لاتزال تداعيات سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع تلقي بظلال كثيفة على تفاعلات المشهد السوداني سياسيا وعسكريا واقتصاديا بعد ما ادى سقوط المدينة الاستراتيجية الحدودية إلى تداعيات ظهر معها بوضوح شبح التقسيم بمشروع قوات الدعم السريع وحلفائها السياسيين في حكومة موازية تقسم السودان إلى دولة بحكومتين على غرار السيناريو الليبي.

تحليل / أبو بكر عبدالله

من بين ركام التداعيات السياسية والعسكرية والإنسانية التي تلت سقوط مدينة الفاشر عاصمة إقليم شمال دارفور بيد قوات الدعم السريع نهاية أكتوبر الماضي، برز سيناريو تقسيم السودان كواحد من أهم التحديات التي تواجه مجلس السيادة الانتقالي برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان بعد عامين ونصف من الحرب التي خلفت خسائر بشرية ومادية فادحة وأكبر أزمة نزوح وجوع على مستوى العالم.
سيناريو التقسيم الذي أطل بقرونة بعد سقوط مدينة الفاشر، لم يكن جديدا على مشهد الأزمة السودانية فنذره بدأت في مايو الماضي بتشكيل تحالف «تأسيس» الذي جمع قوات الدعم السريع وبعض القوى السياسية وأفضى إلى تشكيل مجلس رئاسي وحكومة موازية، واكتملت فصوله نهاية أكتوبر الماضي بسيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر وشروعها بالتحرك شرقا نحو ولايات كردفان والنيل الأبيض، بما يمكنها من فصلها سياسيا وعسكريا بسلطة سياسية وحكومة موازية مستقلة.
والعمليات الأخيرة التي خاضتها الدعم السريع بعد سقوط الفاشر، أفصحت عن عزمها أحكام السيطرة على المناطق الرخوة في شمال وغرب وجنوب كردفان وولاية النيل الأبيض، غير أن الجيش السوداني بدا مستوعبا لهذه الأهداف ووجدناه يتصدى لمحاولات الدعم السريع التوغل في مدن الإقليم ولاسيما التي تربط إقليمي دارفور وكردفان بالعاصمة الخرطوم وغيرها من المدن الغنية بموارد النفط والتي تحاول قوات الدعم السريع السيطرة عليها لتكون رافعتها الاقتصادية في مشروعها لتقسيم السودان سياسيا بحكومة موازية ومجلس رئاسي مستقل.
أولويات استراتيجية
رغم الزلزال الذي أحدثه سقوط الفاشر بيد قوات الدعم السريع، إلا أن الموقف العسكري الميداني لا يزال مرجحا لصالح قوات الجيش التي تبسط سيطرتها على 13 ولاية في الشمال والجنوب والشرق والوسط بما فيها العاصمة الخرطوم من بين 18 ولاية تشكل جغرافيا السودان، في حين تسيطر قوات الدعم السريع على ولايات إقليم شمال دارفور الخمس عدا بعض الأجزاء الشمالية ومناطق من ولايتي جنوب وغرب كردفان.
ومنذ سقوط الفاشر، كانت التقديرات تُرجح تأجيل الجيش السوداني معركته في هذه المدينة الاستراتيجية في الوقت الراهن، كون الانشغال بها سيترك فراغات في جبهات حاسمة تعيش الظروف نفسها التي عاشتها مدينة الفاشر قبل إسقاطها وتخطط قوات الدعم السريع لتحقيق إنجازات فيها ولو كانت صغيرة في إطار مشروعها بفرض التقسيم كأمر واقع.
ذلك أن المجازفة في حرب استعادة إقليم دارفور أو حتى عاصمته الفاشر حاليا ستكون بالغة الكلفة، في ظل تحديات كبيرة قد يواجهها الجيش لاستعادة الإقليم المترامي الأطراف ولا سيما عاصمته التي تحولت إلى مركز قيادة رئيسي لقوات الدعم السريع بسبب موقعها الاستراتيجي، الذي جعل منها منفذا رئيسيا لخطوط الامداد من خارج الحدود.
يزيد من ذلك الخصائص الجغرافية للإقليم والتي بدت غير مواتية للجيش، كونها تقع ضمن منطقة مغلقة يصعب معها تأمين خطوط إمداد برية ناهيك بالتقاطعات التي يمثلها تداخل القبائل والمصالح الاقتصادية والحدودية.
وفوق ذلك فإن التقديرات كانت تؤكد أن قوات الدعم السريع ستحشد كل مواردها من اجل استمرار سيطرتها على الفاشر وبقية مدن إقليم شمال دارفور بالاستفادة من حاضنتها الشعبية وستعمل ما بوسعها لنقل الحرب إلى ولايات كردفان والنيل الأبيض، بما يمكنها من أحكام تمركزها في كل مناطق الإقليم الغربي الحدودي.
الحكومة الموازية
يمكن القول إن الطموحات السياسية لقائد قوات الدعم السريع وحلفائها السياسيين في السيطرة العسكرية وإنتاج حاضنة سياسية عسكرية عبر ما سمي تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الذي أعلن عنه قبل أشهر برئاسة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) لا يزال يمثل أكبر التحديات التي ستواجه الحكومة السودانية في الأيام القادمة.
