الثورة / أحمد المالكي 
كشفت دراسة اقتصادية جديدة عن طبيعة الدور الوظيفي الذي تقوم به الأمم المتحدة، والكيانات التابعة لها خلال ثمانية عقود ماضية، بما فيها من شواهد متراكمة على أن وظيفتها الفعلية هي تمكين بنوك وشركات اليهود، ودعم نظامهم المالي وتمكينه من الهيمنة والنهب، وتوزيع التضخم بطريقة مدروسة تضمن استمرارية دس السم في الورق الربوية القاتلة، وتثبيت التبعية الاقتصادية والسيطرة المالية على الشعوب والدول المستهدفة التي تسمى (النامية).

 

مهام اقتصادية
وأوضحت الدراسة التي أعدها الباحث والمحلل الاقتصادي محمد أحمد الآنسي- حصلت «الثورة» على نسخة منها- أنه تم إنشاء الكيانات الأممية «المالية والاقتصادية» لتنفيذ مهام وسياسات اقتصادية (مالية ونقدية وتجارية) تلزم الدول المستهدفة (الغنية/النامية) بتوريد فوائضها النقدية كلها إلى بنوك الغرب وفروعها الإقليمية للاستثمار في سندات الخزانة، وفي أسهم بنوك وشركات التمويل الربوية وصناديق الاستثمار والتحوط، مثل: بلاك روك، وفانجارد ، حيث
تمتلك 75 من الدول الإسلامية الآلاف من المؤسسات المالية المتنوعة ، كالبنوك المركزية، وبنوك حكومية، وبنوك تجارية، وبنوك (إسلامية) وصناديق (سيادية) وصناديق تقاعد وشركات تأمين ومؤسسات أخرى، ويصل إجمالي ما تمتلك هذه المؤسسات من ثروة  إلى التريليونات و كلها خارج البلدان الإسلامية، تعمل على خدمة بنوك وشركات اليهود، في مهام انقاد مستمرة للتضخم الربوي.
الربا
وأشارت الدراسة أنه من خلال الربا والديون الاجبارية تُلزم الدول الإسلامية، وبقية الدول المستهدفة (الغنية-النامية) على دفع مبالغ كبيرة كرسوم خدمات على ديون الدولار، تدفعها الشعوب الإسلامية سنوياً للمرابين اليهود وقد وصلت في 2023م بحسب تقرير البنك الدولي، إلى أكثر من تريليون وأربعمائة مليار دولار ما يمثل كارثة كبرى على شعوب هذه الدول ، وانه في ظل هيمنة النظام المالي الربوي تعمل السياسات النقدية والمالية على فرض القروض المقترنة بالفقر والجوع، وتقديم المساعدات الملغمة بالتضخم الربوي التدميري، المتخصصة بترسيخ الاستيراد.
استهداف زراعي
وأكدت الدراسة أن الأمم المتحدة تعتبر شريك فعلي في إخراج المزارعين المحليين في العالم من الإنتاج لصالح البنوك والشركات التي نهبت موارد الشعوب وثرواتها وارتكبت جريمة تدمير الأمن الغذائي العالمي وأغرقت العالم في الديون الربوية، وحولت الشعوب من الاكتفاء إلى الاستيراد الشامل.
وبيّنت الدراسة، أن مواقف الأمم المتحدة وكل كياناتها الدولية في الماضي والحاضر كانت منحازة بوضوح وعلانية إلى جبهات قوى الطغيان التي تشن الحروب والغزو والنهب في كثير من بلدان العالم، وأن كل المعطيات في الوقت الراهن تشير إلى أن النظام المصرفي الربوي سيواصل ومعه الأمم المتحدة وكياناتها الاقتصادية «صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والاحتياطي الفيدرالي،» السيطرة على جميع الشؤون المالية العالمية. كما أن الأموال الربوية التي تُولَّد من العدم لا تُلغى أبداً، بل على العكس، ستستخدم لتكريس الهيمنة والسيطرة على الاقتصاد العالمي من خلال التحكم في المعروض النقدي وفرض التبعية المالية، وسوف تُستخدم الديون كمبرر لطرح عملتها الرقمية الموحدة، ونظام الائتمان الاجتماعي، والمجتمع الرقمي، بما يضمن التزام الناس بقواعدها وقبولهم بقبضتها الكاملة.
