شاع مؤخرا في وسائل الإعلام المختلفة مفهوم «جيل زد»، وهي إشارة إلى الفئة العمرية من الشباب، الذين ولدوا بين أواخر التسعينيات وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وذهبت بعض وسائل الإعلام إلى وصفهم بأنهم أبناء العصر الرقمي، أو الفضاء الافتراضي. ويبدو واضحا أن هذا الجيل ليس محددا بخريطة جغرافية معينة، فهم يتواصلون ويتشاورون ويتناقشون عبر الحدود ومن مختلف الدول.
من البيرو وبنما ثم إندونيسيا ومدغشقر والنيبال، وصولا إلى المغرب، تحرك جيل زد يقوده الطموح إلى رسم خريطة سياسية واجتماعية مختلفة في هذه البلدان. وإذا كان البعض استخفافا قد أطلق عليهم صفة العيش في عالم الخيال، ونعتهم بأبناء المنصات الرقمية، فيبدو واضحا أنهم انطلقوا من الواقع الافتراضي إلى الواقع الفعلي، والدليل على ذلك أن دعواتهم للتظاهر والاحتجاج، باتت مسموعة أكثر من أي حزب سياسي عمره عقود من الزمن، بل الأكثر من ذلك أن احتجاجاتهم تسببت في إسقاط النظام في النيبال وهروب رئيس مدغشقر، وبذلك أصبح حراكهم واعدا ومؤثرا ويشي بتنظيم احتجاجات واسعة النطاق، سواء على المستويات الوطنية أو الدولية، ولم يعد أمام السلطات الحاكمة سوى معالجة التحديات التي تواجه هذه الفئة العمرية بشكل خاص.
إن مطالب الشباب المتمثلة في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتوزيع عادل للثروة وإنهاء المحسوبية، خلق فرص عمل حقيقية، ودعم الفئات الاجتماعية الهشة، محاربة الفساد، حرية التعبير والكرامة والعدالة، والنهوض بمستوى الخدمات الاجتماعية، من تعليم وصحة، كلها مبادئ تضمنتها أجندات كل السلطات الحاكمة، من دون تنفيذ على أرض الواقع. وعندما يطالب بها الشباب يتم تجاهل مطالبهم، ويقابلون بالتسويف والتبرير والتهرب، وبالوعود المعسولة.
في حين أن المفارقة الكبرى هي في أن جميع السلطات في مختلف البلدان تتحدث، عن أن مستقبل الأمة يمثله الشباب، وأن أمل النهوض بالمجتمعات والدول سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، معقود على هذه الفئة. وعليه لم يجدوا خيارا آخر لهم سوى رفض الصمت والخروج إلى الشوارع، في احتجاجات سلمية، هدفها الضغط على السلطات الحاكمة، تلك التي ما فتئت تتغنى بأنها جاءت من أجل تحقيق الحياة الحرة الكريمة لهم.
إن فهم الاحتجاجات التي فجرها جيل زد، ينطلق من مستويين اثنين: الأول هو المستوى الدولي، حيث إن الاقتصاد العالمي كله يعاني من هزات كبرى، بدأت بشكل واضح منذ بداية وباء كورونا، مرورا بالأزمات الدولية الراهنة ومنها، استمرار الحرب الروسية الأوكرانية والحرب على غزة، حيث ارتفعت مستويات التضخم في بلدان العالم، وباتت المديونيات الداخلية والخارجية ضمن مؤشرات خطيرة، وهذا حرّك بشكل واضح جيل الشباب في كل العالم تقريبا، لكنه كان أكثر وقعا على جيل الشباب في البلدان النامية والبلدان المتخلفة، لأنها تعيش هذا الواقع وتدفع ثمنه يوميا.
أما المستوى الثاني فهو المستوى الوطني أو المحلي، وهنا ليس من غرابة، أو مفاجأة في الموضوع، لأن تحركات جيل زد تبدو موصولة بتحركات شعبية سابقة، فهناك مطالبات متراكمة على مدى عقود بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوقية أيضا. وربما أبرز مثال على ذلك هو ما سُمي بثورات الربيع العربي.
