هاغينغ فيس.. كيف تقود المصادر المفتوحة ثورة الذكاء الاصطناعي؟
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
في عالم الذكاء الاصطناعي، برزت شركة "هاغينغ فيس" (Hugging Face) كقصة نجاح استثنائية تجسد كيف تحولت فكرة بسيطة إلى أداة عالمية.
وأصبحت هذه الشركة أساسية في مجال معالجة اللغة الطبيعية، وهي التقنية التي تسمح للآلات بفهم اللغة البشرية.
وما كان في بدايته تطبيق دردشة بسيطا سرعان ما تحول إلى أكبر مستودع عالمي للنماذج، وباتت "هاغينغ فيس" تمثل المكافئ لمنصة "غيت هاب" (GitHub)، ولكن في مجال الذكاء الاصطناعي.
ووفرت الشركة بيئة تعاونية للمطورين مع استضافة مئات الآلاف من النماذج، إلى جانب أنها تنافس من حيث التأثير شركات ضخمة تقدر قيمتها السوقية بالمليارات.
تأسست الشركة عام 2016 على يد رواد الأعمال الفرنسيين كليمان ديلانج وجوليان شوموند وتوماس وولف.
وفي البداية، ركزت الشركة على تطوير روبوت دردشة يعتمد على معالجة اللغة الطبيعية، وهي تقنية كانت حديثة حينها لدرجة أن شركات التكنولوجيا الكبرى هي الشركات الوحيدة التي تستخدمها بسبب تكلفتها التي قد تصل إلى 1.6 مليون دولار من أجل تدريب نموذج واحد.
وكان على روبوت الدردشة دمج نماذج متعددة من أجل استخراج المعلومات واكتشاف النبرة العاطفية للرسائل النصية وتوليد الإجابات وفهم مواضيع المحادثة المختلفة.
ونتيجة لذلك، ركز مؤسسو الشركة على بناء مكتبة من أجل تشغيل النماذج المختلفة، مع إصدار بعض محتويات هذه المكتبة عبر "غيت هاب" على شكل مشاريع مفتوحة المصدر.
وشهد روبوت الدردشة انتشارًا وإقبالا كبيرًا، وتبادل مستخدموه أكثر من مليار رسالة، وأدرك مؤسسو الشركة أن نقاط القوة الرئيسية هي النماذج الداخلية ومكتبة النماذج المدربة مسبقًا.
التطور إلى منصة ذكاء اصطناعي رئيسيةفي عام 2017، نشرت "غوغل" ورقة بحثية تقدم تقنية جديدة أحدثت ثورة في هذا المجال تسمى "ترانسفورمر" (Transformer).
إعلانوسرعان ما طورت الشركات نماذج لغوية استنادًا إلى تقنية "ترانسفورمر"، مثل "بيرت" (BERT) و"جي بي تي تو" (GPT-2).
وفي عام 2018، طرحت "هاغينغ فيس" عبر "غيت هاب" نسخة مفتوحة المصدر من نموذج "بيرت" تستخدم إطار العمل "باي تورش" (PyTorch).
وبشكل غير متوقع، سلطت هذه النسخة الضوء على الشركة ضمن مجتمع المصادر المفتوحة، وشكلت بداية رحلتها نحو المنصة المفضلة لمطوري وباحثي الذكاء الاصطناعي.
وبعد أشهر من إصدارها، حققت هذه النسخة نجاحًا باهرًا في مجال مشاريع الذكاء الاصطناعي عبر "غيت هاب"، وتجاوزت سرعة تطويرها بكثير سرعة مشاريع أخرى مفتوحة المصدر مماثلة.
وساعد هذا النجاح غير المتوقع في اتخاذ قرار بتغيير مسار الشركة وتحويلها إلى منصة ذكاء اصطناعي من خلال نشر كل ما تعلموه خلال مرحلة تطوير روبوت الدردشة.
وتدريجيًا، أصبحت "هاغينغ فيس" مصدرًا يلجأ إليه المهندسون والباحثون والهواة، وبدأ المبرمجون والباحثون يضيفون المشاريع والأدوات.
ومن أجل تأكيد مسارها الجديد، أطلقت الشركة "ترانسفورمرز" (Transformers)، وهي مكتبة أدوات مفتوحة المصدر مصممة لتبسيط عملية إنشاء النماذج.
وحظيت هذه المكتبة بشعبية كبيرة في مجتمع الذكاء الاصطناعي بفضل سهولة استخدامها وشمولية توثيقها.
