21 عاما على الرحيل اللغز للختيار
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
دمه تفرق بين الرفاق في حركة فتح وفي منظمة التحرير الفلسطينية، اتفق واختلف حوله الكثيرون، فقد كان الرجل ماهرا في خلط الأوراق وفي التلاعب بالكلمات والمواقف وحتى بالرجال والبنادق.
ياسر عرفات الذي يعرف بلقبه الحركي "أبو عمار" وأحيانا "الختيار" لغزا كبيرا، ما تزال وفاته تشكل لغزا كبيرا، فهل مات بسبب الأمراض التي انتشرت في جسمه في أواخر أيامه، وهل سمم بطريقة ماكرة لا يمكن كشفها أو بإدخال مادة مجهولة إلى جسمه؟
لا يزال السؤال مطروحا بعد مرور 21 عاما على رحيل أحد الرموز الوطنية للشعب الفلسطيني.
ورغم الأخطاء التي وقع بها، "وهي كثيرة وفق خصومه" فقد كان إنجازه الأهم لفلسطيني لاجئ، أنه لملم شتات الفلسطينيين وجعل منهم شعبا يمتلك قضية.
وجعل للكوفية أهميتها السياسية كرمز للمقاومة والتي استلهمها منذ الثورة الفلسطينية عام 1936، عندما استخدمها الثوار لإخفاء هوياتهم حيث أعاد استخدامها كرمز عالمي للنضال الفلسطيني من خلال ارتدائها في المحافل الدولية، مما رسخ صورتها كرمز وطني.
لا توجد مصادر مؤكدة حول مكان وتاريخ ولادته، حيث يتداول أنه ولد في مدينة القدس عام 1929 تحت اسم محمد ياسر عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني.
وفي أوراقه الثبوتية أنه من مواليد القاهرة بعدما هاجر والده من القدس.
ينتمي "أبو عمار" إلى عائلة الحسيني في حين تنتمي والدته لأسرة أبو السعود المقدسية.
بلغ سن الرشد في الفترة التي نشبت فيها معارك فلسطين إثر صدور قرار التقسيم وإعلان بريطانيا انسحابها من فلسطين، وشارك فيها تحت قيادة الزعيم عبد القادر الحسيني.
غادر مدينة القدس مباشرة بعد توقيع اتفاقية الهدنة بين العرب واليهود، بعد انتهاء المواجهات، واتجه إلى غزة حيث أكمل دراسته، ثم إلى القاهرة حيث قام في آن واحد بدراسة الهندسة والتدريب العسكري.
وفي النصف الأول من الخمسينيات بدأ يتصل بالمثقفين الفلسطينيين في الوطن العربي بوصفه رئيسا لاتحاد الطلبة الفلسطينيين بمصر.
إعلانفي العام التالي للعدوان الثلاثي على مصر، سافر إلى الكويت للعمل كمهندس. وأثناء وجوده فيها أقام علاقات في صفوف الجالية الفلسطينية الكبيرة الموجودة هناك.
ومن هناك ولدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني التي ستعرف اختصار بـ"فتح".
ولم تكد تضع حرب يونيو/حزيران عام 1967 أوزراها حتى ظهر الفدائيون و"أبو عمار" وسادوا المشهد العربي.
عين "أبو عمار" متحدثا باسم "فتح"، ثم اختير رئيسا لـ"منظمة التحرير الفلسطينية"، فأصبح بذلك زعيما سياسيا وعسكريا لـ"فتح" كبرى التنظيمات الفلسطينية.
وبعد نحو شهر على اختياره، شارك ورفاقه في الجيش العربي (الجيش الأردني) في معركة الكرامة التي كانت أول انتصار عسكري عربي منذ نحو 20 عاما.
وكان النجاح الذي حققه المقاتل الأردني والفلسطيني في الكرامة، الولادة الفعلية للمقاومة.
اضطر الفدائيون تحت القصف الإسرائيلي إلى اللجوء إلى المدن الكبرى في الأردن، مثل عمان وإربد، مما أثر سلبا على علاقة الفدائيين بالحكومة، لينتهي الأمر بصدام مسلح بين الفدائيين والجيش. ثم خرج الفدائيون من الأردن بعد توقيع اتفاق القاهرة برعاية الرئيس جمال عبد الناصر.
