التهريب ينعكس كارثة على موسم الحبّار في اليمن
تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT
ألقى التوتر والاضطراب اللذين شهدهما البحر الأحمر بتبعات كارثية على قطاع الصيد في اليمن، مع تركزهما في مناطق تكاثر أهم أصناف الثروات البحرية مثل الحبّار الذي يعتبر من أهم الصادرات اليمنية.
يأتي ذلك في ظل تنامي عمليات التهريب والتجريف التي أثرت على هذا النوع من الأسماك الذي يُصاد في مواعيد تحددها الجهات المختصة وفق ضوابط وشروط عديدة ملزمة للصيادين والشركات.
ويؤكد عاملون في مجال الثروة السمكية أن موسم صيد الحبار تأثر كثيراً في 2025 مقارنة بالعامين الماضيين بسبب الأحداث العديدة التي شهدتها المنطقة، وكان البحر الأحمر ساحة رئيسية لها، ابتداءً من الهجمات الأميركية خلال شهر مارس/ آذار، ومن شهر إبريل/ نيسان، الذي يسبق دخول الفترة الأولى من موسم صيد الحبار في البحر الأحمر خلال الفترة مايو/ أيار ويونيو/ حزيران، ومن ثم الحرب الإسرائيلية على إيران، حين واجه الصيادون صعوبات بالغة في الوصول إلى مناطق تكاثر الحبار وإنتاجه.
في السياق، يتحدث الموظف السابق في الهيئة العامة للشؤون البحرية اليمنية عبد الله العزي، لـ"العربي الجديد"، أن الاضطراب والتوتر أثّرا كثيراً على عملية صيد الحبار في اليمن فالبحر الأحمر هو موطنه الرئيسي، بالرغم من امتداد عملية التكاثر لتشمل مناطق عديدة في خليج عدن، إذ تحولت المنطقة إلى ما يشبه ساحة حرب، مع تزايد أعداد السفن والقطع الحربية والعسكرية وتسببها بتدمير مواقع تكاثر هذا النوع ومختلف أصناف الكائنات البحرية.
إضافة إلى بروز عمليات التهريب التي ضاعفت المشكلة وأثرت بشدة على المخزون، إلى جانب التوتر الذي شهده البحر الأحمر المتزامن مع تدخل الحوثيين لمساندة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة واستهداف السفن الإسرائيلية والدول الداعمة لها، ومن ثم فرض حظر شامل على مرور السفن إلى الموانئ الإسرائيلية هذا العام، فضلاً عن تصاعد العدوان الإسرائيلي الذي يستهدف بدرجة رئيسية منشآت وأعياناً مدنية وسبل عيش المواطنين ومنها مواقع الصيد السمكي.
واستبقت الجهات المعنية بالقطاع السمكي في اليمن موعد الفترة الثانية من موسم صيد الحبار التي تبدأ عادة مع بداية شهر أكتوبر/ تشرين الأول، بالإعلان عن فتح موسم صيد الحبار في منطقة البحر الأحمر ابتداءً من تاريخ 6 أغسطس/ آب 2025، ورُبط ذلك بناءً بتوصية علمية صادرة عن الهيئة العامة لأبحاث علوم البحار والأحياء المائية بالتنسيق مع الهيئة العامة للمصائد السمكية في البحر الأحمر.
وجاء هذا القرار بعد انتهاء فترة الإغلاق البيئي التي هدفت إلى حماية مخزون الحبار وإتاحة المجال لتكاثره، إذ شددت وزارة الثروة السمكية في صنعاء عند الإعلان عن افتتاح موسم الصيد، على ضرورة تعاون الجهات الرقابية كافة في تطبيق القرار وضبط أي مخالفات قد تضر بالمصالح العامة أو تهدد البيئة البحرية، مؤكدة أن هذا الإجراء يأتي ضمن سياساتها لحماية الموارد وتنمية القطاع السمكي بطريقة علمية ومستدامة.
ويوضح العزي أن افتتاح موسم صيد الحبار يجب أن يتم بعد إجراء الدراسات الميدانية الكافية للمخزون وعملية التكاثر، ومدّ توفر النوع والكمية المخصصة للصيد حتى لا يتعرض هذا النوع المهم من الأسماك للتجريف الذي يدمر مواقع الصيد ويقضي على سلسلة تكاثره فهي عملية حساسة للغاية، مشيراً إلى عدم الالتزام بكل الاشتراطات التي تُوضع وتُحدّد من الجهات المعنية التي يجب أن تمنع الصيد في الأخوار والمياه الضحلة بحسب تحديدها والتي تشمل أماكن وجود صغار الحبار في المصيد خلال فترة بداية الموسم.
وبحسب مسؤولين في القطاع السمكي، فإن بدء الموسم يتم عادة وفقاً لضوابط وإجراءات قانونية ملزمة للصيادين وعليهم اتباعها قبل تجديد التصاريح الرسمية، إذ تشترط الجهات المعنية عدم تجاوز المناطق المخصصة للصيد، بما يسهم في الحفاظ على استدامة الثروة السمكية وتوازن النظام البيئي.
كما يتوجب عدم السماح بعملية صيد الحبار إلا بعد التأكد من الأوراق الرسمية والتصاريح التي تخوّل الصيادين الإبحار بقواربهم إلى مواقع صيد هذا النوع التجاري من الكائنات البحرية الذي لا يوجد سوى في مواقع وفترات محددة من السنة.
ويعتبر الحبار من أهم الثمار البحرية في اليمن، ويتوزع موسم صيده على فترتين من العام؛ الفترة الأولى تبدأ في مايو/ أيار ويونيو/ حزيران، بينما الفترة الثانية تبدأ في أكتوبر/ تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام، إذ يتزامن ذلك مع قرار الجهات السمكية بحظر ومنع صيده للحفاظ عليه في باقي أشهر السنة وهي موسم تكاثره ووضع بيوضه.
وفي الوقت الذي حافظ فيه الحبار على مستوى قريب من إنتاجه قبل الحرب والصراع في اليمن عام 2015، بحدود 20 ألف طن، يقدّر صيادون ومشرفون في مراكز الإنزال السمكي كمية الحبار في المركز الواحد بما بين 4 و8 أطنان يومياً.
ويؤكد فيصل الشرماني، تاجر أسماك، لـ"العربي الجديد"، أن معظم الإنتاج من الحبار يصدَّر إلى الخارج حيث تخلو السوق المحلية منه طوال موسم صيده، ويلفت هذا التاجر إلى أنه يوجد بشكل محدود للغاية، مع ارتفاع قياسي في أسعاره الذي يفوق قدرات نسبة كبيرة من السكان.
وتشرف شركات على مختلف العمليات الخاصة بالصيد والتجهيز والتبريد التي تمر بعدة مراحل لأنه ليس كبقية الكائنات البحرية، فهو يحتوي كيساً من الحبر، ويخضع للتجميد في قوالب خاصة للتبريد، فضلاً عن تجهيزه في قوالب خاصة بعد أن يصبح مهيّأً للنقل والتصدير.
المصدر
المصدر: الموقع بوست
كلمات دلالية: موسم صید الحبار البحر الأحمر هذا النوع الحبار فی فی الیمن
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026