الواقع الفعلي
وأضافت الدراسة أن الواقع الفعلي المستخلص من المواقف الأممية كلها ليست مع التنمية، ولم تكن يوماً مع الفقراء، فهي منحازة بوضوح كبير مع ما تقوم به جيوش المصرفيين المرابين من حروب وحملات غزو وعدوان على الشعوب المستهدفة (الغنية/النامية)، دون توقف، وأن المواقف الأممية مساندة لحملات الغزو على الدول والشعوب، ومشاركة في التضليل بشأن الانتشار العسكري الأمريكي ومتواطئة مع ما تقوم به البارجات العسكرية والسفن والفرقاطات من قرصنة وسطو في البحار والممرات الدولية والمضائق، منذ عقود زمنية.
خداع وتضليل
ولفتت الدراسة إلى أن الأنشطة الأممية مقترنة بخداع وتضليل وضرر ، فمن خلال المساعدات التي تقدم من دول الشركات أو ما يسمى بدول الشمال المتقدم (الناهب) إلى دول الجنوب (الغنية -النامية) وقيمتها الإجمالية السنوية تصل من  150 إلى 170 مليار سنوياً ومع أن اسمها مساعدات ، تبين أنها في الواقع تخدم البنوك والشركات التي قدمتها، فهي من ضرورات تحريك الدولار وتدويره لتوزيع تضخمه على العالم حسب الدراسة ، وهي مرتبطة أيضاً بالتغطية والتضليل واستهداف الوعي الجمعي لمحو التاريخ والواقع القبيح للنهب الاستعماري، وتشتيتاً لما يحدث من نهب للثروات الخام المتنوعة التي تصل قيمتها الفعلية إلى 10.8 تريليون دولار ، ونهب نقدي يتدفق من البلدان المستهدفة إلى دول الشركات الاستعمارية ، مبالغ تصل إلى 5 ترليون دولار منها رسوم خدمات الدين فقط 1.4 تريليون دولار سنوياً ، ورسوم العلامات التجارية وبراءات الاختراع، وتحويلات أرباح رأس المال الأجنبي، ببركة عمالقة التعليب والتعبئة والاستيراد الذين صنعهم البنك الدولي ومؤسسة التمويل خلال العقود الماضية ، وما زالوا ينشرون البنوك و وفروع الشركات ، لتوثيق التبعية والهيمنة المالية والاقتصادية.
إنتاج الجوع
ووفقا للدراسة فقد  تم إنتاج الجوع منذ أن انطلقت الشركات والأمم المتحدة وكياناتها في برامج الثورة الخضراء وأنشطة التوسع الكبير في الكائنات المعدلة وراثياً، وقمع استخدام البذور المحلية، تحفيزاً للبذور المعدلة المقترنة بالأسمدة والمبيدات، وقد تمت هذه الإجراءات برعاية وتمويل «أممي» وما زالت تحدث في ظل الكيانات الأممية، وتمكنت شركات اليهود العملاقة من السيطرة على البذور والمدخلات الزراعية كلها ، على عكس القرون الماضية التي كان الناس يتشاركون فيها استخدام الموارد المشتركة، فقد تمت الخصخصة تقريباً لكل شيء في العصر الحديث، ولم يعد أي شيء متاحًا أو مملوكًا للناس.  وهناك خطط لخصخصة مياه العالم أيضاً وهي قيد المؤامرة.
امتلاك البذور
وبحسب الدراسة فقد تمكن اليهود وبنوكهم وشركاتهم من القضاء على الزراعة الطبيعية التي استمرت لآلاف السنين، وأصبحت البذور الزراعية مملوكة للشركات، مع أنها كانت تُسمى سابقًا موارد مشتركة كالمياه، وكان الجميع يتشاركها ويستخدمها بشكل مجاني بين المزارعين المحليين في العالم كلاً في منطقته، وأصبحت البذور اليوم مملوكة لشركات إنتاج الأسمدة والمبيدات والأدوية أبرزها شركة BASF، وBayer Dupont، وDow Chemical، وMonsanto، وSyngenta. وهي الشركات التي تملك بقية شركات العالم (الفروع) المدخلات الزراعية والصناعات الغذائية وما يسمى بـ التكنولوجيا الحيوية.