الغريب في الأمر هو أن كل الحكومات التي تذهب وتأتي في هذه البلدان، التي شهدت مؤخرا تحركات جيل زد، ومنها بلدان عربية، تكاد تكون متعاهدة على التواصل في النهج نفسه، فكل حكومة تأتي يكون برنامجها الجديد قائما على الارتداد في المستوى الحقوقي، أما في النهج الاقتصادي فهناك تغوّل في خصخصة كل شيء، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، بالتالي فإن الطبقات الأكثر معاناة هي الطبقات الهشة التي تشكل الأغلبية المجتمعية في هذه البلدان.
لقد أعطى جيل الشباب مؤشرات كثيرة على أن الوضع الذي يعيشونه لم يعد يُطاق خاصة في البلدان العربية، ولعل المؤشر الأكثر وضوحا هو موجات الهجرة الشبابية الواسعة إلى أوروبا، حيث كانت ظاهرة القوارب المُحمّلة بآلاف الشباب العربي، التي انطلقت من سواحل تونس والمغرب وليبيا، وحتى عبر السواحل التركية، دليلا مؤكدا على الأزمة التي تعيشها هذه الفئة العمرية من المجتمع. كما أنها دليل واضح على أزمة الواقع العربي المُزري، فالحكومات التي تحكم في العديد من الأقطار العربية، كان لديها متسع من الوقت للقيام بإصلاحات في كل المستويات، فلم تكن هنالك اهتزازات كبرى على المستوى السياسي، وعلى المستوى الحكومي.
كما كانت هناك وفرة مالية لا بأس بها لدى حتى البلدان غير النفطية، مما يعني أنه كان بالإمكان تجاوز الواقع العربي البائس، خاصة وقد كانت هنالك مؤشرات كثيرة تدل على أننا في حالة احتقان كبير، في ظل مستويات بطالة عالية، ووجود أعداد مليونية من الشباب العربي ليس لديهم ما يفعلونه ولا منتظمين بالدراسة. وهذه كانت وما زالت قنبلة موقوتة لم يبادر أحد لجعلها في حالة الأمان.
أما المشكلة الأخرى التي لم تبادر الحكومات العربية إلى التعامل معها بصورة إيجابية، فهي عدم السعي إطلاقا لتفعيل قنوات الاتصال مع الشباب للوقوف على احتياجاتهم. كما لم تسع نحو الحلول المُستدامة التي منها التحوّل نحو التصنيع والتحوّل نحو التكنولوجيا، وهذه كلها لم تعد خيارا، أو ترفا للبلدان العربية، بل هي ضرورة.
رغم المسافات البعيدة بين قطاعات الشباب في بلدان العالم المختلفة، لكن كان لها تأثير كبير على حث الآخرين نحو التحرك
الغريب هنا هو أنه رغم المسافات البعيدة بين قطاعات الشباب في بلدان العالم المختلفة، لكن كان لها تأثير كبير على حث الآخرين نحو التحرك. في حين أن الحكومات التي هي مسؤولة عن هؤلاء الشباب، كان التواصل بينها وبينهم مقطوعا رغم قصر المسافة. وبذلك هي لم تتلق رسائل جيل زد بالشكل الصحيح، كما أنها عجزت عن إنفاذ رسائلها إليهم أيضا. وهذه مشكلة كبرى بين الطرفين. لكن الحقيقة هي أن الطرفين لا ينطلقان من المناهج نفسها، ومن التفكير والأفكار والنُظم نفسها. والمشكلة الرئيسية في كل هذا الاختلاف هو العجز المؤسساتي والعجز الديمقراطي. فلم تستطع الحكومات أن تبني الآليات التي تدمج فئات المجتمع المختلفة، سواء كانت فئات شبابية مرتبطة بمرحلة عُمرية أو أجيالا.
