جرحى الحرب في تعز ومأرب.. أبطال ضحّوا بأجسادهم فخذلتهم السلطة وأرهقهم الإهمال
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
وسط برد الشتاء القارس وأوجاع الجراح التي لم تلتئم بعد، يواصل العشرات من جرحى الحرب في محافظتي تعز ومأرب اعتصاماتهم المفتوحة، احتجاجًا على ما يصفونه بـ"الإهمال المتعمد" و"الخذلان الرسمي" من قبل السلطات المحلية والحكومية، التي تجاهلت معاناتهم رغم مرور سنوات على إصابتهم في جبهات القتال دفاعًا عن الوطن والجمهورية.
تبدو ملامح الألم واضحة على وجوههم، لكن الأكثر وجعًا هو إحساسهم بأن الوطن الذي دافعوا عنه قد نسيهم. في أحد المقاطع المؤثرة التي تداولها ناشطون، يُسمع أحد الجرحى وهو يصرخ بحرقة: "ضحينا بكل ما نملك بأجسادنا وأرواحنا من أجل الوطن، لكننا اليوم نُقابل بالنسيان والإهمال، نريد فقط حقوقنا الإنسانية والقانونية المشروعة."
ورغم الجراح، خرج هؤلاء الأبطال إلى الشوارع لا طلبًا للصدقات، بل للمطالبة بحقوقهم التي كفلها القانون ووعود المسؤولين. فقد نفذت رابطة جرحى تعز، الثلاثاء، وقفة احتجاجية أمام مقر دائرة الرعاية الاجتماعية بمدينة تعز، مطالبة بصرف مستحقاتهم المالية المتوقفة منذ أشهر، وتوفير الرعاية الصحية والعلاجية اللازمة، وإنهاء ما وصفوه بالإهمال والتجاهل الرسمي لمعاناتهم المستمرة.
وقالت الرابطة في بيان صادر عنها إن الجرحى يعيشون أوضاعًا إنسانية قاسية بسبب انقطاع الرواتب والإكراميات وغياب الرعاية الطبية، رغم توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بسرعة معالجة أوضاعهم بصورة عاجلة. وأكد البيان أن "جرحى تعز قدموا تضحيات جسيمة في سبيل الدفاع عن الوطن والجمهورية، إلا أن ما يواجهونه اليوم من تهميش وحرمان يمثل خذلانًا لتلك التضحيات ومساسًا بقيم الوفاء الوطني".
وطالب المحتجون بسرعة صرف الرواتب المتأخرة منذ خمسة أشهر، والإسراع في إشهار الهيئة الوطنية لشؤون الجرحى والشهداء، وصرف الإكراميات والمستحقات المجمدة، وتسفير الجرحى المحتاجين للعلاج في الخارج، واستكمال علاج العالقين، واعتماد التعزيز المالي للترقيات وتسوية أوضاعهم أسوة ببقية الوحدات العسكرية.
وشهدت الوقفة مشاهد مؤلمة، حين أقدم أحد الجرحى على إحراق قدمه الصناعية تعبيرًا عن غضبه من التجاهل الحكومي، في تصرف صادم أثار تعاطفًا واسعًا في الشارع اليمني.
وفي مأرب، يواصل العشرات من جرحى الجيش اعتصامهم المفتوح منذ نحو أسبوع للمطالبة بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة وتسفير الجرحى المحتاجين للعلاج في الخارج. يقول الجريح سلطان الطلقي: "نحن لا نطلب المستحيل، نريد فقط رواتبنا التي انقطعت منذ أشهر. الغلاء ينهشنا، والحكومة تتجاهلنا. توحيد الرواتب مطلبٌ عادل لتوحيد الصفوف."
فيما يؤكد النقيب حكيم الشرف الجرادي أن الاعتصام سيستمر حتى تلبية المطالب، مضيفًا: "قدّمنا أرواحنا وأجسادنا في سبيل الوطن، وكان الأولى أن نُكرَّم لا أن نُترك نتسوّل حقوقنا. أما الدكتور محمد الجعدان، الأمين العام لرابطة الجرحى، فقال: "مكان الجرحى فوق الرؤوس، لا في الشوارع بحثًا عن حقوقهم. استمرار هذا الإهمال وصمة عار على جبين كل من يملك قرارًا ولم يتحرك."
على وسائل التواصل، أطلق ناشطون حملة تضامن واسعة مع الجرحى تحت وسم #لن_نخذلهم، عبّر فيها المواطنون عن سخطهم من تقاعس الجهات الرسمية، فيما أطلقت مبادرات محلية لجمع التبرعات وتوفير الغذاء والبطانيات والأدوية للمعتصمين.
