احتفاءً بافتتاح المتحف المصري الكبير، وتحت رعاية الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة، نظمت دار الكتب والوثائق القومية برئاسة  الدكتور أسامة طلعت ندوة ثقافية بعنوان "أنغام من قلب التاريخ"،الاثنين 10 نوفمبر 2025، بقاعة علي مبارك بدار الكتب، شارك في الندوة الأستاذ الدكتور ميسرة عبد الله حسين، أستاذ الآثار والديانة المصرية القديمة بكلية الآثار – جامعة القاهرة، ونائب المدير التنفيذي لهيئة متحف الحضارة سابقًا، والأستاذ الدكتور طارق سيد توفيق، أستاذ الآثار المصرية القديمة ومدير المتحف المصري الكبير سابقًا، والفنانة مروة محيي، مدير متحف ومركز راتب صديق، بمشاركة مجموعة من الفنانين الشباب من ذوي الهمم في ورشة فنية مصاحبة.

وأدارت الندوة الأستاذة رشا أحمد، مدير قاعة الموسيقى بدار الكتب والوثائق القومية.
بدأت الفعاليات بعزف السلام الجمهوري، ثم ألقى الأستاذ الدكتور أسامة طلعت كلمته الافتتاحية مرحبًا بالحضور والمتحدثين، مؤكدًا أن هذه الندوة تأتي في إطار حرص دار الكتب والوثائق القومية، على ربط التراث الفني بالموروث الحضاري المصري، وإبراز الدور العريق للموسيقى في تشكيل وجدان الإنسان المصري عبر العصور.


أكد الدكتور ميسرة عبد الله حسين في كلمته خلال الندوة أن دراسة الموسيقى المصرية القديمة ليست مجرد بحث في الماضي، بل هي نافذة لفهم الهوية المصرية وامتدادها التاريخي والثقافي وأوضح أن الموسيقى كانت جزءًا أصيلاً من حياة المصري القديم في شتى المجالات، سواء في الطقوس الدينية أو الحياة اليومية أو حتى في التعبير عن المشاعر الإنسانية، مشيرًا إلى أن المصريين القدماء تركوا لنا ثروة من المناظر والنقوش التي تُظهر دقة أدائهم الموسيقي وتنوع آلاتهم.

وأضاف الدكتور ميسرة أن الوعي بالتراث هو الذي يمنحنا إدراكًا حقيقيًا بذواتنا وهويتنا، قائلاً: "كلما عرفنا تاريخنا أكثر، استطعنا أن نفهم حاضرنا ونرسم مستقبلنا بوضوح، إحساسنا بالموسيقى القديمة هو في جوهره إحساس بهويتنا وذاتنا وماضينا ومستقبلا."


وأشار إلى أن الجدل الدائر حول انتماءات المصريين، سواء كانوا عربًا أم فراعنة، هو جدل لا طائل منه، لأن مصر — كما قال — هي بوتقة تفاعل حضاري انصهرت فيها ثقافات متعددة عبر العصور، ثم استعرض جانبًا مهمًا من تاريخ علم الآثار في مصر، موضحًا أن جذوره تعود إلى رؤية وطنية مبكرة ظهرت في القرن التاسع عشر على يد علي باشا مبارك، الذي سعى إلى تأسيس علم مصري أصيل للآثار البصرية، وقال الدكتور ميسرة إن علي باشا مبارك أنشأ مدرسة “اللسان المصري” لتدريس علم الآثار للمصريين سنة 1868م، لكن بعض الجهات الأجنبية رأت في ذلك خطرًا على احتكارها لهذا المجال، حتى إن أحدهم قال عبارته الشهيرة:
"لو علم المصريون تاريخهم لأخذوه منا."


وأكد الدكتور ميسرة أن الهوية البصرية المصرية ظلت تتعرض لمحاولات الطمس حتى منتصف القرن العشرين، مشيرًا إلى أن رموزًا وطنية مثل أحمد باشا كمال ورفاقه قد مهدوا الطريق لعودة الوعي الأثري والثقافي المصري، وهو ما يجب أن نفتخر به اليوم ونحن نحتفي بالموسيقى التي شكلت وجدان المصري القديم.
 

ثم ألقى الأستاذ الدكتور طارق سيد توفيق كلمته، معربًا عن سعادته بالتواجد في دار الكتب والوثائق القومية، مؤكدًا أن هذه المؤسسة تمثل حارسًا للتراث المصري والهوية الثقافية، وأوضح أن الموسيقى كانت جزءًا أساسيًا من الحياة المصرية القديمة، إذ رافقت المصريين في منازلهم ومعابدهم وأعيادهم وحتى في طقوسهم الجنائزية، حيث كان الصوت والعزف رمزين للحياة والبعث بعد الموت.

وأشار إلى أن المصريين القدماء لم يتركوا نوتات موسيقية مكتوبة، لكن النقوش الجدارية توضح أن الأداء الموسيقي كان منظمًا ومنسقًا بين العازفين والمنشدين، واستعرض نماذج من مقابر الدولة الحديثة مثل مقبرة "نخت"، التي تكشف عن ثراء وتنوع الآلات الموسيقية الوترية والهوائية والإيقاعية.

