لماذا فشلت خطة إنقاذ الدينار الليبي؟
تاريخ النشر: 14th, November 2025 GMT
طرابلس- بعد عام على خطة البنك المركزي الليبي لإعادة تنظيم السياسة النقدية وضبط سعر الصرف وتنظيم السياسة النقدية، أظهرت المؤشرات أن النتائج جاءت محدودة للغاية، فالدينار لم يتحسن، وشح السيولة استمر بوتيرة غير مسبوقة، بينما واصلت المصارف التجارية مواجهة أزمات متكررة.
وكشف محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى العام الماضي عن خطة لضبط سعر الصرف وتفعيل لجنة السياسة النقدية بعد سنوات من الجمود، بهدف استعادة ثقة المواطنين في الدينار، ودعم قيمته، واحتواء التضخم الذي بات هاجسا يوميا في حياة الليبيين.
وتضمنت الخطة التي أعلن عنها في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي -في الاجتماع الأول منذ أكثر من 10 سنوات- ما يلي:
إبطال التعامل بالأوراق النقدية القديمة من فئتي 20 دينارا و50 دينارا. فتح المجال أمام شركات صرافة جديدة. تحريك عملية صرف المرتبات عبر فروع المصارف التجارية. إدخال إصلاحات عميقة في آلية صرف السيولة، إذ أعلن مصرف ليبيا المركزي في الشهر نفسه نقل اختصاص "الموزّع الوطني"، الجهة المكلفة بتوزيع النقد على المصارف التجارية لتكون تحت إشراف مباشر من المصرف المركزي، في خطوة تهدف إلى تعزيز السيطرة على السيولة وتوحيد آليات التوزيع الميداني.أما الفجوة بين السعر الرسمي للدينار وسوق الصرف الموازية فقد تجاوزت 20%، وحدد مصرف ليبيا المركزي في نشرته لشهر أكتوبر/تشرين الأول 2025 سعر الدولار بنحو 5.38 دنانير ليبية، بينما تراوح سعره في السوق الموازية بين 7.35 و7.50 دنانير، وفق بيانات متداولي العملات في طرابلس وبنغازي، الأمر الذي يعكس استمرار ضعف أدوات السياسة النقدية وتداخلها مع القوى السياسية.
يعزو خبراء بطء الإصلاح النقدي إلى الطبيعة المعقدة للسلطة في ليبيا، ويقول المصرفي نعمان البوري -في حديث للجزيرة نت- إن المصرف المركزي يعتقد أن الطلب على النقد الأجنبي سببه وفرة السيولة، لكن الحقيقة أن هذا الطلب ناتج عن تمويل بالعجز أي بطباعة أوراق نقدية من دون غطاء.
إعلانويضيف أن سحب نحو 47 مليار دينار (8.6 مليارات دولار) من السوق لم يقلل السيولة فعليًا، بل أعاد هيكلة الكتلة النقدية من تداول فعلي إلى أرصدة مصرفية، مما عمّق أزمة الثقة لدى المواطنين.
ويوضح أن محاولة فرض الدفع الإلكتروني خطوة ضرورية، لكنها ليست حلا سحريا، إذ تحتاج إلى إستراتيجية واضحة وزمن كافٍ لتغيير سلوك السوق، مؤكدا أن تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي يتطلب تنسيقا صارما بين السياسات النقدية والمالية ووقف أي تمويل بالعجز.
غياب الخططمن جانبه، يرى الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي، مؤسس سوق المال الليبي، أن الواقع يعكس غياب خطة حقيقية لإنقاذ الدينار، موضحا أن كثيرا من إجراءات المصرف المركزي أقرب إلى ردود فعل إدارية منها إلى سياسة إصلاحية متكاملة.
ويضيف الشحومي أن تعدد الحكومات والإنفاق غير المنضبط شكّلا ضغطا هائلا على العملة المحلية، مشيرا إلى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من التحكم في الإيرادات النفطية وتنفيذ إصلاح مالي شامل للدولة.
أما الكاتب الاقتصادي إبراهيم السنوسي، فيرى أن تعدد سلطات الصرف والرقابة المالية يحول دون تنفيذ أي إصلاحات عميقة، موضحا أن تداخل مراكز القوة يُقيد استقلالية المصرف المركزي ويجعل الإجراءات المتخذة سطحية.
ويضيف أن استمرار الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي يخلق بيئة مضاربات مستمرة تؤثر مباشرة في القدرة الشرائية للمواطنين.