ويرى مراقبون أن هذه الاحتجاجات تمثل انفجارًا إنسانيًا في وجه الإهمال الحكومي المتواصل منذ سنوات، وأن صبر الجرحى بدأ ينفد في ظل استمرار الوعود دون تنفيذ، وتحول ملفهم الإنساني إلى ورقة مهملة في أروقة البيروقراطية.
وفي تصريح للكاتب الصحفي توفيق الحميدي، قال: "كانت الحرب، في بدايتها، تبدو كأنها فصل عابر في حياة وطنٍ أنهكته الأزمات، لكن أحدًا لم يدرك أن آثارها ستتجاوز صوت المدفع لتسكن أجساد الرجال الذين حملوا الوطن على أكتافهم. عادوا بأجسادٍ ناقصةٍ وقلوبٍ مفعمةٍ بالإيمان، لكنهم وجدوا دولةً لم تتعلم كيف تداوي جراح أبطالها".
وأضاف: "جرحى الجيش الشرعي ليسوا مجرد أجسادٍ أنهكتها الحرب، بل أرواحٌ ما زالت تقاتل في صمتٍ مرير ضد الإهمال والنسيان... لقد أصبحنا جميعًا عارًا أمام هؤلاء الجرحى إن سكتنا، لأن المعاملة التي يتعرضون لها ليست إهمالًا عابرًا، بل خيانةٌ لمعنى التضحية ولمفهوم الوطن نفسه."
ويختم الحميدي بالقول: "كرامة الجرحى هي آخر جبهات الشرف، فمن فقد ساقه في سبيل الوطن لا يجوز أن يفقد كرامته فيه، ومن ضحى بروحه لا ينبغي أن يُترك يذبل في العزلة والخذلان."
المصدر
المصدر: نيوزيمن
إقرأ أيضاً:
مشيخة الأزهر بين السلطة والمعارضة
يعود الخلاف بين المؤسسة الدينية ونظام السيسي مع مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يود السيسي إقراره، ورَبْطُ السيسي بالمشروع ليس من قبيل الإقحام، فهو الذي قال خلال فترة ترشحه للرئاسة عام 2014: "أنا مسؤول عن القيم والمبادئ والأخلاق والدين"، وهو الذي يريد فرض مسألة الطلاق الشفهي منذ عقد تقريبا، وهي مسألة دينية بحتة وشديدة الدقة يترتب عليها هدم منزل أو وضع شخصين في علاقة محرَّمة. ومعلوم أن السيسي لا يملك شيئا من المعرفة الدينية التي تؤهله للخوض في مسائل دينية بسيطة، فضلا عن مسألة بهذه الدقة وهذه الخطورة.
لكن الأهم من هذا الخلاف -الذي لن ينتهي ما بقي السيسي في الحكم- هو طريقة التعامل مع الأزهر من أركان النظام السياسي من جانب، والمعارضين للنظام من جانب آخر، إذ الأهم دائما وضع القواعد التي تنبني عليها المواقف الآنِيَّة واللاحقة، لا مجرد التفوق أو التراجع في المواقف الآنية، وللأسف يسعى نظام السيسي إلى تدمير أحد أهم مصادر القوة في مصر بالإصرار على بسط السيطرة على الأزهر، حتى في الجوانب التعبدية لا الإطار السياسي العام، وكذلك تسعى المعارضة إلى تحقيق مكسب بإظهار أن هناك معارضة داخلية للنظام السياسي، الأمر الذي يُضعف من موقف الشيخ الطيب، والمؤسسة في دولة قمعية ستستغل هذه الدعاية قطعا للضغط وتصوير الشيخ والمؤسسة في وضع يُحرج النظام السياسي.
دخل شيخ الأزهر في عدة معارك بعضها معلن والآخر في الأروقة المغلقة، لكن ضجيج الخلاف نَفَذَ إلى الجوار.
من الخلافات العلنية، رفْض شيخ الأزهر عمليات القمع والقتل منذ مذبحة الحرس الجمهوري في تموز/يوليو 2013، وما تبع ذلك من عمليات دموية وإجرامية، وفي الأروقة المغلقة طُولِب شيخ الأزهر بإخراج الراحل الشيخ يوسف القرضاوي من هيئة كبار العلماء، ومن جملة الذرائع المساقَة لتبرير الموقف، انتقاصه من شيخ الأزهر، لكن الشيخ "الطَّيِّب" رفض ذلك إلى أن استقال الشيخ القرضاوي بنفسه.
