القيادة بين العبقرية والتدمير الذاتي: حين يُعطّل الخوف "نظام الإنذار المبكر"
تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT
د. سلام محمد سفاف **
dr.salamsafaf@gmail.com
واجهت شركة تِسلا خلال عامي 2017 و2018 أزمة حادة ناجمة عن انخفاض حاد في معنويات الموظفين وتسربهم رغم الرواتب التنافسية فيها، وكادت تؤدي إلى إفلاسها. آنذاك، وعد إيلون ماسك بتصنيع 5000 سيارة من الموديل الثالث أسبوعيًا، وراح يقضي ساعات طويلة في مصنع "فريمونت"، إلا أنَّ طريقته في الإدارة خلقت جوًا من الرعب؛ حيث كان يُواجه أي رأي بأسلوب لا يخلو من العنف الوظيفي، فأي مدير يخبر ماسك بأنَّ إنتاج 5000 سيارة أسبوعيًا هدف غير واقعي كان يُطرد على الفور أو يُهان علنًا لدرجة أنَّ ماسك طرد مديرًا كبيرًا لأنه اقترح تأخير الإنتاج لتحسين الجودة.
ومع تصاعد الوتيرة، تحولت الاجتماعات إلى محاكم تفتيش وفقًا لشهادة موظفين سابقين، كان ماسك يقطع أي عرض تقديمي يحتوي على أخبار سيئة أو تحذيرات، ويصرخ: "هذا غير مقبول! ابحث عن حل ولا تأتي بالمشاكل!"
ونتيجةً لذلك، بدأ المديرون التنفيذيون بإخفاء التقارير السلبية والتحديات الحقيقية، وفضّلوا إخبار ماسك "ما يُريد سماعه" بدلًا من الحقيقة لتغدو الاجتماعات عبارة عن سرد للإنجازات الوهمية وإخفاء للفشل.
وكانت النتيجة كارثة على الأرض، فقد خرجت آلاف السيارات بعيوب فادحة، وغادر العشرات من كبار المهندسين والمديرين الشركة، كما سرب الموظفون الساخطون معلومات عن بيئة العمل داخل تِسلا لوسائل الإعلام؛ مما زاد الأزمةُ سوءًا... ثم بدأ المستثمرون يشككون في قدرة تِسلا على البقاء حيث لاحظ المحللون الماليون التناقض بين تصريحات ماسك المتفائلة وتقارير الإنتاج المتعثرة.
وتكشف لنا أزمة تِسلا مسؤولية القائد عن المناخ العاطفي، فهو ليس مجرد مسؤول عن الأرقام؛ بل هو المهندس الأول للبيئة الوظيفية في المؤسسة، فعندما مارس ماسك أسلوبًا لا يخلو من "العنف الوظيفي" أو "الإهانة العلنية"، فإنِّه أرسل رسالة واضحة "سلامتكم النفسية غير مهمة"، ليقدم لنا نتيجة مُفاجئة: أن الرواتب المرتفعة في تِسلا لم تعوض العاملين فيها عن البيئة السامة.
ويبدو جليًا أنَّ الثقة هي العملة الأهم في المؤسسة حيث يمكنك توظيف ألمع العقول والمهندسين (كما فعلت تِسلا)، ولكن إذا لم تمنحهم الثقة والأمان النفسي ليقولوا الحقيقة، فسيصبحون عديمي الفائدة. فالقائد الذي يطلب من فريقه "البحث عن حلول" يجب أن يكون مستعدًا أولًا لسماع "المشاكل"، وإذا أصبحت الأخبار السيئة محظورة، فسوف يستبدلها الفريق بـ "أخبار جيدة وهمية"، وهذا هو أسوأ أنواع الخداع المهني.
وتقدم لنا تِسلا دروسًا مجانية في القيادة، أهمها:
القائد هو المسؤول الأول عن ضمان وصول البيانات الحقيقية لاتخاذ القرار: إن التسرع بإعلان أهداف طموحة جدًا دون الرجوع إلى مُعطيات بيئة العمل والفريق يخلق قيدًا خانقًا على القائد نفسه. النقد البناء هو نظام الإنذار المبكر: عندما يُعاقب القائد من يقدم له النقد، فإنه يُعطل نظام الإنذار المبكر في مؤسسته، وستستمر الأزمة في التضخم حتى تنفجر علنًا. التفرد بالقرار هو وصفة للفشل: القيادة الفعالة تتطلب ذهنية منفتحة وتعاونية لأنَّ تحقيق الأهداف الطموحة يتطلب التعاون والتشاركية وتبادل الآراء، لا الإملاءات.وهذا يطرح علينا سؤال مهماً: متى تصبح العبقرية عبئًا؟
هذا المثال من تِسلا هو دليل قوي على أنَّ القيادة الاستبدادية- حتى لو كانت نابعة من عقلية مبدعة وطموحة- يمكن أن تُهدد وجود الشركة نفسها؛ حيث تتطلب القيادة في زمن التحول النضج العاطفي أكثر من العبقرية الفنية.
وعندما يُدرك القائد أنَّ مسؤولية صناعة بيئة عمل فاعلة وإيجابية تقع على عاتقه، عندها فقط يمكنه تحويل رؤيته الطموحة إلى واقع مُستدام، فالنجاح الحقيقي لا يأتي من الخوف؛ بل من الثقة والشجاعة في مواجهة الحقائق المرّة.
** أستاذ زائر في الكلية الحديثة للتجارة والعلوم
** وزيرة التنمية الإدارية سابقًا بسوريا
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
عاجل.. الداخلية البحرينية تعلن إطلاق صفارات الإنذار
أعلنت وزارة الداخلية البحرينية، منذ قليل، إطلاق صفارات الإنذار وحثت المواطنين والمقيمين على التوجه لأقرب مكان آمن، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.