المهديّة.. صوفية السودان الذين هزموا جيش الخديوي
تاريخ النشر: 14th, November 2025 GMT
شهد السودان خلال القرن الـ19 تحولات عميقة بدأت مع غزو محمد علي باشا عام 1819، الذي جلب نظاما أشبه بالاستعمار أثقل كاهل السكان بالضرائب وأشعل السخط الشعبي، وتفاقمت أزماته في عهد الخديوي إسماعيل مع تزايد الديون وتدخل القوى الأوروبية، خصوصا بريطانيا التي أحكمت قبضتها على قناة السويس ومصر.
وفي ظل هذا المناخ من القهر والاضطراب السياسي، تبلورت الدعوة المهدية كحركة دينية إصلاحية واجتماعية ثورية قادها محمد أحمد المهدي، متغذية على استياء السودانيين من الفساد والظلم، وممهّدة لقيام دولة جديدة غيّرت مسار تاريخ السودان الحديث.
في أعقاب غزو محمد علي باشا للسودان عام 1819، خضعت البلاد لحكم اتسم بالعنف والجباية المفرطة وجلب العبيد، الأمر الذي أثار سخط السكان على الإدارة الجديدة، بينما تدهورت أوضاع الفلاحين والتجار تحت نظام ضريبي لا يراعي فترات القحط والمجاعة.
وقد جاء الخديوي إسماعيل إلى الحكم، فأغرقت سياساته مصر في الديون، ثم خضعت تدريجيا للنفوذ الأجنبي. وعندما سددت بريطانيا جزءا من ديونه مقابل السيطرة على أسهم قناة السويس، بدأت فعليًا مرحلة الهيمنة البريطانية على مصر والسودان.
وفي خضم هذه التطورات، عيّن إسماعيل الضابط البريطاني تشارلز غوردون حاكما على الأقاليم الاستوائية السودانية عام 1873، لكن غياب الدعم السياسي بعد سقوط إسماعيل دفع غوردون للاستقالة سنة 1880، ورغم تصاعد التوتر في السودان، أعلنت بريطانيا رسميا أنها غير مسؤولة عن أي عمليات عسكرية هناك.
ويرى كثير من المؤرخين أن جذور الثورة المهدية كانت تتمثل في الغضب الشعبي من حكم أسرة محمد علي، واستياء العلماء من فساد الإدارة وتولية غير المسلمين مناصب عليا.
أسهمت الطرق الصوفية في تغذية روح المقاومة بدعوى تطهير الدولة من الانحراف الديني، وفي تلك الأجواء ظهر محمد أحمد الذي سيتلقب بالمهدي، كما ترصد مريم منصور في دراستها "الحركة المهدية في السودان أصولها الفكرية ومعتقداتها".
إعلانوكما يذكر توفيق أحمد البكري في كتابه "محمد أحمد المهدي" فقد نشأ المهدي في بيئة دينية تقليدية، فحفظ القرآن الكريم في طفولته، وانضم لاحقا إلى إحدى الطرق الصوفية، حيث تلقى تعليمه الروحي على يد عدد من شيوخها.
وخلال تجواله في أنحاء السودان، شاهد ما وصفه بمظاهر الظلم والانحراف عن مبادئ الإسلام، فترسخ في نفسه الشعور بضرورة الإصلاح الديني والاجتماعي، ومع مرور الوقت أخبر المقربين منه بأن الله اختاره ليقيم العدل في الأرض وأنه "المهدي المنتظر".
وسرعان ما انتشرت دعوته في أرجاء البلاد، حتى وصلت أخبارها إلى حكمدار السودان رؤوف باشا، الذي بدأ يتوجس من تنامي نفوذها وتأثيرها الشعبي.
أمر الحكمدار رؤوف باشا بإرسال قوتين عسكريتين للقبض على محمد أحمد المهدي، وظنّ الجنود أنهم ذاهبون لإيقاف درويش أعزل، لكنهم فوجئوا بانتظار المهدي وأتباعه الذين بايعوه على القتال حتى الموت.
تصدى أنصار المهدي للقوة المهاجمة بكمين محكم وقضوا عليها تقريبا، ولم ينجُ سوى قلة عادت إلى الباخرة تحمل أنباء الهزيمة، وقد اعتُبرت معركة جزيرة أبا في 12 أغسطس/آب 1881 الشرارة الأولى لاندلاع الثورة المهدية في السودان.
انهيار الحكم المصريأشعلت هزيمة قوات الحكومة في جزيرة أبا حماس أتباع المهدي، وزادت من إيمانهم بمكانته وقيادته، حتى اعتبرها كثير من السودانيين كرامة إلهية تؤكد صدق مهديته، وسرت بين الناس روايات عن معجزات أنصاره.
