«الحِرف والصناعات التقليدية».. رحلةٌ عبر التراث
تاريخ النشر: 15th, November 2025 GMT
لكبيرة التونسي (أبوظبي)
وسط أجواء مبهجة، وحضور جماهيري بارز، يحتفي مهرجان «الحِرف والصناعات التقليدية»، الذي تنظّمه «دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي»، والمتواصل في سوق القطارة بالعين في نسخته الـ11 حتى 20 نوفمبر الجاري، بالحِرف والعادات والتقاليد الأصيلة، والصور المجتمعية التي رافقت ممارسة هذه الحِرف، والحرفيين الذين ساهموا في صون أهم الحِرف اليدوية الإماراتية.
حياة الفرجان
تحت شعار «رحلة عبر الحرِف التقليدية المجتمعية»، وضمن أجواء تحاكي حياة «الفرجان» قديماً، تضجّ ساحة المهرجان بالحرفيين والمؤدين والموسيقيين، وصنّاع الفرحة في الحدث الدولي الكبير، حيث تتيح هذه الفعالية السنوية للزوّار فرصة الاطلاع على عالم الحِرف اليدوية الإماراتية المتوارثة عن الأسلاف، من خلال عروض الأداء الحي والمسابقات والورش التطبيقية. ولا يقتصر برنامج المهرجان على إبراز مهارات الحرفيين، بل يعمل على نقل المهارات والمعارف الخاصة بهذه التقنيات التقليدية للأجيال، مما يتيح فرصة استكشاف خبايا الصناعة في تلك الحِرف، عبر الورش المتنوعة من صناعة الدخون، والبراقع والذهب القديم والحناء والخياطة.
تنوع
يتضمن المهرجان عدداً من الأجنحة التي تسلِّط الضوء على إبداع الحرفيين الإماراتيين ومهاراتهم الفريدة، منها أجنحة مخصصة للحِرف التقليدية، وجناح السوق التراثي النابض بالحياة، ومناطق مخصصة للأطعمة الشعبية، بالإضافة إلى ركن الألعاب التراثية للأطفال الذي يعزّز روح التنافس بطريقة ممتعة وتثقيفية. ويستمتع الزوّار بعروض الأداء الحيّ المستوحاة من التراث الأصيل، ليعيش الزائر تجربة تراثية متكاملة.
فخر واعتزاز
في مشهد حيّ ينمي الفخر والاعتزاز بالجذور، يقدّم الحرفيون نبذة عن الدور الذي كان يقوم به الأجداد الذين ابتكروا حرفاً وصناعات أعانتهم على العيش، من بينهم، شمسة عامر التي تقدّم ورشة لصناعة البخور الإماراتي التقليدي، وهي الحرفة التي ورثتها عن والدتها، وتعلّم الزوّار أسرار إعداد البخور من خلال خلطات خاصة، أساسها مسحوق العود والمسك والسكر الناعم وزيوت الأساس مثل «الورد والعنبر والزعفران».
أناقة وجمال
تُبرز ساحة المهرجان الأناقة والجمال والهوية الإماراتية من خلال عرض العديد من الحِرف، ومنها «التلي»، «السدو»، «غزل الصوف»، «الحناء»، «العطور»، والمجوهرات التقليدية والخياطة، ومجموعة من الصناعات التي تجسِّد إبداع المرأة الإماراتية، وارتباطها بالتراث والمجتمع. وفي هذا الصدد، قالت أنيسة الغساني، التي تقدّم عرضاً في الخياطة بـ «الكرخانة» وهي آلة خياطة يدوية بسيط: إنّ المرأة الإماراتية خاطت ملابسها وزيّنتها وحافظت على أناقتها قبل ظهور الآلة، وبرهنت على قدرتها في توفير الخيوط والأدوات البسيطة، حتى جاءت الماكينة أو ما يُطلق عليها باللهجة المحلية «الكرخانة» التي سهّلت حياتها، وزادت ملابسها فخامة، ووفّرت عليها الجهد والوقت، واتخذتها بعض النساء قديماً مهنة لهن.
قرض البراقع
تقول عذيبة سعيد جمعة، التي تعمل على «قرض البراقع»، إن «البرقع» كان يعكس جانباً من شخصية المرأة قديماً، ويُعتبر من أهم مكونات الأزياء الشعبية التقليدية، وهو على بساطته، لم يقتصر على نوع واحد، حيث اختلف باختلاف المناطق، وتنوّع وفقاً لمن ترتديه، حيث كان برقع الفتاة يكتسي اللون الذهبي الذي يميل إلى الأصفر اللامع، وكانت فتحتا العينين واسعتين، أما «برقع» كبيرات السن فتضيق فيه فتحة العين، وتتسّع مساحته لتغطي الوجه، ولونه يميل إلى الأحمر اللامع. وتابعت: يُعتبر «قرض البراقع» من الحرف التقليدية البسيطة، بسبب تواضع الأدوات المستخدمة في إنجازه، ما يؤكد مدى استغلال المرأة في الماضي للإمكانات المتوافرة في بيئتها، وتطويعها لتلبية احتياجاتها. ولفتت إلى أن تجهيزه لا يستغرق وقتاً طويلاً، إذ يتطلب إنجاز «البرقع» ساعة واحدة، أو أكثر بقليل حسب حجمه، منوّهة إلى أن خامة «البرقع» عبارة عن قماش قطني مشبّع بصبغة النيل، البنفسجي القريب من العنابي، وذلك لحماية الوجه من أشعة الشمس، وإضفاء نضارة وجمال على من ترتديه.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: مهرجان الحرف والصناعات التقليدية الإمارات دائرة الثقافة والسياحة العين أبوظبي الحرف التراثية الحرف التقليدية الحرف اليدوية الحرف الإماراتية الصناعات التقليدية التراث الإماراتي التراث
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..