ثم وقف شيخ الأزهر موقفا صلبا في عدم وضع اسم جماعة الإخوان المسلمين في بيانات الأزهر الرسمية، كما رفض إصدار فتوى بتكفير المنتسبين إلى تنظيم داعش، وكان الشيخ عباس شومان -وكيل المشيخة حينها- يقول: "إنهم مجرمون ويجب قتالهم"، وهو موقف يفرِّق فيه الأزهر بين الجريمة والمعتَقَد، وأن باب التكفير يجب إغلاقه على الجميع، لا فتْحه للسلطة وإغلاقه أمام غيرها.
كذلك، طولِب الشيخ باستبعاد الراحل د. محمد عمارة من رئاسة تحرير مجلة الأزهر، ورفَضَ ذلك، إلى أن استقال د. عمارة لرفع الحرج عن الشيخ، وكذلك طولِب الشيخ باستبعاد الشيخ عباس شومان من منصبه، والشيخ حسن الشافعي من منصب كبير مستشاري شيخ الأزهر، والقاضي المستشار محمد عبد السلام الذي كان مستشارا للشيخ، وشارك في كتابة الدستور المصري في اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور المصري وتعديله عاميْ 2012 و2013 وشارك في صياغة عدد من وثائق الأزهر الشريف في الفترة ما بين 2011 و2018، وهي الوثائق التي أَعْلَتْ من شأن الحريات وتطلعات الشعوب نحو الحرية، ورغم الضغوط المتوالية رفض الشيخ الطيب هذه الطلبات كلها. ثم جاء الصدام العلني الأقوى والأبرز في مسألتيْ: الطلاق الشفهي، وتعديل مشروع قانون الأوقاف.
في مسألة الطلاق الشفهي، تحدث السيسي، في أثناء الاحتفال بعيد الشرطة في 24 كانون الثاني/ يناير 2016، عن تزايد حالات الطلاق، فاقترح منع الطلاق الشفهي وحصْر الطلاق في الحالات الموثقة فقط، ثم توجَّه، باقتراحه ذلك إلى شيخ الأزهر على الهواء، ثم قال له: "تعبتني يا فضيلة الإمام". وبعد أكثر من عام من صمت الأزهر العلني عن المسألة، ورَفْضِه لها في الغرف المغلقة، اضطُر الأزهر لإصدار بيان بعنوان "بيان للناس"، وهذا العنوان نادر الصدور عن المشيخة، ولا يصدر إلا في الأمور الكبرى، فـ"هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف هي المرجعية العلمية العليا المسؤولة عن البت في المسائل الدينية، والقضايا الاجتماعية ذات الطابع الأخلاقي التي تواجه العالم والمجتمع المصري، وكذا البت في المسائل المستجدة في حياة الناس على أساس شرعي"، كما يقول أمينها العام الحالي الشيخ عباس شومان.
أصدر الأزهر بيانه القاسي يوم 8 من جمادى الأولى 1438هـ الموافق 5 من شباط/ فبراير 2017م، وجاء فيه: "وترى هيئة كبار العلماء أنَّ ظاهرةَ شيوع الطلاق لا يقضي عليها اشتراط الإشهاد أو التوثيق، لأن الزوجَ المستخفَّ بأمر الطلاق لا يُعيِيه أن يذهب للمأذون أو القاضي لتوثيق طلاقه (..) وأنَّ العلاج الصحيح لهذه الظاهرة يكون في رعاية الشباب وحمايتهم من المخدرات بكلِّ أنواعها، وتثقيفهم عن طريق أجهزة الإعلام المختلفة، والفن الهادف".
وفي إشارة نبيهة، اختتُم البيان بقولهم: "وتتمنَّى هيئةُ كبار العلماء على مَن يتساهلون في فتاوى الطلاق، على خلاف إجماع الفقهاء وما استقرَّ عليه المسلمون، أن يُؤدُّوا الأمانةَ في تَبلِيغ أحكامِ الشريعةِ على وَجهِها الصحيح، وأن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حل مشكلاتهم على أرض الواقع؛ فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم". والجملة الأخيرة في غاية الأهمية.