ولخشية انتقام السلطة، انسحب المهدي جنوبا إلى جبال النوبة في كردفان، تاركا قيادة إقليم الجزيرة للأخوين عامر وأحمد المكاشفي.
ردّت الحكومة المصرية على تمرد المهدي وأنصاره بحملة قمع واسعة، فاعتقلت ذويهم وعذّبتهم للانتقام منهم، وكان من بين المعتقلين عامر المكاشفي في سنار، بينما كان شقيقه الشيخ أحمد قد التحق بالمهدي في قدير، وتعرّض عامر لأصناف من التعذيب حتى اضطر إلى دفع فدية مالية للإفراج عنه، فخرج من السجن ناقمًا على السلطة ومصممًا على الانتقام.
وكما يذكر عبد الرحمن الرافعي في كتابه "مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال" فقد نجح عامر بعد الإفراج عنه في حشد قبائل رفاعة الهوى ضد الحكومة، وقادهم في هجوم مباغت على سنار، وتمكّن من دخولها قبل أن ينسحب متأثرا بجراحه، لكنه حاصر المدينة وقطع خط التلغراف الواصل إلى الخرطوم.
وأرسلت الحكومة قوة من الكوة على النيل الأبيض بقيادة صالح ود الملك، ففكّت الحصار عن سنار وطاردت المكاشفي، حتى هزمته وأجبرته على التراجع إلى منطقة قدير، وقد رفعت هذه الانتصارات مؤقتا معنويات القوات الحكومية، قبل أن تتبدد مجددا إثر هزيمتها الساحقة في معركة الشلالي.
يذكر نعوم شقير في كتابه "تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته" أن محمد سعيد باشا مدير كردفان وقتئذ حاول مطاردة المهدي أثناء انسحابه نحو الجنوب، لكنه سرعان ما تراجع بسبب صعوبة التضاريس وضعف قواته، فعاد إلى الأُبيض، لتقرر الحكومة تأجيل الملاحقة إلى ما بعد موسم الأمطار.
وقد واصل المهدي مسيره حتى بلغ جبال تقلي، ومنها إلى جبل قدير الذي أسماه "ماسة" استنادا إلى روايات متوارثة عن ظهور المهدي فيه، هناك وجد الملاذ الآمن، فكرّس وقته للدعوة وتنظيم صفوفه، وجذب أتباعا جدُدًا أطلق عليهم اسم "الأنصار" في اقتباس رمزي من سيرة النبي ﷺ، وهو الاسم الذي بقي ملازمًا لهم حتى اليوم.
إعلانحينئذ تحرك راشد بك مدير فشودة، بفرقة عسكرية لمباغتة المهدي في قدير، لكنها وقعت في كمين محكم في التاسع من ديسمبر/كانون الأول 1881 انتهى بإبادتها بالكامل، وقد أثارت هذه الهزيمة ذعر الحكومة، فأدركت حجم الخطر المتنامي، فعزلت رؤوف باشا من منصبه في مارس/آذار 1882، وعيّنت عبد القادر باشا وزيرا لشؤون السودان في حكومة الخديوي.
وكما يذكر نعوم شقير في كتابه السابق سرعان ما أصدر عبد القادر باشا أوامره بمغادر يوسف بك الشلالي الخرطوم على رأس حملة تضم 4 آلاف جندي، واتجه إلى الكوة على النيل الأبيض في انتظار تعزيزات من الأُبيض، حتى بلغ جيشه 6 آلاف مقاتل، ثم تحرك نحو فشودة ومنها إلى جبل قدير، إلا أن معنويات قواته كانت متدهورة بسبب طول الانتظار وسوء الإمدادات وكثرة حالات الفرار.
وبعد مسيرة مرهقة عبر المستنقعات والأوحال استغرقت 16 يوما، وصل الجيش المنهك إلى مشارف معسكر المهدي في 22 مايو/أيار 1882، وهنالك أقام الجنود معسكرا ضعيف التحصين، فشنّ المهدي وأنصاره هجوما مباغتا عند الفجر، فذبحوا الجنود النائمين في ساعات معدودة، مُلحقين بالحملة هزيمة ساحقة.
أدت الكارثة إلى استنفار الحكمدار الجديد الذي بدأ في سحب الحاميات إلى الخرطوم وتوسيع عمليات التجنيد والتدريب، وأرسل ألف جندي لتعزيز الأبيض معقل الحكومة في كردفان، وفي المقابل ظل المهدي في قدير يستقبل وفود القبائل المتحالفة معه، وقد رأت الجماهير في انتصاراته الثلاثة المتتالية دليلًا على صدق دعوته وكراماته، فاشتعلت الثورة المهدية في أنحاء السودان.