كما تناول الدكتور طارق دور الموسيقى في الأعياد الدينية مثل عيد الأوبت، الذي كان يُقام بين معبدي الكرنك والأقصر، مشيرًا إلى أن الموسيقى والرقص كانا عنصرين أساسيين في الاحتفالات والمواكب الكبرى، وأكد في ختام كلمته أن دراسة الموسيقى في مصر القديمة تفتح آفاقًا جديدة لفهم الفكر الجمالي والروحي للحضارة المصرية.


ومن جانبه، أكد الدكتور أسامة طلعت أن الحضارة الإسلامية، ضمت أعراقًا وجنسيات متعددة: من مصر والشام والعراق إلى إيران والهند وشمال إفريقيا، ووصلت إلى بلاد الأندلس، هذه الحضارة العبقرية مزجت بين مختلف الثقافات والفنون، فصارت شاملة لكل الشعوب والأديان والأعراق، كما يظهر في استيعابها للمعارف والفنون السابقة للحضارات التي سبقتها.

وأشار إلى أن الموسيقى كانت جزءًا أساسيًا من ضمن مكونات الحضارة، وثقت في الآثار على الأطباق الخزفية، والنقوش، مثل رسوم العازفين بالعود والدفوف في مجالس الطرب، وذكر مثالًا شهيرًا من العصر الفاطمي، حيث كان الخليفة الحاكم المستنصر له مغنية مفضلة تُدعى صبح، كما لفت إلى أن الحضارة الإسلامية احتوت على الموسيقى في العصر المملوكي أيضًا، خاصة في فترة الجراكسة، حيث كان هناك اهتمام بالثقافة والموسيقى، وأوضح أن بعض الكلمات الموسيقية الحديثة لها جذور قديمة، مثل: كلمة جيتار أصلها كلمة عربية قديمة "قيثارة".

وأشار د. أسامة إلى وجود تنظيم إداري مرتبط بالموسيقى في العصر المملوكي، حيث أسست دار عرفت باسم النقرخانه، لحفظ الأدوات الموسيقية، موضحًا أن الموسيقى كانت متداخلة مع الحياة اليومية والاحتفالات الرسمية، وكانت جزءًا من الثقافة الفنية والاجتماعية في البلاط المملوكي، وأسست في قلعة صلاح الدين دارًا عرفت بالطبلخانة، وكان هناك أمير يتولاها يسمى أميرطبلخانة وكان مسؤول عن ما يعرف اليوم بالموسيقات العسكرية التي كانت تصاحب  الاحتفالات الرسمية للدولة والجيش في غزواته.

وأكد في ختام كلمته أن الموسيقى في الحضارة الإسلامية لم تكن مجرد ترف، بل شكلت عنصرًا أساسيًا من الهوية الثقافية والفنية، وعكست التنوع الحضاري والاندماج بين الثقافات المختلفة عبر العصور.


وعلى هامش الندوة، افتتح دكتور مينا رمزي رئيس دار الكتب، ورشة فنية بعنوان "الكولاج عن الآلات الموسيقية في مصر القديمة"، قدمتها وأشرفت عليها الفنانة مروة محيي، مدير متحف ومركز راتب صديق،بمساعدة الفنان التشكيلي زياد أيمن عبد الله، بمشاركة مجموعة من الفنانين الشباب من ذوي الهمم، هم: "آية مجدي،آلاء مجدي،أميرة عصام،هازار فاضل الحسيني،منى عادل"،بالإضافة إلى الفنانة والباحثة هدى رضوان،الفنان عادل بنيامين،الأستاذة أمل مشرف، الأستاذة مها عبد الحميد


قالت الفنانة مروة محيي إن الورشة اعتمدت على أسلوب الكولاج الفني باستخدام صور وألوان مستوحاة من جداريات المعابد المصرية القديمة، بدرجات الأصفر والبني والأسود لإبراز روح الحضارة المصرية.
وأوضحت أن الجدارية صُممت في ستة أجزاء مترابطة، تعكس وحدة النسيج الفني بين العناصر، مضيفة أن المشاركين أبدعوا في توظيف الألوان والرموز الفنية للتعبير عن جمال الآلات الموسيقية المصرية القديمة.

وأكدت أن الفن التشكيلي وسيلة لإحياء التراث الموسيقي المصري، وأن العمل الجماعي مع الشباب من ذوي الهمم أضفى على الجدارية طابعًا إنسانيًا وفنيًا مميزًا يجمع بين الإبداع والحس الجمالي.


اختُتمت الندوة بتوجيه الشكر للحضور والمشاركين، وأعرب الأستاذ الدكتور أسامة طلعت عن تقديره لجميع المتحدثين والفنانين، مشيرًا إلى أن دار الكتب ستواصل جهودها في توثيق وإبراز التراث المصري في جميع مجالاته، مؤكدًا أن الموسيقى كانت ولا تزال إحدى الركائز الأساسية في تشكيل الهوية المصرية عبر التاريخ.

