مقاومة نساء العراق ومعركة لا تنتهي
تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT
عندما يذكر العراق في الوجدان العربي، يذكر بوصفه قلب التاريخ الذي لم يتوقف عن الخفقان، وأرض الحضارة التي علمت الإنسان أولى أبجديات الكتابة والقانون.
لكن هذا القلب، منذ مطلع القرن الـ21، صار ساحة تتقاطع فيها الخطوط الأميركية والإيرانية، وصار شعبه بين مطرقة الاحتلال وسندان الهيمنة. وفي هذا المشهد المضطرب، كانت المرأة العراقية- الماجدة كما يسميها أبناؤها- المرآة الأكثر صدقا لما جرى؛ لأنها كانت شاهدة ومقهورة ومقاومة في آن واحد.
قبل الاحتلال الأميركي في عام 2003، كانت المرأة العراقية قد قطعت شوطا كبيرا في التعليم والعمل والمشاركة العامة. من مدارس بغداد إلى جامعات الموصل والبصرة، كانت أسماء النساء تملأ السجلات الأكاديمية والمهنية.
ورغم قسوة الحصار في تسعينيات القرن الماضي، فإن الأسرة العراقية حافظت على صلابتها، وكانت المرأة عمودها الصامد. لم تكن تلك مرحلة مثالية، لكنها كانت مرحلة امتلك فيها المجتمع العراقي توازنه الداخلي، رغم أزماته.
غير أن ما كان يتربص بالعراق لم يكن مجرد غزو عسكري، بل إعادة رسم لخرائط النفوذ في المشرق العربي. كانت واشنطن ترى في العراق ساحة لتثبيت مشروعها في "الشرق الأوسط الجديد"، فيما كانت طهران تراه فرصة ذهبية لمد نفوذها إلى عمق الوطن العربي، عبر جسر طائفي وسياسي وأمني متشابك. وفي المنتصف، وقفت الماجدة العراقية، تواجه سقوط الدولة، وانهيار المؤسسات، وتفتت الهوية الوطنية.
ثانيا: الاحتلال الأميركي- الوجه الأول للمأساةحين دخلت الدبابات الأميركية بغداد في ربيع 2003، كانت الشعارات المعلَنة عن "الحرية" و"تحرير المرأة" جزءا من سردية الاحتلال. غير أن الواقع حمل وجها آخر. ففي غياب الدولة، انفلتت قوى العنف من عقالها، وتفككت مؤسسات الرعاية والتعليم والصحة، وتحول الأمن الشخصي إلى ترف بعيد المنال.
تعرضت النساء في المدن الكبرى إلى انتهاكات متعددة: من جرائم الخطف والاغتصاب إلى البطالة القسرية. كثير من النساء العاملات فقدن وظائفهن مع حل الوزارات والمؤسسات. المدارس توقفت، والمستشفيات انهارت، والشارع صار فضاء ملوثا بالخوف. إن الاحتلال حين ينهك دولة ما، فإن أول ما يسقط هو الحماية القانونية والاجتماعية للمرأة.
إعلانلكن الصورة لم تكن كلها عجزا. فقد ظهرت من قلب الفوضى نساء حملن راية المساعدة الإنسانية والتعليم التطوعي، أنشأن منظمات محلية لحماية الأرامل والأيتام، ووقفن في وجه الطائفية، مؤمنات بأن العراق أكبر من انقساماته. كانت تلك بذور مقاومة مدنية، غير مسلحة، لكنها لا تقل شجاعة عن أي مقاومة أخرى.
المرأة العراقية اليوم، رغم كل الجراح، تكتب فصلا جديدا من المقاومة: لا في ساحات القتال، بل في الجامعات والمدارس والمجتمع المدني. هي تصوغ ببطء وعناد معنى جديدا للعراق، عراق يتجاوز الانقسام والاحتلال معا
ثالثا: النفوذ الإيراني – الوجه الثاني للمأساةإذا كان الاحتلال الأميركي قد دمر الدولة، فإن النفوذ الإيراني سعى إلى السيطرة على ما تبقى من روحها. فمع انسحاب القوات الأميركية تدريجيا، بدأت طهران تملأ الفراغ عبر الأحزاب والمليشيات والاقتصاد. صار القرار السياسي في بغداد مرتهنا لمعادلات الخارج، وصار المجتمع يعيش ازدواجية الولاء والهوية.
المرأة العراقية وجدت نفسها مرة أخرى في قلب الصراع، ولكنه هذه المرة صراع صامت بين مشروعين لا يريان فيها إلا وسيلة رمزية: واشنطن أرادت أن تقدمها نموذجا لـ"المرأة الحرة في عراق ديمقراطي"، وطهران أرادت أن تجعلها رمزا لـ"المرأة المحافظة في عراق الولي الفقيه". أما هي، فكانت تبحث عن إنسانيتها الضائعة بين شعارات متناقضة.
تراجع حضور النساء في المؤسسات الرسمية، وارتفعت معدلات الترمل والفقر، وانتشرت ظاهرة تزويج القاصرات في بعض المناطق تحت ضغط الحاجة، أو الأعراف المستحدثة.
