السودان يقدم حزمة استثمارات لتركيا بينها مصفاة حديثة للذهب
تاريخ النشر: 14th, November 2025 GMT
متابعات تاق برس- انقرة – كشفت وزارة المالية عن تقديم حزمة من الفرص الاستثمارية ذات الأولوية، للحكومة التركية وعلى رأسها إعادة تأهيل الكباري والطرق، وتطوير شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ومشروعات إدارة النفايات والتحويل إلى طاقة، وإنشاء مناطق صناعية جديدة، بالإضافة إلى خطط إنشاء مصنع لإنتاج مكونات الطاقة الشمسية داخل السودان، ومصفاة حديثة للذهب بالشراكة مع الجانب التركي.
نظّمت سفارة جمهورية السودان في أنقرة لقاءً اقتصادياً مهماً جمع وزير الدولة بوزراة المالية والوفد المرافق له وقيادات اتحاد الغرف التجارية والصناعية والبورصات التركية، بحضور سفير السودان لدى أنقرة وعدد من المسؤولين الأتراك وممثلي القطاع الخاص وذلك في إطار الزيارة الرسمية التي يجريها وزير الدولة بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي المستشار محمد نور عبدالدائم إلى جمهورية تركيا، .
واكد مسؤولوا الغرفة التجارية التركية استعدادهم لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري مع السودان في المرحلة المقبلة.
كما قدّم ممثلو الاتحاد عرضاً مختصراً عن دور الاتحاد في تمثيل قطاعي التجارة والصناعة داخل تركيا وخارجها، وإسهاماته في الأطر الإقليمية والدولية ذات الصلة.
وأكد الوزير عمق الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمع بين الشعبين السوداني والتركي، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين شهدت في السنوات الأخيرة نقلة نوعية، وأن السودان ينظر إلى تركيا بوصفها شريكاً استراتيجياً في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وقدّم الوزير تنويراً مفصلاً عن الأوضاع في السودان بعد الحرب، مبيّناً حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، خاصة في العاصمة الخرطوم، ونزوح الملايين من المواطنين، وانتقال البلاد من مرحلة المساعدات الإنسانية إلى مرحلة إعادة الإعمار وتهيئة البيئة لعودة النازحين.
كما تطرّق الوزير إلى ملف العلاقات المصرفية مع تركيا، مشيداً باستئناف نشاط فرع بنك “زراعات” التركي في بورتسودان، داعياً إلى تعزيز التعاون المصرفي والتمويلي بما يسهّل حركة التجارة والاستثمار بين البلدين، وإلى النظر في إعادة هيكلة بعض المديونيات القائمة بما يتيح توجيه موارد أكبر نحو مشاريع التنمية والإعمار.
من جانبهم، أشاد مسؤولو اتحاد الغرف التركية بالتنوير الذي قدّمه وزير الدولة، وأكدوا أن السودان يُعد بلداً واعداً بما يمتلكه من موارد طبيعية وزراعية وبشرية، وبما يتيحه موقعه الجغرافي واتفاقياته التجارية، خاصة مع دول الكوميسا، من فرص كبيرة للصناعة التركية الراغبة في التوسع نحو إفريقيا.
وأبدى الاتحاد استعداده لتنظيم لقاءات قطاعية بين الوفد السوداني وشركات المقاولات والطاقة والصناعة في أنقرة، والعمل على تخصيص “يوم للسودان” في مقر الغرفة للتعريف بالمشروعات ذات الأولوية وجذب المستثمرين الأتراك.
واتفق الجانبان في ختام اللقاء على مواصلة التنسيق عبر سفارة السودان بأنقرة، وتبادل المعلومات وقوائم المشاريع، والتحضير لعقد منتدى اقتصادي استثماري سوداني – تركي خلال المرحلة القادمة، بما يسهم في رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين وتعزيز دور القطاع الخاص في دعم جهود السودان نحو التعافي وإعادة الإعمار.
الإستثمار مصفاة الذهبالسودانتركيا
المصدر
المصدر: تاق برس
كلمات دلالية: الإستثمار مصفاة الذهب السودان تركيا
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.