توسّع نفوذ المهدي سريعا في كردفان فسيطر على مناطق البركة والدلنج، وحاصر الأبيض بجيشٍ قارب 30 مقاتلا، حيث أحكم مدير الإقليم محمد سعيد باشا تحصين المدينة، لكن المهدي هاجمها في سبتمبر/أيلول 1882 دون نجاح، لتُسجّل الأبيض أول هزيمة للمهدية.
وقد أدرك المهدي خطأه فانتقل إلى أسلوب الحصار الطويل حتى استسلمت منطقة بارا في يناير/كانون الثاني 1883، وتبعتها الأبيض بعد أيام، لترسخ سيطرته على الإقليم.
أسوأ جيشوكما يقول محمد مهري كركوكي في كتابه "رحلة مصر والسودان" فقد ردّت الحكومة المصرية الخاضعة للنفوذ البريطاني بإرسال حملة من 8 آلاف جندي -أغلبهم من فلول جيش أحمد عرابي- يعانون ضعف الانضباط وسوء المعاملة قادها الضابط البريطاني هكس باشا بمساعدة عدد من الضباط الأوروبيين، وسط خلافات حادة مع القيادات المصرية في السودان.
تحركت الحملة نحو كردفان بعد تدريب قصير، لكنها تاهت في الصحراء بسبب تضليل الأدلاء ونفاد المياه، بينما كان أنصار المهدي يردمون الآبار ويشنّون هجمات متقطعة لإنهاكها.
وفي الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 1883، باغت عبد الرحمن النجومي -أحد قادة الحركة المهدية- الجيش المنهك في شيكان بسهول كردفان وأباده بالكامل تقريبا، ليحقق المهدي أحد أعظم انتصاراته ويكرّس قيام دولته الثورية في السودان.
اتفق المؤرخون على أن جيش هكس باشا كان محكوما عليه بالهزيمة منذ لحظة انطلاقه، فقد وصفه تشرشل في كتابه المبكر "حرب النهر تاريخ الثورة المهدية" بأنه أسوأ جيش سار على وجه الأرض، جيش بلا تدريب ولا انضباط ولا رواتب، تجمعه روابط أضعف مما تجمعه بأعدائه.
شكّلت هزيمة شيكان انتصارا مدويا للمهدي، إذ استولى أنصاره على كميات ضخمة من السلاح والذخائر، وأقنعت انتصاراته كثيرا من المترددين بصحة دعوته، فسهل عليهم عقب ذلك إسقاط غرب السودان ودارفور في قبضتهم.
أدركت حكومة الخرطوم فداحة الخطر الذي يهدد وجودها، بعدما فرغت البلاد من القوات القادرة على الدفاع عنها، فبدأت الحاميات بالانسحاب نحو الخرطوم تمهيدا للرحيل إن لم تصل تعزيزات من مصر، في حين سارع عدد من كبار المسؤولين إلى ادعاء المرض طلبا للعودة إلى القاهرة قبل انهيار الحكم المصري في السودان.
إعلانفي المقابل، شكّل تمدد الأنصار في الغرب، وتصاعد نفوذ الهدندوة في الشرق، تهديدا مباشرا لطرق الاتصال مع مصر، مما عزل الحاميات في الخرطوم وكسلا وسنار وسواكن.
مع تصاعد الخسائر قررت الحكومة البريطانية إنهاء الوجود التركي المصري في السودان، حيث كلّفت لندن الجنرال تشارلز غوردون، الذي أعيد إلى منصب الحاكم العام، بتنظيم عملية الانسحاب الشامل للقوات والموظفين الأتراك والأجانب من البلاد.
يذكر رودولف سلاطين باشا الحاكم النمساوي الأصل لإقليم دارفور باسم الخديوية المصرية ثم الإنجليز فيما بعد في كتابه "السيف والنار في السودان" أن الجنرال تشارلز غوردون عندما وصل إلى الخرطوم في فبراير/شباط 1884، أدرك سريعا استحالة إنقاذ الحاميات المعزولة داخل السودان، فطالب بإرسال تعزيزات من مصر لفك الحصار.
واقترح غوردون تعيين الزبير باشا خصمه القديم المعروف بكفاءته العسكرية، حاكما على السودان ليكون بديلا محليا عن المهدي، لكن الحكومة البريطانية رفضت خطته، متمسكة بقرار الانسحاب، ومع تدهور الأوضاع حذّر غوردون من أن انتصار المهدية سيهدد أمن مصر ويشجع التمرد في مناطق أخرى.