وفي الوقت ذاته، كانت هناك نساء يواصلن التعليم والعمل السياسي والثقافي رغم كل القيود. المشهد العراقي في تلك السنوات لم يكن أبيض أو أسود، بل خليطا من المآسي والمقاومات الصامتة.
رابعا: الذاكرة والمقاومةالماجدة العراقية لم تكن يوما هامشا في التاريخ. من ثورة العشرين إلى انتفاضات الجنوب والشمال، كانت المرأة حاضرة في الصفوف الخلفية تنظيما، وفي الصفوف الأمامية صبرا وتحملا. لكن بعد 2003، واجهت اختبارا من نوع جديد: كيف تحافظ على معنى الوطن حين يتحول الوطن إلى ساحة صراع؟
في بغداد والنجف والموصل، ظهرت أصوات نسوية مستقلة ترفض الوصاية الأميركية والإيرانية على السواء. أصوات دعت إلى استعادة الدولة الوطنية على أسس المواطنة، لا المذهب ولا الطائفة.
في تلك الأصوات، وُلدت فكرة جديدة عن "الماجدة"، ليست تلك التي تعرف بشرف العائلة أو الحجاب أو التقاليد، بل تلك التي تعرف بوعيها وكرامتها وقدرتها على الوقوف بعد الانهيار.
هذه التحولات لم تكن سهلة، فقد دفع المجتمع أثمانا باهظةً. آلافَ الأرامل والمفقودين، أجيالا نشأت في ظل الحرب والعنف والفساد، وأسَرا هجرت من مدنها بسبب النزاعات الطائفية. ومع ذلك، ظلت المرأة العراقية حافظة لذاكرة الوطن، تنقل الحكاية جيلا بعد جيل.
خامسا: ما بعد تنظيم الدولة- جرح فوق جرححين اجتاح تنظيم الدولة مساحات واسعة من العراق عام 2014، اكتملت دائرة المأساة. كان التنظيم وجها ثالثا للاحتلال، هذه المرة بلسان الدين وراية "الخلافة".
النساء في الموصل والأنبار وسنجار عانين أقسى صور العبودية الحديثة: السبي، الزواج القسري، والتهجير. ومع تحرير المدن، بدأت مرحلة جديدة من الألم: ألم إعادة البناء، لا في الحجر فقط، بل في النفوس أيضا.
إعلانكثير من النساء خرجن من تجربة الأسر يحملن صدمات لا تمحوها السنوات. ومع ذلك، برزت مبادرات من نساء عراقيات لإعادة الحياة إلى المدن، لتعليم الأطفال، وللتوعية ضد التطرف. في تلك الجهود الصغيرة تكمن مقاومة صامتة لا تتصدر العناوين لكنها تحفظ جوهر العراق.
سادسا: التحدي الراهن- استعادة الدولة والهويةاليوم، وبعد أكثر من عقدين على الغزو الأميركي، يقف العراق أمام سؤال مركزي: هل يستطيع أن يستعيد دولته المستقلة عن واشنطن وطهران معا؟ الجواب لا يكمن في السياسة فقط، بل في المجتمع ذاته، وفي موقع المرأة داخله.
الماجدة العراقية هي مقياس عافية الوطن. حين تكرم، حين تتعلم، حين تعمل بحرية وأمان، فذلك يعني أن العراق يتعافى. وحين تهمش وتغيب، فذلك دليل أن الاحتلال- بأشكاله المختلفة- ما زال قائما.
القوى الإقليمية والدولية تدرك أن السيطرة على العراق تمر عبر نسيجه الاجتماعي، لا عبر قواعد عسكرية فقط.
لذلك فإن الحرب على المرأة، أو باسمها، ليست عرضا جانبيا، بل جزءا من إستراتيجية الهيمنة. مواجهة ذلك تبدأ ببناء وعي وطني لا يقاس بالولاء لهذه الجهة أو تلك، بل بالولاء للعراق نفسه، ولحق الإنسان فيه أن يعيش مكرما.
خاتمة – ما بين الرماد والضوءإن قصة الماجدة العراقية ليست مجرد فصل من كتاب المأساة العربية، بل مرآة لتاريخ المنطقة كله. هي قصة أمة تبحث عن استقلالها بين قوى عظمى تتصارع فوق أرضها. لكن ما يميز هذه القصة هو ذلك الخيط الرفيع من الصمود الذي لم ينقطع.
المرأة العراقية اليوم، رغم كل الجراح، تكتب فصلا جديدا من المقاومة: لا في ساحات القتال، بل في الجامعات والمدارس والمجتمع المدني. هي تصوغ ببطء وعناد معنى جديدا للعراق، عراق يتجاوز الانقسام والاحتلال معا.
وحين يأتي اليوم الذي تعود فيه الدولة إلى سيادتها، سيكتشف العالم أن الماجدة العراقية كانت طوال هذه العقود حارسة الذاكرة، وسند الأرض، وبذرة الأمل التي لم تمت. فالعراق، كما التاريخ علمنا، قد يسقط ألف مرة، لكنه لا يموت.