استقبل اللبنانيون الفدائيين بتحفظ، في حين لم ترحب سوريا بهم ووضعتهم تحت رقابة شديدة، لكن "أبو عمار" قام بطريقة منظمة وتكتيكية بإيجاد شكل من التعايش مع اللبنانيين.
مرحلة الانقلاب في حياته كانت عندما دخل قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة وقد غطى رأسه بالكوفية الفلسطينية التقليدية وألقى خطابا عمّق التناقضات بين التنظيمات الفلسطينية الرافضة لما قاله، والأخرى المؤيدة لخطابه، وهذا لم يمنع من توحد البنادق الفلسطينية في مواجهة حزب "الكتائب" اللبناني خلال المواجهات التي أعقبت "عملية الباص" عام 1975، وأثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت.
صمود المقاومة الفلسطينية والوطنية والإسلامية اللبنانية أمام حصار بيروت عام 1982، أفاده كثيرا إذ إنه لأول مرة في تاريخ المنظمة كانت تحيط به مساندة جماعية من كافة التنظيمات الفلسطينية.
وبدا وكأن المساندة دفعت "أبو عمار" إلى خطوة أكثر خطورة وجرأة فأعلن عن قبول "منظمة التحرير" بكافة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والمتعلقة بفلسطين.
وهنا عادت التناقضات والصراعات من جديد داخل البيت الفلسطيني، فتحولت البنادق للمرة الأولى إلى صدور رفاق الأمس وأجبرت الاشتباكات التي وقعت بين أجنحة "فتح" القيادة الفلسطينية على مغادرة لبنان نهائيا إلى شبه المنفى "الاختياري" تونس.
بدا وكأن "أبو عمار" بدأ في سياسة المفاجآت، فزار مصر التي قاطعها العرب بعد كامب ديفيد والتقى الرئيس المصري حسني مبارك فانشقت "فتح" إلى أكثر من "فتح".
في العام التالي فجر مفاجأة أخرى حين أعلن من القاهرة عن شجبه "للإرهاب خارج الأراضي المحتلة" مغلقا بذلك ملف العمليات الخارجية.
إعلانوتتواصل المفاجآت بإعلان "المجلس الوطني الفلسطيني" عن قيام "الدولة الفلسطينية" والقبول بقرار مجلس الأمن رقم 242.
ودون مقدمات ووسط التنازلات الفلسطينية، كانت تتفجر في فلسطين الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي أطلق شرارتها استشهاد مجموعة من العمال في غزة.
وعلى مدى سنوات طويلة رفض عرفات الزواج بدعوى تكريس وقته للثورة الفلسطينية وهمومها.
وعلى الرغم من ذلك، فاجأ عرفات الكثيرين، وتزوج عام 1990 بسكرتيرة مكتبه سهى الطويل، أنجبا لاحقا ابنتهما الوحيدة "زهوة".
منيت "منظمة التحرير" بانتكاسة غير مسبوقة عندما قطعت معظم دول الخليج العربي مساعداتها عن "المنظمة" بعد موقفها من دخول القوات العراقية للكويت عام 1990.
فقد آلاف الفلسطينيين أعمالهم في الخليج، ولم يأت عام 1991 على آخره حتى كانت "المنظمة" تشارك في مؤتمر "مدريد للسلام" من خلف الكواليس من بوابة الوفد الأردني الفلسطيني المشارك.
وبعد نحو عامين كان "أبو عمار" يوقع مع إسحاق رابين اتفاق "غزة-أريحا أولا" كثمرة لـ"مفاوضات أوسلو" السرية.
عاد "أبو عمار" وكوادر "فتح" وبعض التنظيمات الفلسطينية إلى غزة والضفة الغربية بعد توقيع "أوسلو" ضمن ما عرف فيما بعد بـ"السلطة الوطنية الفلسطينية"، وهي سلطة اتهم معظم الرسميين فيها بالفساد.
ودخلت "السلطة" في "مفاوضات" مضنية ومنهكة مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة دون إحراز أي تقدم.
وما هي إلا أيام قليلة حتى كان شارون يصل إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية ويصعد الأوضاع المتفجرة بزيارته الاستفزازية للمسجد الأقصى، ويفرض حصارا بعد ذلك على "أبو عمار".