وبفضلها، أصبح بالإمكان استخدام النماذج بسرعة من أجل إنجاز مهام، مثل تصنيف النصوص وتلخيصها وتوليدها واستخراج المعلومات، مما يوفر الكثير من الوقت والموارد الحاسوبية.
واليوم، يستطيع أي شخص الوصول إلى نحو 200 ألف نموذج مختلف، حيث سمحت الشركة للمطورين بتخصيص النماذج المتقدمة ونشرها باستخدام بضعة أسطر من التعليمات البرمجية.
ويقارن هذا التغيير بنجاح "سلاك" (Slack)، التي فشلت بصفتها شركة ألعاب في جذب الاهتمام، ولكنها حولت أداة الاتصال الداخلية إلى منصة تعاون مؤسسية بمليارات الدولارات.
بعد توجهها نحو الذكاء الاصطناعي المفتوح المصدر، طورت "هاغينغ فيس" مجموعة منتجات متكاملة لسد الفجوة بين البحث والإنتاج في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث أدركت هذه المشكلة بالصدفة، وبدأت في التعمق فيها.
وبدلا من التنافس مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت توفر الأدوات الأساسية التي تدعم منظومة الذكاء الاصطناعي بأكملها وتسمح بالوصول إليها وتحسينها، على عكس العديد من شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى.
وتتولى الشركة نقل أبحاث الذكاء الاصطناعي من المختبر إلى الاستخدام، مما يسمح باستخدام نماذج وموارد البحث بسهولة.
وطورت الشركة مركزًا يجمع النماذج المدربة مسبقًا ومجموعات البيانات والتطبيقات التفاعلية، ووفرت مستودعات ونظام نسخ وتعاون وآليات ترخيص وواجهات برمجة تسمح بدمج النماذج في الأنظمة.
ويتيح هذا المركز للمستخدمين عرض النماذج في مساحات تفاعلية، والتعاون مع مستخدمين آخرين في المشاريع، والمشاركة في مسابقات وتحديات.
كما يضم المركز تطبيقات متنوعة تستفيد من الذكاء الاصطناعي، مثل إنشاء القصص المصورة، وإزالة خلفيات الصور، وإنشاء الموسيقى، وغيرها.
إعلانوبالإضافة إلى مكتبة "ترانسفورمرز"، طورت الشركة مكتبات تغطي كل شيء، مثل "توكنيزر" (Tokenizers) و "داتاسيت" (Datasets) و"أكسيلريت" (Accelerate).
ومن خلال المنظومة المتكاملة لتطوير الذكاء الاصطناعي التي أسستها "هاغينغ فيس"، أصبح بالإمكان تحميل النماذج وتشغيلها وتعديلها ونشرها ومشاركتها.
ومن أجل التأكيد على أهمية المصادر المفتوحة، عقدت الشركة ورشة عمل بحثية بعنوان "بيغ ساينس" (BigScience) جمعت مئات الباحثين من خلفيات وتخصصات مختلفة لإنشاء نموذج لغوي مفتوح المصدر بهدف أن يكون بديلا للنماذج التجارية.
ونتج عن هذا التعاون "بلوم" (Bloom)، وهو نموذج لغوي كبير مكون من 176 مليار معلمة ومدرب على 46 لغة طبيعية و13 لغة برمجية، مما وضعها في مصاف المساهمين البارزين في مجال الذكاء الاصطناعي.
ومن المبادرات الأخرى "سيف تينسورز" (SafeTensors)، وهي مكتبة برمجيات تتيح للمستخدمين مشاركة النماذج دون المساس بأمنها أو أدائها مع تقليل حجمها ومتطلبات عرض النطاق الترددي.
كما تقدم الشركة أيضًا حلولا مدفوعة للأفراد والشركات الراغبين في تسريع مشاريع الذكاء الاصطناعي، تشمل "كومبيوت" (Compute) و"إنتربرايس" (Enterprise) و"برايفت هاب" (Private Hub)، إلى جانب الشراكة مع العديد من الشركات التقنية، مثل "أمازون".
وتلجأ العديد من الشركات إلى "هاغينغ فيس" من أجل الاستفادة من قدراتها، حيث تستخدم "فايزر" (Pfizer) نماذج "هاغينغ فيس" في اكتشاف وتطوير الأدوية من أجل تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية الحيوية بسرعة ودقة، مما يسرع بشكل كبير الوقت اللازم لإيجاد علاجات جديدة.
ومن ناحية أخرى، تستخدم "إنتل" أدوات "هاغينغ فيس" لتحسين تصميمات رقاقاتها، مستفيدة من الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأداء وتحديد العيوب المحتملة حتى قبل إنشاء النماذج الأولية المادية.