في لحظات التاريخ الكبرى، لا تقاس الأمم بما تملك من سلاح، بل بما يبقى فيها من روح. والعراق، رغم كل ما جرى له، ما زال يمتلك تلك الروح القديمة التي لا تشترى ولا تستورد.
حين نتأمل وجه الماجدة العراقية اليوم، نرى فيه خلاصة قرن من التجارب: وجها أنهكته الحروب لكنه لم يفقد ملامح الكبرياء. خلف كل ندبة في الذاكرة، هناك درس، وخلف كل فقد هناك وعي جديد يتشكل.
ربما أخطأ من ظن أن أميركا أو إيران سيصنعان عراقا تابعا، لأن العراق ليس أرضا فقط، بل فكرة. وفكرة العراق أعمق من أن تختزلها الطوائف أو تبتلعها القوى الإقليمية.
وفي لحظة ما، حين تهدأ المدافع وتخفت الأضواء، سيبقى صوت الماجدة العراقية هو الشاهد الأخير. صوت هادئ لكنه ثابت، يقول للعالم إن الحرية لا تمنح، بل تستعاد. وإن الكرامة، حين تسحق، تنبت من جديد في صمت البيوت، وفي دفاتر المدارس، وفي صدور الأمهات اللواتي لا يعرفن اليأس.
ذلك هو العراق الحقيقي: وطن يجرح لكنه ينهض وينتصر، لأن في نسائه ذاكرة لا تنكسر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات المرأة العراقیة کانت المرأة رغم کل لم تکن
إقرأ أيضاً:
جائزة الشيخ خليفة للامتياز تنتهي من أعمال تقييم المشاركين بدورتها الـ 22
استكملت جائزة الشيخ خليفة للامتياز، إحدى مبادرات غرفة أبوظبي، أعمال التقييم النهائية للمشاركين في دورتها الثانية والعشرين، تمهيداً لرفع النتائج إلى مجلس أمناء الجائزة لاعتماد الفائزين واختيار النماذج الأكثر تأثيراً في دعم التنمية الاقتصادية في أبوظبي.
وشهدت الأشهر الماضية تنفيذ عملية تقييم شاملة ركزت على رصد الأثر الحقيقي الذي أحدثته الجهات والأفراد المشاركون في مجالات عملهم المختلفة.
وتعكس المرحلة النهائية من التقييم التحول الذي تتبناه الجائزة نحو إبراز الإنجازات القادرة على إحداث فرق ملموس.
وركزت لجان التقييم على النتائج القابلة للقياس والمؤشرات التي توضح أثر المبادرات والبرامج التطويرية على الأعمال والموارد البشرية والمجتمع.
وأظهرت المشاركات التي وصلت إلى المراحل المتقدمة نماذج متنوعة لمساهمات القطاع الخاص في دعم الأولويات التنموية، سواء من خلال تطوير الكفاءات الوطنية، أو توظيف التقنيات الحديثة لتعزيز الإنتاجية، توسيع نطاق الأعمال إلى أسواق جديدة، أو بناء شراكات ومبادرات مجتمعية ذات أثر مستدام.
وأولت الجائزة اهتماماً خاصاً بقدرة المشاركين على تحويل الأفكار والمبادرات إلى نتائج عملية قابلة للاستمرار والتوسع، بما يعكس دور القطاع الخاص في تعزيز التنافسية الاقتصادية وترسيخ بيئة أعمال أكثر ابتكاراً وقدرة على مواكبة المتغيرات المستقبلية.
واستقطبت الدورة الثانية والعشرون أكثر من 230 طلب مشاركة، بنمو تجاوز 80% مقارنة بالدورة السابقة، فيما ركزّت عملية التقييم على قياس الأثر والنتائج المتحققة للمشاركين في مجالات المواهب والتكنولوجيا والمسؤولية المجتمعية وريادة الأعمال وسلاسل التوريد والتصدير.
وتؤكد الجائزة أهمية التركيز على قياس النتائج والأثر طويل المدى للمبادرات، بما يعزز مساهمة القطاع الخاص في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل.
ومن المقرر أن تُعرض النتائج النهائية على أعضاء مجلس أمناء الجائزة خلال الفترة المقبلة لمراجعتها واعتمادها، تمهيداً للإعلان عن الفائزين في الدورة الثانية والعشرين وتكريم الجهات والأفراد الذين قدموا نماذج ملهمة في صناعة الأثر وتحقيق قيمة مستدامة للاقتصاد والمجتمع.
وتواصل جائزة الشيخ خليفة للامتياز، التي أطلقتها غرفة أبوظبي عام 1999 وتحمل اسم المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، طيب الله ثراه، دورها في تسليط الضوء على التجارب والممارسات التي تسهم في دعم مسيرة التنمية، وتعزيز مكانة أبوظبي بيئة جاذبة للأعمال والاستثمار والابتكار. وام