وخلال الفترة الماضية، شكّل هذا المجلس حكومة موازية برئاسة عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق محمد حسن التعايشي وحدد فترة تأسيسية مدتها 10 سنوات بعد الحرب لإعادة بناء الدولة، والعمل على إنشاء «مركز قيادي عسكري موحد» يضم قادة الفصائل المسلحة لمواجهة الجيش السوداني وسلطة مجلس السيادة الانتقالي وإعلان حكومة موازية في جنوب وغرب السودان.
وكل المعطيات تشير إلى أن مخطط التقسيم لم يكن سودانيا 100% فالدعم السريع وداعميها الإقليميين والدوليين وجدوا أنفسهم في مأزق سياسي كبير بعد النجاحات العسكرية التي حققها الجيش واستعاد فيها مناطق استراتيجية كالعاصمة الخرطوم وولايات الجزيرة وسنار وغيرها، ما جعلهم يستلهمون النموذج الليبي من خلال فصل إقليم شمال دارفور وأجزاء من إقليم شمال كردفان لتكون مناطق نفوذ سياسي وعسكري يفصل شمال السودان عن جنوبه.
كان واضحا أن تشكيل مجلس رئاسة وحكومة موازية من قوات الدعم السريع وحلفائه، استهدف تحويل الوجود العسكري للدعم السريع إلى سلطة سياسية واقتصادية قابلة للاستمرار، أملا في الحصول على اعتراف دولي يحول الدعم السريع من جماعة مسلحة متمردة إلى حكومة معترف بها، أو على الأقل طرف سياسي وازن في أي تسوية سياسية مستقبلية.
كما استهدفت هذه الخطوة خلق إطار سياسي عسكري يمكّن الهيكل السياسي والعسكري الجديد من السيطرة على الموارد الاقتصادية وخصوصا مناجم الذهب المنتشرة في مناطق «المثلث» الحدودي لضمان تدفق الموارد المالية وتعزيز استقلالية الحكومة الموازية، وتمكينها من فتح قنوات خارجية تضمن لها تحقيق أهدافها السياسية مقابل مصالح اقتصادية.
منعطفات الرباعية
في مقابل الفظائع التي شهدها السودان في جولة الحرب الأخيرة بالفاشر والتي تورطت فيها قوات الدعم السريع بإعدام آلاف المدنيين بدوافع قبلية وعرقية، كانت تحركات الرباعية الدولية التي أعلنت مؤخرا مشروعا لهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تُفتح فيها ممرات إنسانية لإيصال المساعدات وتسهيل عودة المدنيين إلى الحياة الطبيعية من اهم التداعيات على المسارين السياسي والدبلوماسي.
وقد تضمن مقترح الرباعية عملية سياسية تستمر 9 أشهر يطلق خلالها حوار مدني بقيادة سودانية للوصول إلى تسوية شاملة للنزاع والاتفاق على دستور وآليات لتشكيل الحكومة والبرلمان وإنشاء حكومة مدنية ذات شرعية مع استبعاد جماعة الإخوان المسلمين من أي دور سياسي مستقبلي في السودان.
وفي حين أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها على المقترح واستعدادها لمناقشة ترتيبات وقف النار، أعلنت الحكومة والجيش السوداني رفض المقترح، وهو موقف بدا متساوقا مع المبادئ التي دائما ما تعلنها الحكومة السودانية بالترحيب بأي حل يحافظ على سيادة الدولة «ولا يساوي بين الجيش الوطني والميليشيات المتمردة».
وموقف الحكومة السودانية والجيش من مقترح الرباعية، كان متوقعا بكونه يوفر دعما لتوجهات الدعم السريع وحلفائه السياسيين في تشكل سلطة سياسية وعسكرية موازية في مناطق سيطرتها والاستفادة من الهدنة للتعافي وإعادة التحشيد ولترتيب أوضاعها العسكرية والسياسية وتعزيز مواقعها الميدانية.
ورغم أن مبادرة الهدنة استهدفت إنقاذ الأرواح وتلبية الاحتياجات الإنسانية الكارثية بصورة عاجلة، إلا أن ما أثار الشكوك حولها أنها جاءت متأخرة بعد أن تمكنت الدعم السريع من السيطرة على الفاشر وهي العملية التي حسنت إلى حد كبير موقفها في أي مفاوضات سياسية مقبلة، ووضعتها في موقع قوة يعزز من شرعتها التفاوضية ويدعم مطالبها السياسية.
زاد من ذلك أن المقترح السياسي المصاحب لمشروع الهدنة تحدث عن عملية سياسية مدتها 9 أشهر، وهو أمر يمكن أن يفسح المجال لترسيخ مشروع الدعم السريع وحلفائه في تقسيم السودان بحكومتين في شمال السودان وجنوبه، كأمر واقع.
ومن جهة ثانية، فإن النص الصريح الذي حمله مشروع الهدنة بإنهاء أي دور لجماعة الإخوان المسلمين في المستقبل، بدا كارثيا بالنسبة لمجلس السيادة الانتقالي، كونه سيدمر الطرف الحكومي ذاتيا وفي أقل الأحوال سيمنح الدعم السريع فرصا لإقصاء كل خصومها السياسيين والعسكريين، سواء كانوا من المتهمين بالانتماء للجماعات الإسلامية أم المستقلين، كما سيمنح الدعم السريع فرصة لإضعاف الجيش من خلال تفكيك القواعد الشعبية والقبلية التي دعمت الجيش خلال الفترة الماضية ولعبت دورا حاسما في تغيير المعادلات العسكرية لصالح الحكومة والجيش.