وفي القطاع المالي، تستخدم "بلومبيرغ" (Bloomberg) نماذج "هاغينغ فيس" لتوفير تحليل فوري للأخبار المالية وبيانات السوق، مما يساعد المستثمرين في اتخاذ قرارات مدروسة.
وتستفيد "إيباي" (eBay) أيضًا من هذه النماذج، حيث تستخدمها لتحسين خوارزميات البحث وتحسين مطابقة البائعين والمشترين، مما يزيد من رضا العملاء والمبيعات.
ختامًا، لم يقتصر عمل "هاغينغ فيس" على بناء منتج فقط، بل بنت منصة يعتمد عليها المطورون والمؤسسات يوميًا، ومثلما أحدثت "غيت هاب" ثورة في تطوير البرمجيات من خلال توفير مستودع مركزي للتعاون في التعليمات البرمجية، أنشأت "هاغينغ فيس" مركزًا لابتكار الذكاء الاصطناعي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الذکاء الاصطناعی مفتوحة المصدر فی مجال من أجل
إقرأ أيضاً:
وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا
افتتحت المؤشرات الرئيسية في بورصة وول ستريت تعاملات الثلاثاء على تراجع طفيف، بعد أن سجلت مستويات قياسية خلال الأسابيع الماضية، بينما عززت التطورات الإيجابية في قطاع الذكاء الاصطناعي ثقة المستثمرين بأسهم التكنولوجيا، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
وتراجع مؤشر "داو جونز" الصناعي بنحو 166 نقطة، ما يعادل 0.33 بالمئة، ليصل إلى 50,912 نقطة، بينما انخفض مؤشر "إس آند بي 500" بنسبة 0.06 بالمئة إلى 7,595 نقطة، وتراجع مؤشر "ناسداك" المجمع بنسبة 0.21 بالمئة إلى 27,030 نقطة.
ورغم الأداء السلبي للمؤشرات، تلقى قطاع الذكاء الاصطناعي دفعة قوية بعد إعلان شركة "هيوليت باكارد إنتربرايز" نتائج مالية فاقت توقعات الأسواق، مدفوعة بالطلب المتزايد على البنية التحتية الخاصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقفز سهم الشركة بنسبة تراوحت بين 25 و29 بالمئة، بعدما رفعت توقعاتها لنمو الإيرادات خلال عام 2026 إلى ما بين 29 و33 بالمئة، كما أعلنت تقديم أهدافها المالية المقررة لعام 2028 إلى العام الجاري، مستفيدة من الطلب المتنامي على تقنيات "الذكاء الاصطناعي الوكيل" وتوسعات مراكز البيانات.
كما كشفت الشركة عن إطلاق خوادم جديدة تعتمد على معالجات "فيرا" من شركة إنفيديا، في خطوة تستهدف تعزيز حضورها في سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
في المقابل، أعلنت شركة "ألفابت"، المالكة لمحرك البحث "غوغل"، خطة لجمع 80 مليار دولار بهدف تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي وتوسيع مراكز البيانات الخاصة بها، بحسب تقارير اقتصادية أمريكية.
وتشمل الخطة استثمارا خاصا بقيمة 10 مليارات دولار من شركة "بيركشاير هاثاواي" التابعة للملياردير الأمريكي الشهير وارن بافيت، فيما تسعى ألفابت إلى رفع إنفاقها الرأسمالي خلال عام 2026 إلى ما بين 180 و190 مليار دولار.
ورغم ضخامة المشروع، تراجع سهم "ألفابت" بنحو 2.3 بالمئة، وسط مخاوف المستثمرين من تأثير الطرح الجديد للأسهم على قيمة حصصهم الحالية.
وامتدت موجة التفاؤل إلى شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث ارتفع سهم "سوبر ميكرو كمبيوتر" بنسبة 5.6 بالمئة، بينما صعد سهم "ديل" بنحو 3 بالمئة.
كما واصلت شركات أشباه الموصلات مكاسبها، إذ ارتفع سهم "إنفيديا" بنسبة 2.6 بالمئة، في حين قفز سهم "برودكوم" بنسبة 4.5 بالمئة، في ظل استمرار الرهانات على النمو السريع لسوق الذكاء الاصطناعي عالميا.
ويرى محللون أن الأداء القوي للشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي يعكس تحولا متزايدا في توجهات المستثمرين نحو القطاعات التكنولوجية القادرة على الاستفادة من الطفرة الحالية، رغم الضغوط التي تواجه الأسواق نتيجة ارتفاع التقييمات وجني الأرباح بعد المكاسب القياسية الأخيرة.