أمراض جديدة
ووفقا للدراسة فإنه بعد التحولات الاقتصادية الكبرى التي بدأت 1944م على يد اليهود وبنوكهم وشركاتهم التي مولت الجامعات الطبية ومراكز الأبحاث من شركات الصناعات الكيماوية الزراعية والدوائية التابعة لهم خرجت إلى هذا العالم أكثر من 1400 نوع من الأمراض الجديدة، منها أنواع عديدة من أورام السرطان، أصبحت حياة الشعوب وصحة البشرية سوقاً استثمارية كبرى تباع فيها الأدوية بأرقام فلكية، معظم الأدوية تتم صناعتها في نفس مصانع الأسمدة والمبيدات.
الصحة
وطبقاً للبيانات والأرقام التي أوردتها الدراسة فإن أكثر من ملياري شخص يفتقرون إلى الخدمات الصحية الأساسية. وهذا بناء على تقرير منظمة الصحة العالمية 2023م ، فيما بلغت قيمة مبيعات سوق المبيدات والأسمدة الكيماوية العالمية أكثر 550 مليار بنهاية 2024م والرقم في ارتفاع مستمر بنسبة نمو تصل إلى 6 % ، وبلغت قيمة مبيعات الأدوية السنوية 1.6  تريليوناً و600 مليار دولار في 2024. والرقم في ارتفاع مستمر بنسبة نمو تصل إلى 6 %.
استنتاجات
واستنتجت الدراسة أن الهدف الثالث، الذي ترفعه الأمن تحت شعار (ضمان حياة صحية) مجرد أداة لهيمنة الشركات الكبرى والدول الغنية على السياسات الصحية ، وتحقيق مبيعات كبرى في سوق الأدوية العالمية ، بينما الأنشطة والعمل الفعلي الذي تقوم به الأمم المتحدة وكياناتها في مجال صحة الإنسان وفق الدراسة هو التطعيم الجماعي، والإجهاض، والتحكم في النسل. والشاهد حجم الوفيات والأضرار الناجمة عن اللقاحات.
ودعت الدراسة الشعوب والحكومات إلى إعادة النظر في هذا الوضع، والخروج منه باتخاذ قرار التحرر والاستقلال من قوى الهيمنة والنهب، والعمل على إعادة هيكلة النظام الصحي وسياساته بعيداً عن الأطماع التجارية.
ووفقا للدراسة فإن تحليل الواقع والنشاط الأممي في مجال التعليم يكشف أن السياسات التعليمية الراهنة مُصمَّمة وموجَّهة أساسًا لخدمة متطلبات اقتصاد السوق، دون أن يكون لها ارتباط جوهري بمسألة بناء الإنسان أو تحريره من الجهل والاستغلال. وتظهر بوضوح في العديد من الدول المستهدَفة، (الغنية-النامية) مناهج تعليمية تقتصر على تنمية مهارات وظيفية محدودة، وتنتج مخرجات هشة، فضلاً عن تبنّيها لمضامين مثقلة بالتضليل والتزييف، بعيدة عمّا يحقق النفع والفائدة الحقيقية للفرد والمجتمع.
وأوضحت الدراسة أن السياسات التي تفرضها الكيانات الأممية والدولية في مجال التعليم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأهداف التمويل الربوي، الهادفة إلى امتصاص تضخم الدولار وتوزيع آثاره السامة على الشعوب. وتأتي هذه السياسات مشروطة بفرض مناهج تعليمية “معولمة” تتماشى مع الأجندة التجارية وتخدم مصالح القوى المهيمنة.
