في عالم تتقاطع فيه التكنولوجيا مع الأيديولوجيا، برزت الجماعات الدينية المسَيَّسة كلاعبٍ خفيّ يشنّ حروبًا ناعمة أخطر من النزاعات التقليدية. حربٌ بلا مدافع، لكنّها قادرة على نسف استقرار دول، وتفكيك مجتمعات، ودفع شعوب كاملة نحو سيناريوهات الخراب التي شهدها اليمن وليبيا وسوريا وغزة. 

إنها حروب الظلّ التي تتحرك خارج الحدود، وتستخدم منصّات رقمية، وحسابات وهمية، وتقنيات ذكاء اصطناعي، لتصنيع رأي عامٍّ مزيف ولإعادة تدوير خطاب قديم بقوالب جديدة.

اليوم لا تخوض هذه الجماعات معاركها في الميدان، بل في فضاء رقمي واسع يتيح لها التخفي الكامل خلف هويات مصطنعة، وتجنيد المتعاطفين، وتوجيه حملات التشويه ضد الدول المستقرة. التحول من “المنبر” إلى “الخادم الإلكتروني” لم يكن تطورًا طبيعيًا فحسب، بل خطة منظّمة نُسجت بعناية لخلخلة الثقة بين الشعوب ودولها، وتفكيك منظومات السلم الأهلي عبر موجات متتالية من التضليل المعلوماتي.

التجارب المريرة في الإقليم ليست ببعيدة. فاليمن، الذي كان نموذجًا لتعايش اجتماعي، تحوّل مع صعود الميليشيات إلى ساحة اقتتال بلا نهاية. وليبيا، التي هُدمت دولتها على يد الجماعات المسلّحة، أصبحت مركزًا لتجارة البشر والسلاح. وسوريا التي استبيح فيها الوعي قبل الأرض، دفعت أثمان التضليل والتحريض والاصطفاف. أمّا غزة، فقد تحولت إلى ورقة في أيدي الفاعلين الخارجيين، تُستنزف فيها حياة الأبرياء تحت شعارات تُدار من غرف مظلمة.

المعادلة لا تتوقف عند حدود الدول العربية. فالجماعات العابرة للحدود نسجت لنفسها ممراً ضخماً في قلب الصحراء الكبرى، يمتد من تندوف إلى الرڨان، مرورًا بممرات الطوارق والأزواد، وصولًا إلى ساحل إفريقيا الغربية. هناك، في تلك الجغرافيا القاسية، تُدار شبكات الإرهاب والمخدرات والتهريب، وتُجمع الأموال، وتدرَّب الخلايا، وتُبنى اقتصادات سوداء تحوّلت إلى شريان حياةٍ للجماعات التي فقدت حضورها في المدن فاتجهت إلى العراء المفتوح.

تحت غطاء “النضال الرقمي” تُطلق هذه الجماعات موجات تضليل تستهدف الدول التي تبني الاستقرار والتنمية، وفي مقدمتها الإمارات، التي باتت نموذجًا ملهِمًا في المنطقة، ومصدر إزعاج للمشاريع الهدّامة. فاستقرار الإمارات، ونجاح نموذجها التنموي، وبناءها لدبلوماسية سلام نشطة، جعلها هدفًا لحملات منظمة تستعمل أدوات الذكاء الاصطناعي، وحسابات وهمية، وصفحات مأجورة، بهدف خلق توازنات إعلامية مصطنعة توحي بوجود “رأي مخالف” يخدم أجندات خارجية.

ما يزعج الجماعات ليس خطاب الإمارات، بل قدرتها على الفعل:
قدرتها على بناء نموذج حداثي عربي متوازن، وعلى حماية أمنها، وعلى إدارة تحولات عالمية معقدة دون الوقوع في فخ الفوضى. ولذلك أصبحت الدولة هدفًا لعمليات تشويه رقمي، تُدار من بلدان تبني استراتيجيتها على إضعاف الدول العربية واستنزاف مقدراتها.

لكنّ الحرب الرقمية ليست قدرًا محتومًا. فالإمارات، بما تملكه من بنية أمنية رقمية متقدمة، ووعي شعبي صلب، وقدرة مؤسسية على إدارة الفضاء المعلوماتي، نجحت في كشف مصادر الحملات، وتعرية أساليبها، وتعزيز مناعة المجتمع ضد التضليل. النموذج الإماراتي اليوم ليس نجاحًا اقتصاديًا أو دبلوماسيًا فقط، بل نجاحٌ في صناعة الوعي وفي تطويق الحروب غير التقليدية قبل أن تتسلل إلى النسيج الاجتماعي.

لقد دخلت المنطقة مرحلة تتراجع فيها الحروب التقليدية، وتتصاعد فيها حروب الوعي. حروبٌ تُدار بالخداع لا بالبندقية، وبالهويات الرقمية لا بالجيوش، وبالتحريض الشبكي لا بالمواجهات. وفي هذا العصر الجديد، تصبح الدولة القادرة على حماية فضائها الرقمي، وتحصين مجتمعها، وفهم جغرافيا التهديدات العابرة للحدود، هي الدولة المؤهلة للعبور نحو المستقبل.

هذه ليست معركة على المعلومة فقط، بل معركة على مستقبل المنطقة:
بين مشروع يقود الشعوب إلى الفوضى والدمار، ومشروع يضع أولوية السلم والاستقرار والتنمية. والإمارات، في قلب هذا المشهد، تمثل صوتًا واضحًا:
لا مكان للفوضى… ولا مساومة على استقرار الدول.

طباعة شارك الذكاء الاصطناعي ai مقالات صدى البلد المقالات

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الذكاء الاصطناعي المقالات حروب ا

إقرأ أيضاً:

د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!

لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.

لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.

والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.

إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟

لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!

وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.

إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.

كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».

وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.

إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.

ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.

طباعة شارك محمد ورداني قطرة المياه المياه

مقالات مشابهة

  • الذكاء الاصطناعي يمنع «الانتحار بالقفز»
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد
  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • بوتين: في بعض البلدان يحاولون محو القيم الأسرية التقليدية
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي
  • برلماني: حملات التشكيك في قيم الانتماء والتضحية جزء من حروب نفسية تستهدف تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الدول