بات "أبو عمار" عرضة لانتقادات لا حصر لها عربية ودولية، واتهم بأنه يقاوم أي تغيير، بعد أن ارتفع صوت التذمر حتى في صفوف "فتح" بعد اتساع دائرة الفساد وسوء الإدارة وانعدام القانون داخل "السلطة الفلسطينية " التي دمر شارون جميع أدواتها ومكتسباتها.
في هذه الأثناء، يدخل محمود عباس على المشهد.. يأتي "أبو مازن" الذي تم تعيينه رئيسا للوزراء بضغط دولي بهدف إدخال "إصلاحات" والحد من نفوذ "أبو عمار".
ودون مقدمات، يدعو "أبو مازن" إلى وقف "الكفاح المسلح" والعودة إلى وسائل الانتفاضة الأولى، أي الحجارة والتظاهرات السلمية، في مواجهة بنادق وطائرات تل أبيب.
وبدأت الدوائر الأميركية والإسرائيلية بالقول إن "أبو عمار" لم يعد يعتد به، فقامت "إسرائيل" بمنعه من مغادرة رام الله وحاصرته القوات الإسرائيلية داخل مقره في المقاطعة مع 480 من مرافقيه ورجال الشرطة الفلسطينية.
ولم تلبث أن بدأت أولى علامات التدهور الشديد على صحة "أبو عمار" في الظهور في أكتوبر/تشرين الأول عام 2004، فقد أصيب، كما أعلن أطباؤه، بمرض في الجهاز الهضمي.
وقبل ذلك بكثير، عانى من أمراض مختلفة، منها نزيف في الجمجمة ناجم عن حادثة طائرة، ومرض جلدي، وفي السنة الأخيرة من حياته تم تشخيص جرح في المعدة وحصى في كيس المرارة، وعانى ضعفا عاما.
وعلى أثر التدهور السريع في صحته قامت طائرة مروحية بنقله إلى الأردن، ومن ثمة أقلته طائرة أخرى إلى مستشفى "بيرسي" في فرنسا.
وفي تطور مفاجئ، أعلن نبأ موت "أبو عمار" في 11 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004.
دفن "أبو عمار" في مبنى المقاطعة في رام الله بعد أن تم تشيع جثمانه في مدينة القاهرة، وذلك بعد الرفض الشديد من قبل شارون لدفنه في مدينة القدس كما كانت رغبته قبل وفاته.
تضاربت الأقوال كثيرا في وفاته، ويعتقد الفلسطينيون والعرب بأن وفاته كانت نتيجة لعملية اغتيال بالتسميم، أو بإدخال مادة مجهولة إلى جسمه.
إعلانويقول الأطباء إن سبب الوفاة هو تليف الكبد، كذلك رجح بعض الأطباء ممن عاينوا فحوصاته الطبية ومنهم الأطباء التونسيون وأطباء مستشفى "بيرسي" المتخصصون بأمراض الدم أن يكون عرفات مصابا بمرض تفكك صفائح الدم.
يقول طبيبه الخاص الدكتور أشرف الكردي إن وفاة عرفات نتجت عن تسميمه، وطالب بتشريح الجثة، مؤكدا أن تحليل عينات الدم لا يكفي وحده للكشف عن الإصابة بالتسمم، مشيرا إلى أن الأمر في حاجة إلى تشريح للجثة وتحليل عينات الأنسجة، للتأكد من السبب الحقيقي على وجه اليقين. لكن التقرير الطبي الفرنسي نفى دخول سموم للجسم.
ولا تزال سهى عرفات تدعو بين الحين والآخر إلى فتح تحقيق في قضية اغتيال ياسر عرفات، متهمة قيادات في السلطة بالضلوع في التخطيط والتدبير لعملية الاغتيال. وقالت مرة "ستكون هناك قصة كبيرة، وسأعرف من وضع السم في جسم ياسر عرفات".
بحسب القانون الفرنسي فإن سهى الطويل هي المخوَّلة الوحيدة بالإفصاح عن المعلومات الطبية التي وردتها من مستشفى بيرسي والأطباء الفرنسيين، وهي لا زالت ترفض إعطاء أية معلومات لأية جهة حول هذا الأمر.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات التنظیمات الفلسطینیة منظمة التحریر یاسر عرفات أبو عمار
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.