دولتهم كلما اشتد الحصار الخارجي عليهم.
تحولات هادئةوفي رؤيته للمستقبل، يعتقد فايز أن إيران مقبلة على تحولات هادئة لا صدامية، إذ يدرك النظام أن التغيير التدريجي وحده الكفيل بالحفاظ على تماسك الدولة، في ظل جيل شاب يتطلع إلى انفتاح أكبر على العالم.
ويختم فايز حديثه بالتأكيد على أن "فهم إيران يتطلب الصبر والنظر من داخلها لا من نوافذ الآخرين، فهي بلد لا يُقرأ من عناوين الأخبار، بل من تاريخه الطويل وإحساسه العميق بأن البقاء أصعب من النصر".
Published On 9/11/20259/11/2025|آخر تحديث: 12:44 (توقيت مكة)آخر تحديث: 12:44 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2شارِكْ
facebooktwitterwhatsappcopylinkحفظ
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات فایز أن
إقرأ أيضاً:
ترامب يهدد بتوسيع العملية العسكرية ضد إيران
عواصم (الاتحاد، وكالات)
أخبار ذات صلةقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إن إيران تريد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لكنها ليست مستعدة لذلك بعد، متوقعاً أن تصبح مستعدة قريباً، مجدداً التأكيد على أن بلاده لن تسمح لها بامتلاك سلاح نووي.
جاء ذلك خلال فعالية سياسية في مدينة ماريتا قرب مدينة أتلانتا بولاية جورجيا الأميركية الواقعة جنوب شرقي البلاد، حيث شدد ترامب على أن «إيران تتعرض لضربات شديدة للغاية ويريدون التوصل إلى اتفاق لكني أقول إنهم ليسوا مستعدين للتوصل إلى اتفاق لأنهم في كل مرة يبرمون فيها اتفاقاً يريدون تغييره وكل شيء من هذا القبيل وهم ليسوا مستعدين لكنهم سيكونون قريباً جداً مع استمرار الضغط العسكري الأميركي».
وأضاف «نحقق انتصاراً في إيران ونضمن أنهم لن يتمكنوا أبداً من أن يفعلوا بنا ما فعلوه بكثيرين».
وبخصوص المخاوف من تأثيرات الوضع في مضيق هرمز على إمدادات الطاقة قال ترامب: «لا نحتاج إلى المضايق ولا إلى أي شيء ولا إلى مضيق هرمز لكننا نفعل ذلك (التحركات العسكرية ضد إيران) لأن علينا أن نفعله إذ لا يمكننا السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي».
وتوقع ترامب أن تنخفض أسعار النفط قائلاً «قبل ثلاثة أسابيع اعتقدوا أن لدينا اتفاقاً لكني قلت إني لا أعتقد أن لدينا اتفاقاً مع هؤلاء لأنهم ينقضون كل اتفاق يبرمونه وقد تراجعت الأسعار كثيراً ثم ارتفعت قليلاً لكنها ستنخفض وربما إلى مستوى أدنى مما كانت عليه عندما بدأنا، فقط امنحوني قليلاً من الوقت».
وفي السياق، أبلغ الرئيس الأميركي موقع «أكسيوس»، أمس، بأنه يدرس بجدية استئناف عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، تشمل ضربات ستكون أكبر من تلك التي نُفذت خلال عملية «الغضب الملحمي».
وأقر ترامب بأن مثل هذا القرار ستكون له تداعيات، لكنه شدد على أنه لم يحسم أمره بعد، ولم يحدد موعداً لاتخاذ القرار، فيما أكد مسؤولان أميركيان آخران عدم صدور أي أوامر جديدة للجيش.
وأضاف الرئيس الأميركي: «أدرس تنفيذ هجوم ضخم، أكبر من أي وقت مضى. أنا قريب من اتخاذ القرار، وكل شيء جاهز».
وتأتي تصريحات ترامب في ظل تأكيد إدارته استمرار الضغط على إيران ومنعها من امتلاك سلاح نووي بالتزامن مع حديثه عن رغبة طهران في التوصل إلى اتفاق جديد.
إلى ذلك، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أمس، إن القواعد الصناعية والدفاعية الإيرانية «دمرت إلى حد بعيد»، مؤكداً أن «طهران تدفع بالفعل ثمناً باهظاً للغاية وقد تضطر إلى إعادة النظر في موقفها خلال الأيام القليلة المقبلة».
وأوضح روبيو في تصريح عقب مشاركته بالاجتماع الـ 59 لوزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» والاجتماعات ذات الصلة المنعقدة في العاصمة الفلبينية مانيلا أن «إيران تخسر منصات إطلاق الصواريخ وأنظمة الرادار بصورة يومية».
وأشار إلى أن إيران تتكبد أضراراً بمليارات الدولارات ليصبح اقتصادها في «وضع كارثي» مضيفاً أن طهران «تعاني بشدة» رغم خطابها السياسي والإعلامي.
ولفت روبيو إلى أن طهران تتواصل مع واشنطن بصورة مباشرة وغير مباشرة، مشككاً في الوقت ذاته في استعداد إيران الحقيقي للاتفاق.
وفيما يتعلق بأهداف واشنطن، أكد روبيو أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسعى إلى ضمان وجود إيران منزوعة القدرة النووية ولا تجعل تغيير النظام الإيراني هدفاً لها.