مخاوف وصفات
بعد أكثر من عامين ونصف على الحرب، لم يعد خافيا شعور الخرطوم بثقل احتكار ملف التسوية السياسة من جانب الولايات المتحدة وحلفائها خصوصا وأنها دائما ما تربط الحلول السياسية بمصالح هذه القوى، حتى لو تصادمت مع المصالح السيادية الوطنية واستقلال القرار الوطني.
ومشروع الهدنة الجديد المقدم من الرباعية الدولية التي تقودها الولايات المتحدة، لن يكون بعيدا عن ذلك خصوصا مع وجود بعض الأطراف الإقليميين التي تتهمها الخرطوم بدعم قوات السريع بالسلاح والمرتزقة ضمن طاولة صياغة مقترحات الحل السياسي وإدارة المفاوضات.
وما تخشاه الحكومة السودانية حاليا هو أن يؤدي مقترح الهدنة إلى توفير استراحة محارب لقواتها المنهكة في جبهات شمال كردفان تمكنها من تعزيز حضورها الميداني، كما تخشى أن يقود المسار السياسي للمشروع إلى خدمة مصالح قوات الدعم السريع وحلفائها السياسيين، بمنح الهياكل السياسية (مجلس الرئاسة والحكومة الموازية) التي تم تشكيلها مؤخرا الاعتراف الدولي كسلطة شرعية، والتعامل مع قوات الدعم السريع كطرف مساو للجيش السوداني في المفاوضات.
وفضلا عن ذلك، فهناك مخاوف من أن تقود مفاوضات الأمر الواقع، إلى استخدام الدعم السريع سلاح الذهب لتحقيق مكاسب سياسية وتشكل خارطة سودانية جديدة بصورة يصعب تغييرها مستقبلا.
أثبتت تجارب عامين ونصف من الحرب أن هذا السلاح منح قوات الدعم السريع مركزا متقدما وقدرة على اللعب بأوراق المعادلة العسكرية خلال الفترة الماضية وغير بعيد استخدامه الآن للحصول على شرعية دولية تقوض سلطة مجلس السيادة الانتقالي والحكومة الشرعية، وتدمير ما تبقى من الجيش السوداني وحاضنته الشعبية.
ومخزون الذهب في السودان هو الذي حوَّل قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دوقلو من راع للإبل إلى قائد عسكري برتبة فريق، وهو ما مكنه من بناء علاقات استراتيجية مع قوى من خارج الحدود والذي طالما حلم بدعم من قوى داخلية بما يمكنه من القضاء على ما تبقى من نفوذ الإخوان في مقابل إبقاء الطرف الآخر حنفية الذهب المهرب مفتوحة لعقود قادمة.
ولعبة المصالح الدولية وصراع الاستحواذ على مخزونات مناجم الذهب في السودان، لا شك ستكون حاضرة في الفترة القادمة، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي التي يعدها قائد الدعم السريع بمصالح مالية من مناجم الذهب السوداني، وكذلك إسرائيل التي يُعلن على الدوام استعداده التطبيع معها على أعلى المستويات، بل وربط مصالحها بمصالح دولته المنتظر إعلانها على وادي الذهب.
هذا بالضبط ما جعل القيادة السودانية تتمهل في إعلان القبول الهدنة المقترحة من الرباعية، في مقابل تفعيل المسار السياسي الدبلوماسي في ظل لهث الكثير من القوى الإقليمية والدولية وراء ثالث أكبر مخزون من الذهب في العالم خصوصا في ظل مشاكل التضخم التي تعصف بدول العالم، وحرص كثير من المصارف المركزية على اقتناء الذهب بوصفه الملاذ الآمن بعد أن تجاوز سعر الآونصة رقما يسجل لأول مرة في التاريخ.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

رهاب العلمانية!

 

رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح

يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.

الوسومالخطر الحقيقي الخوف الشديد جنال عبدالرحيم صالح حالة ذهنية رهاب العلمانية

مقالات مشابهة

  • غوتيريش يقترح 3 خيارات لإنشاء قوة مراقبة بين لبنان وإسرائيل وفرنسا تمهّد لقوة مُراقبة دوليّة
  • قوات الاحتلال تقتحم عدة مناطق في الضفة
  • أفضل مشروبات التخسيس.. خيارات طبيعية تدعم فقدان الوزن
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • رهاب العلمانية!
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • رئيس الوزراء السوداني يصدر قرارات وتوجيهات للجمارك والجوازات وشركات الطيران بشأن مطار بورتسودان
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش