الأسبوع:
2026-06-02@23:47:09 GMT

عادل صابر أمير فن الواو.. واو بلا دخان»

تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT

عادل صابر أمير فن الواو.. واو بلا دخان»

في أجواءٍ تعبق بعبير التراث، وتفوح منها رائحة الحرف القديمة التي صمدت في وجه الغياب، وبعد اختتام مهرجان قنا للحرف والفنون التراثية 2025 من عاصمة التراث المصري - قنا، حيث تتعانق الأصالة مع الإبداع، ويُفتح للذاكرة بابٌ من نور. هنا، حيث يتحدث الحجر بلسان التاريخ، وتنطق الأيدي بما حفظته من فنون الأجداد، يطلّ فنّ الواو، هذا الفن الجنوبي العريق، ليعلن حضوره الأبدي، كأغنيةٍ من وجدان الأرض لا تعرف الفناء.

إنه الفن الذي صاغ وجدان الصعيد، وردّد أنين الناس وأحلامهم على لسان الشعراء، فصار ديوان الجنوب وصوت الحنين وذاكرة الوطن. ومن بين فرسان هذا الفن، يسطع نجم أمير الواو، الشاعر الكبير عادل صابر، الذي حمل هذا الفن على كتفيه، فجعله يجوب الشرق والغرب، ويُعيد إليه بهاءه القديم وروحه الأصيلة.

ومن هنا ننطلق، من مهرجانٍ يُكرّم الجمال في أصفى صوره، لنتحدث عن فن الواو.. .وعن عادل صابر، ذلك الشاعر الذي جعل من الكلمة وطنًا، ومن الواو قصيدةً تمشي على ضوء القمر، وحين يغيب القمر عن سماء الروح، لا يبقى للشاعر سوى أن يشعل قنديل اللغة في عتمة الفقد.هكذا بدا عادل صابر، أمير فنّ الواو، بعد رحيل والدته، السيدة التي كانت له رحم المعنى، وملاذ الصوت، وملهمة الشعر الأول. رحلت التي علمته كيف تُزرع القصيدة كما تُزرع البذرة في طين النجع، وكيف تُروى بماء الحنين حتى تصير غصنًا من ذهب في بستان الفن الشعبي.

كان الشاعر الراحل الكبير جابر أبو حسين قد غنّى السيرة الهلالية بلسان التاريخ، فصاغ ملاحم البطولة والشهامة والفروسية على لسان أبي زيد الهلالي والخضرة الشريفة، فجعل من التراث نبضًا خالدًا في ذاكرة الأمة. أما عادل صابر شاعرنا المقصود، فقد غنّى سيرة الناس البسطاء، وأحال الواو إلى أسطورة، وأدخل وجع القرية إلى قلب القصيدة، فصار للواو دولة، وللشجن عاصمة، وللبسطاء أميرٌ اسمه عادل صابر.

لقد استقى الشاعر مادته الإبداعية من ضفاف النيل وفضاءات الكرم، ومن طين النجع وبساتين الحلم. كتب بلغتين: لغةٍ عربيةٍ مشبعة برحيق العامية، ولغةٍ إنجليزيةٍ تنقل وجدان الجنوب إلى آفاق العالم، فجاءت تجربته جسراً بين الشرق والغرب، بين رهافة التراب وبهاء الحرف. هو الشاعر الذي اتخذ من الطين قصرًا، ومن القمر حبيبًا، ومن الفقر أغنية، ومن الجوى قلمًا، ومن الصبر طريقًا إلى المجد.

كانت أمه في صغره نبع الحنان الأول، تلفّه بظلالها، وتمنحه من صبرها جرعة القوافي، ومن حكاياتها نواة الخيال. منها تعلّم أن الشعر ليس قولًا منمّقًا، بل صدقٌ عارٍ يُقال على مهلٍ كالدعاء. ومنها ورث تلك الرهافة التي جعلت "فن الواو" على يديه مرآةً للناس وحدائق وبساتين يستنشقون عطر الجمال الطلق.

ولعل القدر شاء أن تكتمل رمزية الفقد بالتحوّل، فبعد رحيلها أعلن الشاعر أنه أقلع عن التدخين قائلاً في منشورٍ- بلهجة عاميةـ جمع بين الصدق والفكاهة:

"بطلت الشيشة من حوالى خمس شهور، لكن المشكلة إني دايمًا بحلم إني باشرب شيشة في المنام.. .الليل كله وأنا نايم أشفط وأكركر في المعسل القص، وربنا يستر ماتقعش بصاية ع البطانية وتقوم حريقة في البيت!".

سخريةٌ مرةٌ من رجلٍ لم يعد يحتمل حتى "دخان الأحلام"، وكأن دعوة الأم - تلك التي لم تنقطع عن لسانها في حياتها _ قد استجيبت بعد رحيلها، فطهّر الله قلب ابنها من الدخان كما طهّر روحه من التعلق بالدنيا.

لقد كان رحيلها فصلاً جديدًا في سيرة شاعرٍ تعلّم من أمه كيف تكون الرحمة قصيدة، وكيف يكون الحزن طريقًا إلى النقاء. ومنذ أن ودّعها، صارت واواته بلا دخان، بل أنفاسًا من نور، يكتب بها للناس عن الحب الذي لا يزول، وعن الأم التي وإن غابت جسدًا، بقيت نغمةً خالدة في كل بيتٍ من أبياته، وكل حرفٍ من أنفاسه، فجاءت واواته بلادخان، و شجيه حسان نجلاو.

إن عادل صابر لم يعد مجرّد شاعرٍ شعبيّ، بل ذاكرةٌ حيةٌ من ذاكرة الجنوب، ورائدٌ لفنٍّ جعل من التراب جمالًا، ومن الشجن بهاءً، ومن الكلمة شرفًا. هو امتداد لجابر أبو حسين في عبقرية الحكاية، وامتداد لأمه في صدق المشاعر.. .ولأنه ابن الحنين، فقد كتب بعد رحيلها أجمل قصائده الصامتة، تلك التي لا تُقال، بل تُسمع من سكونه، وتُشمّ من نقاء أنفاسه، وتُرى في عينيه المبللتين بضياء الدعاء.

وعن أمه قائلا:

شفتك وبتبوس يــــــدْ امّـك

فى الحــــلم منى قــــريِّــب

أجــــرى بشـــوقى واضـمَّك

وأقــــول وليــدى الحــــبيِّب

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: عادل صابر

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • علامات تدل على وجود عطل بمحرك السيارة ؟
  • اغتراب الذات والقصيدة في "ظل يرتسم على المياه البعيدة"
  • ميدو عادل: أشجع الأهلي في إفريقيا لكن انتمائي الأول للزمالك
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • غدا.. قصور الثقافة تحتفي بمسيرة الشاعر مدحت منير بالإسماعيلية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