لقد وجد جيل زد أن الاعتراض على السياسات التي تقود بلدانهم إلى براثن الفقر، تستحق المخاطرة بحياتهم من خلال الاحتجاج ضد أنظمة استبدادية فاسدة. ولعل الأروع جاء في قولهم أن وجودهم في الشارع لا يشكل تهديدا وليس مغامرة، وإنما هو نداء صادق من أجل الحق في الصحة والتعليم والعمل والحياة الحرة الكريمة.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه جيل زد الشباب الربيع العربي الربيع العربي تظاهرات الشباب جيل زد مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة اقتصاد سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الشباب فی جیل زد
إقرأ أيضاً:
وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
منطقة الخليج العربي ليست وليدة النفط، وليست وليدة العقد الثاني من القرن العشرين. أتعجب من بعض إخواننا العرب من تصوير سكان المنطقة وكأنهم كانوا حفاة لا قيمة لهم إلا في العقود المتأخرة. فهذه المنطقة عموما ارتبطت بحضارات قديمة وعريقة في القدم، وتدافعت معها، وأثرت وتأثرت بها مع حضارة بلاد السند، وبلاد الرافدين، وحتى حضارة النيل والصين، وارتبطت بالأديان والثقافات الأولى، وكانت ولا زالت من أهم المعابر البحرية والبرية، قبل أن تكون من المعابر المهمة جويا لتوسطها العالم القديم، وموقعها المميز في العالم الحديث.
إذا كانت هذه المنطقة ليست بذات الأهمية فلماذا قصدها المستعمرون الأوربيون منذ القرن السادس عشر الميلادي حتى اليوم؟ ولماذا تنافس عليها الأمويون والعباسيون وحتى العثمانيون قديما؟ لا يمكن قراءتها بهذه السذاجة التي يصورها بعضهم، وللأسف منهم كتاب، وبعضهم يعيش أو عاش في الخليج، وكان قريبا من ثقافتها وقراءة تأريخها.
فإذا أصابها التقسيم وفق المشيخات أو الأسر الحاكمة أو حضور اسم بعضها قديما وحديثا فقد سبقتها بلاد الشام والعراق واليمن والمغرب الأقصى منذ بدايات معاهدة سايكس بيكو 1916م، وهذا لم يلغِ وجود هذه الدول وأهميتها قبل وبعد التقسيم؛ فلا معنى للتقليل من الخليج العربي ودوله وعراقته قبل وبعد أيضا.
كتبت أكثر من مرة عن هذه المنطقة، وعن تأريخها ووحدتها، بيد يحزنني ما أراه من «مهاترات صبيانية» في «أكس» وكأنهم في حرب داحس والغبراء من مثقفين وأكاديميين ينظر إليهم أنهم قدوة في احتواء مثل هذه الأزمات، والحفاظ على وحدة الخليج وأمنه وترابه، وتوفير بيئة آمنة لأجياله القادمة، وهذا حد لا مساس له. للأسف أن نرى غثائية تظهر بين حين وآخر بدلا من قراءات جادة يتقدمها العقلاء، ويستفيد منها الساسة.
ثم للأسف أن الخليج بذاته من خلال مجلسه لم يستطع صناعة قراءة ثقافية وعلمية لها مراكزها المستقلة والصانعة للقرار. اكتفى عند صناعة جاميات مذهبية مختلفة تستخدمها السلطة بين حين وآخر، وبين صناعة مثقفي السلطة ذاتها المتحدثين بمدى الانتفاع المادي، وليس باسم الوطن ومبادئه وقيمته، وهذا ما نرى نتيجته اليوم بعد الأحداث الأخيرة من عدمية القراءات الجادة، ورغبة العديد من القدرات الثقافية إلى السكوت والانزواء، لتسود الغثائية في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «أكس».
