الأونروا تريد المساعدة في إنجاح السلام
تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT
ترجمة - أحمد شافعي
بعد سنتين من حرب وحشية في غزة، يأتي وقف إطلاق النار الهش ـ وهو المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المؤلفة من عشرين نقطةـ ليوفر شيئا من الراحة لشعب شديد الإنهاك. ولعل الخوف المستمر من التعرض للقتل بسبب القنابل والبنادق قد تضاءل بالنسبة لزملائي في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا) من الموجودين على الأرض في غزة، لكن لا يزال هناك الكثير من التخوف بشأن توفير المأوى والغذاء والمياه النظيفة في ظل اقتراب الشتاء بسرعة.
والحق أنه ما من وقت لنضيعه قبل أن نبدأ التعامل مع انتشار الجوع والمرض. فنطاق الأوجاع المادية والنفسية هائل، والتوقعات الخاصة بتوفير الرعاية الصحية والتعليم تتزايد. والأسابيع والأشهر القادمة هي التي سوف تحدد ما لو أن لحظة التحول الحالية سوف تؤدي إلى فجر جديد أم أنها محض مقدمة لمزيد من اليأس.
وإن لدى الأمم المتحدة ـ والأنروا ضمنيا ـ القدر اللازم من الخبرة والموارد لمعالجة الاحتياجات الإنسانية الملحة معالجة فعّالة وعلى نطاق كبير. لكن لا بد من السماح لنا بالعمل بحرية واستقلالية، دونما فرض لقيود قسرية وغير منطقية على الدخول أو على حركة الإمدادات والأفراد.
ولن يكون طريق التعافي في غزة مستقيمًا يسيرًا؛ فوقف إطلاق النار هش، فضلا عن أنه يتعرض لانتهاكات بصورة شبه يومية تمتحن عزيمة الضامنين له. ولو أن غاية وقف إطلاق النار تقتصر على أنه يطيل أمد غياب الحرب، دون أن يرسم طريقا مجديا إلى السلام، فليس من شأن وقف إطلاق النار الحالي إلا أن يكرر أخطاء الماضي الكارثية، في حين أن المستقبل السلمي حقا يستوجب استثمارًا حقيقيًا في حل سياسي حاسم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
لا بد من أمن أساسي لكي يترسخ التعافي ويصمد. ولا بد من دعم وقف إطلاق النار بقوة دولية لفرض الاستقرار والحفاظ على الهدوء وحماية البنية الأساسية الحيوية وضمان توافر المساعدات الإنسانية. فمثل هذه القوة هي التي سوف تحقق الفضاء اللازم لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية.
وسوف يعتمد نجاح قوة إحلال الاستقرار، ونجاح الانتقال من الحالة الطارئة إلى الحالة المستقرة، على توفير خدمات عامة مضمونة للفلسطينيين في غزة، كما يعتمد على توفر مسار مضمون للسلام واحترام حقوق الإنسان. ولا يمكن تحقيق شيء من هذا إلا من خلال جهاز خدمة مدنية كفء يحظى بثقة المجتمع.
لقد شهدنا من قبل عواقب التهوين من الحاجة الماسة إلى توفير خدمات عامة مستقرة وفعّالة، وأبزز مثال شهدناه في هذا الصدد كان في العراق عندما تم تفكيك الإدارة المدنية سنة 2003 وما أدى إليه ذلك من فراغ في الحكم أسفر عن سنين من الاضطراب. فلا بد من أن يكون موظفو غزة وإداريوها وقادة مجتمعها جزءا من الحل، لا أن يكونوا ضحايا للتغييرات السياسية.
وتحظى وكالة الأونروا، بفضل الآلاف من موظفيها الفلسطينيين، بالقدرة والخبرة والثقة المجتمعية اللازمة جميعا لتوفير الرعاية الصحية والتعليم وغيرهما من الخدمات العامة للشعب المنكوب. فعلى مدى عقود، كان معلمو الوكالة وأطباؤها ومهندسوها يمثلون دورا حيويا في نظام فعّال من الخدمات العامة لملايين من اللاجئين الفلسطينيين في غزة والمنطقة.
ولقد جددت محكمة العدل الدولية ـ في رأيها الاستشاري الشهر الماضي ـ إبراز مهنية العاملين في وكالة الأونروا، وأبرزت دور الوكالة الإنساني الذي لا غنى عنه، وخلصت إلى أن الأونروا تبقى فاعلا محايدا غير منحاز.
وسوف تكون خدمات الأونروا التعليمية، ومن بينها برنامج مرموق لحقوق الإنسان، مفتاح الحيلولة دون ظهور التطرف الذي يتغذى على الحصار القاسي لغزة والأعمال الوحشية المرتكبة فيها على مدار العامين الماضيين. إن قرابة سبعمائة ألف طفل في عمر الدراسة يعيشون حاليا وسط الأنقاض، فما هم بمحرومين فقط من البيوت والأحباء، وإنما هم محرومون أيضا من التعليم. وإرجاع هؤلاء الأطفال مرة أخرى إلى المدارس سوف يكون أساسيا في ضمان السلام والاستقرار في غزة والمنطقة بوجه أعم.
وفي ما يتجاوز جهود الإغاثة الإنسانية واستئناف الخدمات العامة، لا بد من تمكين الشركات والمانحين من الثقة في أن السلام سوف يدوم وأن جهود إعادة الإعمار لن تضيع هباء.
وشعب غزة نفسه يحتاج إلى وعد بحياة طبيعية، فيها إسكان دائم ومستشفيات ومدارس فاعلة. وإعادة بناء غزة تعني استرداد الحكم، والعدل، والقناعة الراسخة على نطاق واسع بأن السلام لا يزال ممكنا وفقا لمعايير حل الدولتين.
