أول الغيث كارثة.. نازحو غزة بين وحل الأرض وبرودة الأجواء
تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT
غزةـ يومان من المطر فقط في غزة كانا كفيلين بهدم كل محاولات الغزيين للاستقرار بعد عامين من الحرب والقتل والتشرد.
كشف الهطل الأول للأمطار في المدينة هشاشة المآوي التي حاول المنهكون ترميمها، بعد أن أعادتهم الحرب "صفرا"، فكان رأس مالهم "خيمة" تنقلوا بها مدة عامين من نزوح إلى آخر، ثم تحولت في ليلة واحدة إلى برك من الطين، وانهارت مع أول اختبار لتتسرب الكارثة من كل زاوية.
في منطقة الشاليهات قريبا من البحر غرب مدينة غزة، تضع ياسمين ريحان أوعية بلاستيكية تحت ثقوب سقف خيمتها، وتحاول أن تلتقط بها السيول المتدفقة من الأعلى، لكن المطر كان أثقل من قدرة خيمتها المهلهلة على الصمود.
وعند مدخل الخيمة تشيد الأم تلالا من الرمل لتصد الماء "كمن يقيم سدا من رمل أمام سيل من نهر" كما تقول، إلا أن المطر لم يمهلها طويلا، فاندفع الصرف الصحي مع السيل واقتحم الخيمة من كل جانب.
تمسك ياسمين بالأغطية والفراش وقد تشبعت بمياه الأمطار المختلطة بالصرف الصحي وقذاراته، ترفعه بيديها المرتجفتين وتقول للجزيرة نت "غرق كل شيء، لم أستطع سوى انتشال أطفالي السبعة والهرب إلى بيت الجيران حتى طلع الصباح".
تُقسم ياسمين أن أطفالها لم يذوقوا طعاما طوال أيام الشتاء سوى بضع لقيمات، تبرر ذلك بقولها "قضيت نهاري كله وأنا ألاحق المطر، بينما كانت الخيمة تنهار أمامي شيئا فشيئا".
تخوض ياسمين معركة مع المطر، بينما عقلها ينهمك في التفكير بابنها المريض بالقلب الذي اصطحبه والده إلى المستشفى بعدما أصيب بالتشنج جراء الصقيع الذي باغت مبيته، تقول "لقد حصد الشتاء الماضي أرواح عشرات من الأطفال الذين لم يحتملوا البرد، هذا الأمر يشعرني بالرعب".
وتتشابه المعاناة
رعب مشابه دفع سمية معروف في الخيمة المجاورة إلى الجلوس تحت مظلة صغيرة لعصر ملابس أطفالها المبللة، تقول للجزيرة نت: "أحاول إنقاذ الغيار الوحيد لكل طفل من أطفالي التسعة".
إعلانتمسك بقميص ابنها الرقيق الذي فقد أطرافه في الحرب، وتقول: "هذا أثقل ما في حوزتهم من ملابس، ليس لديهم بديل عنها"، تتنهد بقهر كبير وتكمل: "خرجت قسرا من الشمال صفرا، وعدت من الجنوب صفرا، وحين بدأت بالاستقرار تبخر كل شيء"، خسارة متراكبة تبدأ من خيمتها التي انهارت تحت زخات المطر، إلى كيس الدقيق الذي بالكاد استدانت سعره من أحد أقاربها، ليصبح معجونا بالطين.
أما نسرين جنيد التي كانت تحفر أخاديد في التراب لتصريف المياه المتكدسة بعيدا عنهم فتقول للجزيرة نت إن عليها أن تجد أرضا مستوية لا تتجمع فيها مياه الأمطار، كما أن عليها إيجاد حجارة تضعها حول خيمتها في محاولة لمنع انجراف الماء إلى الداخل.
ترفض نسرين وعائلتها ترك المنطقة الشمالية القريبة من منزلها الواقع في المنطقة الصفراء في بيت لاهيا، حيث يمنعها الاحتلال وكل سكان تلك المناطق من العودة إلى منازلهم التي لا يعرفون إذا ما كانت قائمة أم لا.
أصرت نسرين على اصطحابنا للاقتراب من خيمتها المكونة من أغطية قماشية صنعت منها سقفا وجوانب، وهي أغطية لا تقي حرا ولا تحمي من مطر الشتاء، حتى إنها لا تستطيع إذكاء النار فكل شيء مكشوف للسماء كما تقول.
وتتساءل "أين المساعدات التي وعدونا بها، أين الخيام؟ كل وعودهم كاذبة وكل محاولاتنا للاستقرار تبوء بالفشل" تعصر ما في يدها من ملابس وتختم حديثها: "رضينا بالغلب والغلب ما رضي فينا".
من أصل 135 ألف خيمة يأوي إليها الناس في غزة، هناك ما لا يزيد عن 10 آلاف فقط صالحة بحسب بيان أصدره المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، الذي أكد أن عدد ما دخل من الخيام منذ دخول وقف إطلاق النار هو أقل من ربع الرقم المطلوب لإغاثة الغزيين.
مئات المناشدات من عائلات منكوبة وصلت للدفاع المدني، حيث غرقت مناطق بأكملها كمنطقتي الزرقاء واليرموك في مدينة غزة، فكشف المطر عن انهيار منظومة الصرف الصحي جراء تدمير الاحتلال للبنية التحتية ولمضخات ومحطات الصرف الصحي داخل مدينة غزة، كما يقول الدفاع المدني، مما دفع بمياه الأمطار إلى التسرب إلى خيام ومنازل المواطنين.
ويرى محمود بصل، الناطق باسم الدفاع المدني، أن إغاثة الناس في غزة وإنهاء مأساتهم تحتاج إلى قرار دولي واحد قبل أن تحل كارثة إنسانية لا مثيل لها، مأساة تمتد من الخيام إلى المباني الآيلة للسقوط، وصولا إلى القبور حيث تتسرب المياه إلى الجثث داخلها "فلا حجر واحدا في غزة أو كيسَ إسمنت كي يتم إحكام إغلاقها".
يختم بصل حديثه للجزيرة نت: "يومان من المطر فقط، أحدثا كل هذا الخراب، فماذا لو جاء منخفض قطبي وامتد عدة أيام؟!" يصمت قليلا قبل أن يقول: "إذا لم تكن هذه الحرب التي تقض مضاجع الناس وتهزم كل محاولاتهم في البقاء، فما هي الحرب إذن!".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الصرف الصحی للجزیرة نت فی غزة
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026