المتأمل في «أكس» أن هناك فئات متقلبة حسب الحدث ترى الخليج بأكمله في سياسات دولها القطرية أحسنت أم أساءت، وكأن استقرار الخليج برؤية سياسة دولها المتقلبة؛ فأمن الخليج هو أمن للجميع، كما أن أمن أي دولة فيه هو أمن للكل، وكما لكل دولة سيادتها وخصوصيتها الثقافية ورؤيتها السياسية، إلا أن أي خلل أمني فيها المتضرر هو الجميع، كما نراه اليوم مثلا في العراق واليمن، وهما أكثر الدول قربا من الخليج؛ فبعض التقارير تشير إلى أن العديد من الضربات التي لحقت بالخليج في الحرب الأخيرة انطلقت من العراق، كما أن الفراغ السياسي في اليمن أدى إلى نمو جماعات أصبحت مصدر تهديد لأمن الخليج، والسبب أن الخليج طيلة نصف قرن لم يستطع احتواء هذين القطرين بمعنى الإحياء، وبناء الدولة المدنية غير المؤدلجة - خصوصا اليمن - حيث كانت أكثر قابلية أن تكون ضمن المنظومة الخليجية؛ فنمت في هذين القطرين تنظيمات نتيجة الفراغ السياسي، والتدخلات الأيديولوجية الخارجية.
ثم أتعجب ممن يبرر الضربات الحربية على الخليج بدعوى وجود قواعد عسكرية خارجية فيها في انتهاك صارخ لأمن وسيادة الخليج ذاته، كما أتعجب ممن يشجع مليشيات خارجية لها رؤى أيديولوجية مغلقة في ضرب المنطقة تحت مبررات لا علاقة لها لا بالقضية الفلسطينية، ولا بالحرب الأخيرة.
فانتهاك سياسة أي دولة في الخليج هو انتهاك لسياسة الجميع أيا كان مصدر هذا الانتهاك لا يبرر بحال من الأحوال، إلا إذا كان في الخفاء استخدمت هذه القواعد والتحالفات لا لأغراض أمنية دفاعية، بل استخدمت لأغراض حربية تضر بالآخر، فهنا كما يقال «جنت على نفسها براقش».
إن اتجاه الخليج اليوم في توسعة خلق الولاءات الخارجية عسكريا وسياسيا وثقافيا إذا هذا الخلق ليس منطلقه الوحدة الخليجية ذاتها، بل باعتبار الدولة القطرية الواحدة، هذا بلا شك سيمدد من حالة الفرقة بين دول الخليج، وتلاشي فكرة الوحدة الخليجية، وقد يجر كما حدث في لبنان - ولو على المستوى القطري - إلى تعددية الولاءات الخارجية في منطقة الخليج، وبالتالي حدوث الفوضى فيه على المدى البعيد.
عندما تنطلق هذه الولاءات من وحدة خليجية واحدة للحفاظ على أمنه وإحيائه كمنطقة جيوسياسية واحدة فهذا له ضرورياته المرحلية، لكن لما تنطلق من اعتبارات تجزيئية فيعني هذا أن الخليج يتجه نحو الانقسامات وخراب بيته بيده.
وهذا ما نراه اليوم في «أكس»؛ فالذي يحدث فيه إما له علاقة بجهات معروفة داخل الخليج ذاته، وهي من تسعى إلى خلقه، وإما لا علاقة لها به من حيث الابتداء، وإما أن العديد منها معرفات خارجية من غير أبنائها غايتها خلق الفوضى في هذه المنطقة، ودول الخليج باستخباراتها مدركة أنه لا تأثير لها إلا إلهاء الشعوب بصراعات وهمية آنية تشغل بها. جميع هذا - أدرك أم لم يدرك - سوف يؤدي إلى صناعة أزمة أمنية في المنطقة، وصناعة أجيال غير متشربة بالوحدة الخليجية، ولها انتماءات أيديولوجية خارجية على المدى البعيد ترى فيها الخلاص لأزمتها ومشكلاتها، مما يضعف الولاءات الداخلية التي تنمو بشكل طبيعي من الداخل، ولو اختلفت ثقافاتها، لكن غايتها إحيائية صادقة، وليست متلبسة بها لغايات مصلحية فردية أو خارجية أو نتيجة انتماءات أيديولوجية.