أرقام تكشف الواقع السيولة لدى البنوك: تشير بيانات مصرف ليبيا المركزي إلى أن البنوك تمتلك فائضا يقارب 50 مليار دينار (9.15 مليارات دولار) بداية عام 2025، لكنه غير متداول بشكل واسع بين المواطنين، مما يقلص أثره على النشاط الاقتصادي اليومي. معدل التضخم: ارتفع التضخم في ليبيا خلال 2024، وفق تقديرات البنك الدولي، إلى نحو 15%، مما أثر على القدرة الشرائية للمواطنين وجعل أي تدخل نقدي محدود الأثر. الإنفاق العام: أظهرت البيانات الرسمية أن الإنفاق العام حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2024 بلغ نحو 77 مليار دينار (14.1 مليار دولار)، مع اعتماد كبير على النفقات الجارية مقابل ضعف الاستثمار الإنتاجي، مما يزيد من الضغوط على السياسة النقدية.تُظهر تجربة ليبيا أن أي خطة نقدية قصيرة المدى لا تكفي في غياب استقرار سياسي ومؤسسي شامل؛ فالإصلاح المالي الحقيقي، وفق خبراء الاقتصاد، لا يمكن أن يتحقّق من دون استقلالية حقيقية للمصرف المركزي وقدرته على إدارة السيولة بمعزل عن تجاذبات السلطة.
وبين محاولات الإصلاح النقدي المتكررة واستمرار الانقسام السياسي، تبدو ليبيا محاصَرة في معادلة مزدوجة: دولة نفطية تملك موارد ضخمة، لكنها عاجزة عن حماية عملتها أو استقرار نظامها المصرفي.
ورغم القرارات والإجراءات التي استهدفت ضبط السوق واستعادة الثقة في الدينار، لا يزال المواطن الليبي يرزح تحت وطأة أزمة السيولة وارتفاع الأسعار التي تؤثر مباشرة على تفاصيل حياته اليومية.
ويبقى السؤال، هل يمكن لأي خطة نقدية أن تنجح قبل تحقيق استقرار سياسي ومؤسسي حقيقي، أم أن إنقاذ الدينار الليبي سيظل رهين تسوية شاملة تعيد للدولة مركز قرارها المالي؟
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات مصرف لیبیا المرکزی السیاسة النقدیة المصرف المرکزی
إقرأ أيضاً:
ربنا سخرني.. سائق التريلا يروي لحظات إنقاذ سيارة القطن من الانقلاب على طريق المحلة
كشف عماد جلال، سائق التريلا الذي تمكن من إنقاذ سيارة نقل محملة بالقطن من الانقلاب على طريق المحلة، تفاصيل الواقعة، مؤكدًا أنه تصرف بشكل تلقائي لإنقاذ السائق والسيارة، دون أن يفكر في أي خسائر قد تلحق بمركبته.
وقال عماد جلال، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «من ماسبيرو» المذاع على القناة الأولى، إنه فوجئ أثناء عودته من طريق المحلة بسيارة «جامبو» محملة بالقطن تعرضت لعطل فني في نظام التعليق، ما تسبب في ميلها بشكل كبير وكاد يؤدي إلى انقلابها.
وأضاف: «وأنا راجع من طريق المحلة فوجئت بسيارة جامبو محملة قطن فيها عطل فني في العفشة وكانت مايلة جامد وكانت هتنقلب، وربنا سخرني لإنقاذه وأنقذنا العربية».
«مكنتش خايف على عربيتي»وأكد أنه لم يتردد في التدخل لإنقاذ السيارة، ولم يكن يشغل باله ما قد يحدث لشاحنته، قائلاً: «مكنتش خايف إن عربيتي يحصل فيها أي حاجة، والحمد لله أنقذنا العربية الجامبو قبل ما تتقلب».
وتطرق عماد جلال إلى الفيديو المتداول للواقعة، موضحًا: «مشغلتش بالي بالفيديو المفبرك اللي معمول بالذكاء الاصطناعي، وأنا مكنتش عارف إني متصور».
رد فعل أهالي بلدتهوأشار إلى أن ما حدث لقي تفاعلًا واسعًا بين أهالي بلدته، مؤكدًا: «البلد كلها بتاعتي كانت مبسوطة باللي أنا عملته».
واختتم عماد جلال حديثه بالتأكيد أن ما قام به كان بدافع إنساني، بعد أن سخره الله لإنقاذ السيارة قبل انقلابها، مشيرًا إلى أن سعادة أهالي بلدته بما حدث كانت أكبر مكافأة له.