ويقتضي هذا ألا يترسخ «الخط الأصفر» المشار إليه في الاتفاقية ـ والمرسوم وفقا لتنسيق أمني مؤقت ـ بما يؤدي إلى مزيد من التجزئة، إذ يصبح خطا فاصلا جديدا داخل غزة نفسها وبينها وبين الضفة الغربية.
وأخيرا، لا بد أن يبدأ العمل الصعب واللازم من أجل المصالحة، دونما تأخير. إن الإسرائيليين والفلسطينيين اليوم جيران لا يعرف بعضهم بعضا، قسمتهم الحرب، والعزلة المتنامية، وفقدان الثقة. وإنه لأمر مأساوي ومثير للسخرية في الآن نفسه، لأنهم يشتركون في تاريخ طويل وعميق من القمع والحزن والفقد لا يمكن أن يتصوره أغلبنا ناهيكم بأن يفهموه.
وتستوجب إعادة الربط بين الفلسطينيين والإسرائيليين تفكيك جهود التجريد المنهجي من الإنسانية التي أسهمت في أعمال وحشية لا تغتفر. وتستوجب اعترافا بقمع قائم منذ عقود للفلسطينيين وألم جماعي عميق تسببت فيه هجمات السابع من أكتوبر سنة 2023 داخل إسرائيل.
ومن أجل تحقيق سلام دائم، لا بد من تحقيق العدالة، ومعالجة المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي الجادة للجراح القائمة.
فيليب لازاريني هو المفوض العام لـ(الأونروا)
الترجمة عن ذي جارديان
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: وقف إطلاق النار لا بد من فی غزة
إقرأ أيضاً:
الخارجية البريطانية تدعو لاحترام وقف إطلاق النار في لبنان والعودة للمفاوضات
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دعت وزارة الخارجية البريطانية جميع الأطراف المعنية بالتصعيد في لبنان إلى الالتزام بوقف إطلاق النار القائم، والامتناع عن أي خطوات من شأنها زيادة التوتر في المنطقة.
وشهد جنوب وشرق لبنان موجة تصعيد عسكري واسعة بعد سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت مناطق عدة في الجنوب والبقاع، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى ودمار كبير في الأحياء السكنية، وسط تحذيرات من انزلاق الأوضاع نحو مرحلة أكثر خطورة.
وامتدت الهجمات الجوية إلى مناطق متعددة في صور والنبطية والبقاع الغربي، حيث نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية عشرات الغارات المتتالية، ترافقت مع قصف مدفعي وأحزمة نارية طالت بلدات ومناطق مأهولة بالسكان.
واستهدفت الضربات بلدات الرشيدية والمعشوق وبرج الشمالي وصديقين والسلطانية والغندورية والحوش ورشكنانية، ما أدى إلى تدمير منازل وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية، في وقت تحدثت مصادر محلية عن سقوط عدد من الضحايا بين المدنيين.
وفي النبطية ومحيطها، تواصل القصف على بلدات ميفدون وحبوش وعربصاليم وتول وحاروف وقعقعية الجسر والدوير، فيما أشارت تقارير ميدانية إلى مقتل سيدتين إثر استهداف منزل بشكل مباشر.
أما في البقاع الغربي، فقد تعرضت بلدة مشغرة لغارات متلاحقة وعنيفة، رافقتها أحزمة نارية استهدفت أحياء سكنية، ما أدى إلى مقتل 5 أشخاص وإصابة آخرين بينهم أطفال، بينما واصلت فرق الإنقاذ عمليات البحث بين الأنقاض وانتشال العالقين.
وشملت الاعتداءات أيضًا بلدات ياطر وزبقين والريحان وسجد واللويزة، بالتزامن مع قصف مدفعي طال محيط شوكين وجبشيت وشحور، وسط تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي فوق مناطق لبنانية واسعة امتدت من الجنوب إلى بيروت والبقاع.
وأفادت مصادر محلية بأن الطائرات الحربية الإسرائيلية حلقت على علو منخفض فوق العاصمة بيروت وجبل لبنان، مع تسجيل خروقات متكررة لجدار الصوت، ما تسبب بحالة من الذعر بين السكان ودفع العديد من العائلات إلى مغادرة الضاحية الجنوبية لبيروت خشية اتساع رقعة الاستهداف.
وفي الجانب الإنساني، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة ضحايا الهجمات الإسرائيلية منذ مطلع مارس الماضي إلى أكثر من 3 آلاف قتيل وآلاف الجرحى، في ظل استمرار التصعيد العسكري واتساع نطاق العمليات.
سياسيًا، تتزامن التطورات الميدانية مع حراك دبلوماسي متواصل، إذ يترقب لبنان وإسرائيل جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة برعاية أمريكية خلال الأسابيع المقبلة، وسط محاولات لتثبيت التهدئة ومنع انزلاق الوضع إلى مواجهة شاملة.
في المقابل، صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من لهجته تجاه حزب الله، مؤكدًا أن العمليات العسكرية ستستمر بوتيرة أكبر، ومشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي يواصل استهداف عناصر الحزب ومواقعه في الجنوب اللبناني.
من جهته، شدد الرئيس اللبناني جوزاف عون على أن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة يمثل مطلبًا أساسيًا لا يمكن التراجع عنه، مؤكدًا أن أي مسار تفاوضي يجب ألا يمس الثوابت الوطنية اللبنانية.
وكانت اتصالات سياسية جرت خلال الأسابيع الماضية قد أفضت إلى تفاهمات أولية لتمديد وقف إطلاق النار لفترة مؤقتة، إلى جانب إطلاق مسار أمني برعاية أمريكية، في محاولة لاحتواء التصعيد المتواصل على الحدود الجنوبية.