وأوردت الدراسة بعض الأمثلة على ذلك مثل برامج الشراكة العالمية من أجل التعليم (GPE – Global Partnership for Education)، التي تقدّم مساعدات مالية كبيرة، لكنها تمارس في المقابل سلطة مباشرة على تصميم المناهج، وأساليب التدريس، وحتى اختيار التكنولوجيا التعليمية، مما يحوّل التعليم إلى أداة لإعادة إنتاج التبعية بدلًا من كونه وسيلة للتحرر والتنمية المستقلة.
خلاصة
وخلصت الدراسة إلى  إنَّ السياسات التعليمية الأممية لا تحقق “تعليمًا جيدًا” بل تصنع تعليماً موجهاً يرسخ التبعية ويساهم في التضليل وتسميم العقول باهتمامات أخرى بعيداً عن الأولويات والمجالات التي تحتاج إليها الشعوب ، وأنه إذا لم تعمل الدول والشعوب الإسلامية على استعادة سيادتها واستقلالها، باعتبارها في مقدمة قائمة المستهدَفين، فسيظل التعليم مجرد أداة لصناعة الجهل وإنتاج العمالة الرخيصة، ووسيلة لتمكين قوى النهب والهيمنة من العبث بمصائرها، وتوجيهها وتعبئتها وتحشيدها بعيدًا عمّا يحقق مصلحتها وعزتها.
كما خلصت الدراسة إلى أن اليهود نشروا الفساد على نطاقات واسعة باسم شعار “ المساواة بين الجنسين” لاستكمال ما تبقى من تماسك في المجتمعات لجعلها سهلة الابتلاع والتعبيد والتوجيه.
حيث يتبين حسب الدراسة أنه بالرغم من حجم النهب المالي الكبير الذي يقوم به المصرفيون اليهود من خلال النظام المالي الربوي، ما زال لديهم جشع كبير لإضافة أكثر من 2 مليار امرأة إلى قاعدة بيانات “عبيد الضرائب، وجميع الداعمين الرئيسيين للحركة النسوية هي البنوك والشركات العالمية الكبرى المملوكة لليهود، والنسويات الرموز مرتبطات بمؤسسات مالية كبرى، وهذا ليس محض صدفة بل انعكاس لواقع الهيمنة والإفساد الذي يقوم به اليهود.
ووفقا للدراسة فإن المفترض على الشعوب أن تعمل وتهتم بما يخلصها من هذا الظلم الكبير، فتعمل على التحرر من الوضع الراهن الذي يهيمن فيه اليهود وبنوكهم وشركاتهم. حينها، سوف يكتشف العالم، وتكتشف الفئة العاملة حجم النهب الذي كانوا يتعرضون له، وسوف تتوفر لهم الكثير من الأموال، وقد لا يستوعب هذه الحقيقة إلاّ من يفهمون طبيعة تركيب النظام المالي العالمي ومن يعرفون أين تذهب أموال الضرائب والرسوم الخدمية وفوارق رفع الأسعار، في ظل النظام الربوي وسياساته النقدية التي تنهب تريليونات كثيرة من الشعوب (الفئة العاملة والمستهلكة).
وانه حين يحدث التحرر من النظام المالي الربوي، ويتم فك الارتباط عن عملة الدولار ونظامها وفق الدراسة ستدرك شعوب الأمة الإسلامية تلقائياً أنها ليست في حاجة إلى النظام الضريبي الذي فرضه اليهود ضمن النظام المالي الربوي ومن أركانه التدميرية.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • لتجنب زيادة الوزن .. دراسة تكشف أفضل نظام غذائي للنساء خلال انقطاع الطمث
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • “الأحرار”: ربط إيران المباحثات مع واشنطن بوقف العدوان على غزة ولبنان موقف مسؤول وانتصار لحقوق الشعوب
  • أكثر من نصف مليون بين متضرر ومهجّر.. ماذا كشفت دراسة عن نزع الملكية في مصر؟
  • دراسة برلمانية تدعو إلى تعبئة الموارد لترجمة وثائق مجلس النواب تفعيلا للطابع الرسمي للأمازيغية
  • "حماس" ترحب باعتماد نقابات العمال الأيرلندي وفورسا سياسة شراء الأخلاقية
  • فرهود العراق.. إسرائيل تستذكر دماء اليهود في بغداد
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