انتهت هذه المرحلة بتربّص نظام السيسي بالمشيخة، فخرجت تسريبات تؤكد تغيير المواد المتعلقة بالأزهر في الدستور، قبيل التعديلات الدستورية عام 2019، وطُرحت المواد المقتَرَح تعديلها في الإعلام المصري، دون إعلان رسمي، لكن معلوم أن الإعلام المصري لا يتحرك إلا وفق تعليمات، وبانضباط شديد لا يتجاوز النصوص المرسَلَة من الجهات الأمنية. وفي النهاية لم تُدرَج مواد الأزهر في مشروع الدستور، ولم تكن هناك معلومة واضحة عن سبب سحب المواد من مشروع التعديل.
لم تتوقف محاولات تقييد الأزهر، فاقترح مجلس النواب عام 2020 تشريعا تصبح وفْقَهُ تبعية دار الإفتاء لوزارة العدل المصرية لا الأزهر الشريف، ورغم رفض الأزهر للمشروع، قرر المجلس مناقشة التشريع، فأرسل الشيخ الطيب ليلة المناقشة خطابا إلى المجلس يطلب فيه حضور المناقشة، ليضطر المجلس إلى سحب المشروع.
ثم أعاد السيسي قضية الطلاق الشفهي إلى الواجهة في احتفالية الأسرة المصرية آذار/ مارس 2023، فأعلن بنفسه عن إفتاء ديني، ولم يُرضِه قول "هيئة كبار العلماء"، أي أكبر وأنبه علماء الديار المصرية من مختلف المذاهب الفقهية، ثم انبرى في جرأة فاجعة بقوله: "إن كان في المسألة [عدم الاعتداد إلَّا بالطلاق الموثَّق] إثم فأنا من يتحمله". وكتب صاحب هذه السطور -وقتها- أن كلامه "يُشبه في حُمقه قول المشركين للنبي "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم". والتشبيه هنا في الحماقة فقط لا في الإيمان والكفر؛ فهم إن كانوا ذوي عقل لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "فاهدنا"، لكنهم طلبوا العذاب فنالوه، ومثلهم هذا الذي يُعارض قول كبار العلماء ثم يقول بجرأة: "أنا أحمل الإثم"، فلْيَنَلْه بجرأته وذهاب عقله".
الآن تتجدد محاولات النظام السياسي تجاهل الأزهر، أو تحجيم دوره القانوني والدستوري والديني أيضا، على خلفية مقترح مشروع الأحوال الشخصية. ومعلوم أن مسألة الأحوال الشخصية تخضع للتشريعات الدينية، وهو ما فعله النظام المصري في مسألة الأحوال الشخصية للمسيحيين، فعَرَضَ المشروع على الكنائس، وهذا حق طبيعي وليس منَّة من أي طرف، أما أحوال المسلمين الشخصية، فلم يعرض النظام على الأزهر مشروع القانون، وفق بيان الأزهر الرسمي 18 أيار/ مايو الجاري!
في مقابل هذا السلوك، نجد المعارضة المصرية منشغلة بنفخ النيران الإعلامية، ووضْعِ الأزهر في موقع المعادي للنظام السياسي، والحقيقة أن الأزهر لا يريد أن يقف موقف المعارضة من النظام السياسي ولا المؤيِّد له، بل كل ما يريده ويتغيَّاه أن يحفظ على المسلمين دينهم وعبادتهم، لكن للأسف تنشغل المعارضة بتحقيق مكسب "إعلامي" على حساب المكسب الحقيقي المتعلق بمصلحة المجتمع في أن تحفظ المؤسسة عليه دينه. ويجدر التأكيد بأنه مكسب إعلامي، إذ إن تبعات الخلاف لن تُسقط النظام السياسي، بل ربما تُسقط المؤسسة وشيخها أمام ضربات النظام القمعية، وآنَ للمعارضة أن تتوقف عن دور لا يُستبعَد وصفُه بالمشبوه، والرغبةِ في تصفية الحسابات نتيجة حضور الشيخ الطيب بيان الانقلاب في تموز/ يوليو 2013، ورغم ما يمكن قوله في الواقعة وما ارتبط بها وما لحقها من مواقف أخرى، فإن المحصِّلة أن الشيخ جانبَه الصواب في هذا الموقف، لكن ما يعني المهتمِّين بالمسألة الدينية ألا ينهدم دور الأزهر نتيجة الرغبة في تصفية الحسابات، أو تحقيق مكسب لن يكون له أثر في الواقع المصري إلا بالسَّلْب فقط.
من هنا يتجدد النداء لجميع الأطراف بأن ترفع أيديها عن الأزهر، وتتركه مؤسسة جامعة للأمة كلها، لا للمصريين فقط، بل للأمة كلها بجميع طوائفها المذهبية والدينية أيضا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.