نسخة مليئة بالتحديات ومزيج متوازن من الصعوبات في رالي دكار 2026
تاريخ النشر: 14th, November 2025 GMT
باريس «أ.ف.ب»: ستُقدّم النسخة الثامنة والأربعون من رالي دكار الصحراوي والسابعة في المملكة العربية السعودية ويقام من 3 إلى 17 يناير المقبل، مسارا مليئا بالتحديات ومزيجا متوازنا من الصعوبات، وفقا لما كشفه المنظمون الأيام الماضية.
ويستقطب أصعب راليات الرايد الصحراوية 812 متسابقا يتوزعون بين 325 آلية، بينها 118 دراجة، لاجتياز قرابة 8 آلاف كيلومتر، منها 4900 كلم من المراحل الخاصة (13).
وقال مدير الرالي الفرنسي دافيد كاستيرا: "يبدو أن دكار سيكون مليئا بالتحديات"، على الرغم من أن الفرق لن تجتاز في النسخة الجديدة صحراء الربع الخالي الشاسعة التي تشتهر بصعوبتها.
وشدد القيّمون على الحدث انهم سعوا إلى إيجاد "التوازن في تصميم المسار، مع الحفاظ على معيار الصعوبة ذاته".
وتستضيف مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر غرب البلاد انطلاق وختام رالي دكار بضيافة السعودية منذ عام 2020، بعدما أقيم لسنوات طويلة في قارة إفريقيا قبل أن ينتقل إلى أميركا الجنوبية.
ومن بين تحديات المسار الذي يجمع بين الأجزاء السريعة والصخرية والكثبان الرملية، تنظيم مرحلتين ماراثونيتين (من 4 إلى 5 ثم من 9 إلى 10).
وكما هو الحال في عام 2025، لن يخوض المشاركون في فئتي السيارات "فيا" والدراجات النارية "فيم" المسار ذاته، على أن يبيتوا في مخيمات منفصلة أيضا.
وتقام المرحلة السادسة، وهي الأطول في الرالي بمسافة اجمالية تبلغ 920 كيلومترا، وتتضمن مرحلة خاصة "رملية وكثبان رملية 100 في المئة" بمسافة 331 كيلومترا، قبل يوم الراحة في الرياض في 10 يناير.
وأشار كاستيرا إلى أنه: "ستكون هناك الكثير من الكثبان الرملية، وسيقضي البعض الليل هناك أو حتى يصلون صباحا" إلى الرياض في حال واجهوا مشكلات.
وسيكون لعنصر الملاحة دورا مهما خلال اجتياز المرحلة الحادية عشرة بين بيشة والحناكية.
ويتحضر السائق المحلي يزيد الراجحي (تويوتا هايلوكس-أوفردرايف) الذي بات عام 2025 أول سعودي يفوز بدكار، للدفاع عن لقبه في مواجهة زميله وصيفه الجنوب إفريقي هينك لاتيغان (تويوتا غازو).
ويسعى القطري ناصر صالح العطية، الفائز باللقب خمس مرات والذي حلّ رابعا مع داسيا في النسخة الأخيرة، لدخول دائرة المنافسة على غرار السائق المخضرم الإسباني كارلوس ساينس، المتوج 4 مرات آخرها عام 2024.
ولم تكن مغامرة ساينس (63 عاما) ناجحة في النسخة الأخيرة حيث اقتصرت على مرحلتين فقط اثر تعرضه لحادث خلف مقود سيارته فورد رابتور.
وسيحاول أسطورة الراليات بطل العالم 9 مرات الفرنسي سيباستيان لوب (داسيا) الذي اضطر للانسحاب العام الماضي، أن يفك النحس الذي يلازمه في دكار خلال مشاركته العاشرة.
ويعود "مستر دكار" الفرنسي ستيفان بيترهانسيل إلى الصحراء بعد غيابه عن النسخة الأخيرة بهدف تعزيز سجله القياسي في عدد الانتصارات والتي تبلغ 14 لقبا، منها 6 في فئة الدراجات النارية.
ويجلس بيترهانسيل، في مشاركته السابعة والثلاثين في سن الـ 60 عاما، خلف مقود لاند روفر ديفندر، الوافد الجديد على المنافسة ضمن فئة "ستوك" لسيارات الانتاج المعدلة، وقال بيترهانسيل: "لقد حفّزني التحدي، لكن لا ينبغي أن نعتقد أننا سنفوز بلقب الفئة بسهولة".
وفي فئة الدراجات النارية، سيواجه الأسترالي دانيال ساندرز (كيه تي أم)، حامل اللقب، مهمة شاقة في مواجهة الفرنسي أدريان فان بيفرين صاحب المركز الثالث في النسحة الماضية والأميركي ريكي برابيك (هوندا)، الفائز بنسخة 2024.
ويشكّل رالي دكار الجولة الأولى من بطولة العالم لراليات الرايد الصحراوية (دبليو2 آر سي) التي تتضمن 5 جولات.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: رالی دکار
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.