غزة - صفا يوافق يوم الجمعة، الذكرى الثالثة عشر لمعركة "حجارة السجيل" التي خاضتها فصائل المقاومة في مواجهة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. ففي 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، اغتال جيش الاحتلال نائب القائد العام لكتائب لشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة (حماس) أحمد الجعبري، إثر استهدافه مع مرافقه في غارة جوية، بينما كانا يستقلان سيارة وسط غزة.
وخلال عدوانه، قتل جيش الاحتلال 175 مواطنًا، منهم 43 طفلًا و18 مسنًا، فيما أصيب 1222 آخرين، بينهم 431 مواطناً و207 سيدات و88 مسنًا، في المقابل اعترف الاحتلال بمقتل خمسة إسرائيليين بينهم جندي وإصابة 240 آخرين. وادعى الاحتلال أنه دمر 19 مقرًا قياديًا ومركزًا للقسام، فيما هدم أكثر من 200 منزل سكني بشكل كامل و1500 منزل بشكل جزئي. في المقابل، أعلنت القسام أنها أطلقت 1573 قذيفة صاروخية على مواقع الاحتلال واستهدفت طائراته وآلياته، إضافة إلى استخدامها لأول مرة صواريخ بعيدة المدى ضربت حتى 80 كلم، ولأول مرة في تاريخ الصراع طالت مدينتي "تل أبيب" والقدس المحتلة. وكلفت صواريخ المقاومة حكومة الاحتلال نحو 30 مليون دولار لتشغيل نظام "القبة الحديدية" الدفاعية.
مرحلة جديدة وفتح اغتيال
الجعبري مرحلة جديدة في الصراع مع الاحتلال، كانت انطلاقتها في ضرب المقاومة لأول مرة مدينة "تل أبيب"، التي تعتبر مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا ومعنويًا استراتيجيًا لدى الاحتلال، بالصواريخ. وولد الشهيد الجعبري، عام 1960م، في مدينة غزة، واشتدّ عوده، على الهزائم النكراء للجيوش العربية، فأيقن تمامًا أن تحرير الأوطان لا يكون إلا بمقاومة صادقة، ورجال لا تخاف في الله لومة لائم. وطبعَ الجهاد والمقاومة كانت فطرية بداخل الجعبري، حيث اعتقل حينما كان يبلغ من العمر 18 عامًا بتهمة المشاركة في خلية مسلحة مقاومة الاحتلال. وحكم عليه بالسجن لمدة 13 عامًا؛ وتأثر خلال بشخصية وفكر القائد العام لكتائب القسام صلاح شحادة (اغتيل في صيف 2002) رغم الاختلاف التنظيمي بينهما آنذاك، وسريعًا ما انضم الجعبري لصفوف حركة حماس رغم كل الضغوطات التي لاحقته. وكرّس الجعبري وقته خلال اعتقاله في السجون المركزية في السنوات التسع الأولى من اعتقاله للاطلاع وخدمة المعتقلين، وقاد معهم عددًا من الإضرابات، وكان في كثير من الأحيان يمثل الأسرى أمام إدارة السجن التي تهابه لمواقفه القوية والحازمة. وفي مطلع عام 1994م؛ قررت سلطات الاحتلال الإفراج عن معتقلين فلسطينيين كبادرة حسن نية تجاه منظمة التحرير بعد توقيع اتفاقية أوسلو، شريطة أن يوقع المعتقل على تعهد بعدم "ممارسة الإرهاب والمقاومة" والالتزام بالاتفاقيات. إلا أن الجعبري رفض التوقيع مقابل الإفراج عنه، وقال آنذاك: "أمضيت في السجن 11 عامًا، وسأكمل العامين الباقين ولا يقال لي يومًا إن اتفاقية أوسلو هي التي أخرجتك من المعتقل، وإنك وقعت على تعهد بعدم ممارسة المقاومة، فلماذا نحن خلقنا واعتقلنا؟". وللجعبري دورُ كبير في ترتيب وقيادة العمل العسكري قبل وخلال انتفاضة الأقصى وتدرج في قيادة كتائب القسام ولعب دورًا لوجستيًّا كبيرًا، لاسيما بعد استشهاد القائد العام الشيخ صلاح شحادة. وشارك في زيادة تدريب وتسليح كتائب القسام بشكل كبير، وحوّلها برفقة إخوانه من مجموعات مسلحة إلى جيش شبه نظامي يتكون من تشكيلات قتالية نظامية. وخلال عمله العسكري، نجا من عديد محاولات الاغتيال، وكان أبرزها، عملية الاغتيال في 7 أغسطس 2004م حينما قصفت طائرة إسرائيلية منزل عائلته في حي الشجاعية شرق غزة، فاستشهد نجله محمد (23 عامًا) وشقيقه فتحي (38 عامًا) وصهره، وعدد من أقاربه، ومرافقه علاء الشريف (27 عامًا)، إلا أنه نجا من محاولة الاغتيال وأصيب بجراح طفيفة.
وفاء الأحرار لمع اسم الجعبري إعلاميًا، خلال عمليات التفاوض التي قادها نيابة عن القسام مع عدد من الوساطات العربية والدولية للإفراج عن الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط" الذي أسرته كتائب القسام عام 2006م، في عملية "الوهم المتبدد". ويؤكد موقع القسام أن الجعبري أظهر "صلابة وشراسة المفاوض القسامي، أمام المراوغات الصهيونية في كل جولة من المفاوضات التي استمرت لقرابة الخمس سنوات". ويلفت إلى أنه سعى برفقة إخوانه من قادة القسام، لإخراج العدد الأكبر من الأسرى القدامى وأصحاب المحكوميات العالية، وهذا ما حدث في أكتوبر 2011م، عند إتمام صفقة "وفاء الأحرار" بنجاح كبير. وبهذه الذكرى، قالت حركة المقاومة الإسلامية (حماس): إن "ذكرى الجعبري تمر في ظلال معركة "طوفان الأقصى" المباركة، والعبور المجيد الذي أسس له عبر مسيرة طويلة من الجهاد والإعداد ومراكمة القوة، وعينه ترنو نحو القدس والأقصى وحرية الأسرى". وأوضحت الحركة في بيان يوم الجمعة، أن القائد الجعبري أسهم بعد خروجه من السجن إلى جانب الشيخ الشهيد القائد صلاح شحادة، والشهيد القائد محمد الضيف في إحداث نقلة نوعية في تطور العمل العسكري لكتائب القسام بشكل خاص، والعمل الفلسطيني المقاوِم بشكل عام، ظهرت آثاره جلية واضحة في عمليات المقاومة خلال معركة الطوفان العظيم. وأضافت أن الجعبري أشرف علي العديد من العمليات النوعية، أبرزها عملية "الوهم المتبدد"، التي أسفرت عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في الخامس والعشرين من حزيران/يونيو 2006م، التي أوفت من خلالها المقاومة بوعد الحرية لأسرانا. وتابعت أن الجعبري أدار ملف التفاوض غير المباشر في صفقة "وفاء الأحرار" بنفس طويل ورباطة جأش، منتزعًا حرية 1027 أسيرًا جلهم من أصحاب الأحكام العالية، فكان الجعبري مداد حرية لا ينتهى لأسرانا، وليس أخيرًا حريتهم في "طوفان الأقصى". وأكدت حماس أن الجعبري رحّل شهيدًا على طريق الحرية، تاركًا إرثًا ونهجًا مقاوِمًا يسكن كل بندقية ومقاتل على طريق الحرية.
المصدر
المصدر: وكالة الصحافة الفلسطينية
كلمات دلالية:
الجعبري
غزة
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..