طباعة شارك المتحف المصري الكبير الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة دار الكتب والوثائق القومية الدكتور أسامة طلعت

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: المتحف المصري الكبير الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة دار الكتب والوثائق القومية الدكتور أسامة طلعت دار الکتب والوثائق القومیة الدکتور أسامة طلعت المصریة القدیمة الأستاذ الدکتور الدکتور میسرة مشیر ا إلى أن الموسیقى فی کانت جزء ا إلى أن ا

إقرأ أيضاً:

تتويج مطعم "روزنة" بالجائزة العالمية لأفضل تجربة طعام مستوحاة من التراث

 

مسقط- الرؤية

في إنجاز دولي جديد يضاف إلى رصيد الضيافة العُمانية والمجموعات السياحية والثقافية في سلطنة عُمان، تُوِّج مطعم "روزنة" بجائزة عالمية رفيعة المستوى ضمن جوائز سياحة الطهي العالمية لعام 2026 (Global Culinary Travel Awards)، والتي تمنحها الجمعية العالمية لسياحة الغذاء (World Food Travel Association).


 

وحصد مطعم "روزنة" المركز الأول عالميًا عن فئة "أفضل تجربة طعام مستوحاة من التراث" (Best Heritage-Inspired Dining Experience)، متفوقًا على العديد من الوجهات والمطاعم العالمية الهامة التي نافست في القائمة النهائية لهذه الفئة.

وجاء في بيان لجنة التحكيم الدولية أن اختيار "روزنة" للفوز بهذه الجائزة المرموقة يأتي تقديرًا لالتزامه الاستثنائي والمستمر في الحفاظ على تراث الطهي العُماني الأصيل، والترويج له، والاحتفاء بخصوصيته وثقافته الغنية، وتقديمه للزوار والسياح كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية للسلطنة.

وعبّر سليمان بن سيف الكندي المدير العام لمطعم روزنة عن فخره بهذا التكريم الدولي، وقال: "إن هذا الفوز ليس مجرد جائزة للمطعم، بل هو احتفاء عالمي بالمطبخ العُماني الأصيل وبعراقة وتاريخ كرم الضيافة في سلطنة عُمان. لقد حرصنا منذ اليوم الأول في روزنة على ألا نقدم مجرد وجبات طعام، بل تجربة حية تأخذ الزائر في رحلة عبر الزمن ليتعرف على أدق تفاصيل موروثنا الغذائي ومعمارنا التقليدي. ونُهدِي هذا الإنجاز لكل محبي التراث العُماني، ولطاقم العمل الذي يعمل بشغف لتقديم نكهاتنا التقليدية بأعلى معايير الجودة العالمية".


 

ويأتي هذا الإنجاز تتويجًا للجهود المشتركة بين مطعم روزنة ووزارة التراث والسياحة في إبراز المطبخ العُماني الأصيل، وصون التراث الغذائي الوطني، وتقديمه للزوار من مختلف أنحاء العالم من خلال تجربة تجمع بين النكهات العُمانية الأصيلة، والضيافة العُمانية، والهوية الثقافية المتجذرة.


 

ويعكس هذا التقدير الدولي المكانة المتنامية التي تحتلها سلطنة عُمان على خارطة سياحة المأكولات وفنون الطهي العالمية، ويؤكد نجاح الجهود الوطنية الرامية إلى توظيف الموروث الغذائي والثقافي كأحد المحركات الرئيسية للتنمية السياحية المستدامة.


 

وتُعد "جوائز سياحة الطهي العالمية" التي تنظمها الجمعية العالمية لسياحة الغذاء (WFTA)، واحدة من أهم المنصات الدولية التي تُعنى بتقدير التميز والابتكار في قطاع سياحة الأطعمة والتجارب السياحية المرتبطة بالطهي حول العالم، ويشكل فوز مطعم عُماني بهذه الفئة التراثية تحديدًا اعترافًا دوليًا بمكانة سلطنة عُمان كوجهة رائدة لسياحة الثقافة والطهي في المنطقة.


 

مقالات مشابهة

  • فعالية ثقافية وتحضيرية في صنعاء القديمة إحياءً لذكرى يوم الولاية
  • تحترق المكتبات وترحل المرويات!
  • الفراخ المشوية بالزعتر والعسل الأبيض.. وصفة تجمع بين النكهة الشرقية والمذاق العصري
  • تتويج مطعم "روزنة" بالجائزة العالمية لأفضل تجربة طعام مستوحاة من التراث
  • حزب الله يعلن استهداف تجمع لجنود إسرائيليين قرب قلعة الشقيف بقذائف مدفعية
  • مدرسة العراقي الخاصة تحتفي بتخريج فوج جديد
  • سلامة من طرابلس: حماية التراث مسؤولية لا تتوقف رغم الأزمات
  • غدا.. قصور الثقافة تحتفي بمسيرة الشاعر مدحت منير بالإسماعيلية
  • الحوار بين حضارات المدن القديمة (القاهرة - هانغتشو).. من أصول الحضارات إلى تصورات المستقبل
  • Vespa قطر تحتفي بمرور 80 عاماً من الأناقة والإرث وروح المجتمع