وأدى تصاعد التعاطف الشعبي في بريطانيا مع غوردون إلى اضطرار رئيس الوزراء وليم غلادستون لإرسال قوة إغاثة بقيادة اللورد غارنت ولسلي، حيث تحركت قوة عبر صحراء البيوضة، لكن قبائل الهدندوة السودانية ألحقوا بها خسائر فادحة في معركة أبو طليح.
وحين وصلت طلائع الحملة النهرية إلى الخرطوم في 28 يناير/كانون الثاني 1885، اكتشفت أن المدينة سقطت قبل يومين فقط، حيث كان أنصار المهدية قد اقتحموا الخرطوم، وذبحوا حاميتها، وقتلوا غوردون باشا وقطعوا رأسه وقدموه إلى المهدي في واحدة من أسوأ هزائم الإنجليز في أواخر القرن الـ19.
وقد تتابع سقوط كسلا وسنار بعد ذلك، ولم يبقَ تحت السيطرة الأنجلو مصرية سوى سواكن ووادي حلفا على الحدود الشمالية، وبعد 6 أشهر من سقوط الخرطوم لم يترك القدر للمهدي فرصة لتوسع دولته، حيث وافته المنية في 22 يونيو/حزيران 1885 بحمى التيفوس، تاركا إدارة الدولة الناشئة لخلفائه الثلاثة الذين اختارهم اقتداء بالنبي ﷺ.
بعد وفاة المهدي تفاقم الصراع بين خلفائه، وتمكن عبد الله بن محمد، المعروف بلقب الخليفة عبد الله التعايشي، من حسم السلطة لصالحه عام 1891 بمساندة قبائله البقارة الموجودة بإقليم دارفور، فأصبح الحاكم المطلق للدولة المهدية، وقد أزاح الخليفة أسرة المهدي وعددا من أنصاره القدامى، وبدأ في بناء نظام حكم مركزي قائم على الطاعة وإقامة الشريعة.
وبعد تثبيت سلطته شكّل التعايشي إدارة مركزية وعيّن أمراء على الأقاليم، كما أنشأ ورشا لتصنيع الذخيرة وصيانة الزوارق، واعتمد على فكرة الجهاد لتوسيع نفوذ المهدية، فدخل في نزاعات مستمرة مع الجوار.
ورفض التعايشي عرض تحالف من إمبراطور الحبشة يوحنس الرابع ضد الأوروبيين، بل غزا جيشه إثيوبيا عام 1887 ووصل إلى منطقة قوندر قبل أن ينهك موارده في حرب طويلة، وفي 1889، قُتل يوحنس ملك إثيوبيا في معركة جالابات مع المهديين، لينسحب الإثيوبيون بعد معارك دامية كما يذكر محمد سعيد القدال في كتابه "الإمام المهدي أحمد بن عبد الله".
وكان من اللافت -كما يقول عبد الغفار محمد علي في كتابه "أثر العوامل السياسية والاقتصادية في سقوط دولة المهدية"- سَعي الخليفة التعايشي أيضا لغزو مصر، فقاد عبد الرحمن النجومي جيشا كبيرا شمالا، لكن الحملة انتهت بهزيمة قاسية في معركة توشكى عام 1889 على يد القوات المصرية المدعومة بريطانيا، لتتبدد انتصارات المهدية العسكرية.
بعد ذلك، شهد السودان في عهد التعايشي فترة من الاضطراب السياسي والانهيار الاقتصادي. وقد استنزفت حروبه موارد الدولة وأضعفت نفوذها.
وظل الجيش المهدوي عاجزًا عن مجاراة التفوق العسكري البريطاني، واستغل الإنجليز ذلك لإعادة احتلال السودان من خلال حملة كيتشنر التي استطاعت أن تحتل العاصمة الخرطوم في سبتمبر/أيلول 1898 وهي المعركة التي عرفت تاريخيا باسم "كرري" ولدى الإنجليز باسم "معركة أم درمان".
وكما يذكر عبد الرحمن الرافعي، فقد أبرمت الحكومتان المصرية والبريطانية اتفاقية نصّت على السيادة المشتركة على السودان، عُرفت باسم اتفاقية كرومر بطرس نسبة إلى اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر، وبطرس غالي ناظر الخارجية المصرية آنذاك، واحتفظت لندن بالسلطة الفعلية في الإدارة والجيش، بينما ظلت السيادة المصرية رمزية.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات محمد أحمد المهدی إلى الخرطوم عبد الرحمن فی السودان المهدی فی ت الحکومة کما یذکر فی معرکة محمد علی فی کتابه
إقرأ أيضاً:
د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.
لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.
إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟
لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!
وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.
إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.
كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».
وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.
ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.