صحيفة البلاد:
2026-07-23@23:45:23 GMT

المسؤول وعدوه الخفي

تاريخ النشر: 17th, November 2025 GMT

المسؤول وعدوه الخفي

عندما تنهار مؤسسة أو يتراجع قائدها، تتوجه أصابع الاتهام إلى الخارج: البيروقراطية، وضعف الموارد، أو تراخي الفريق. غير أن الحقيقة غالبًا تختبئ في مكان أعمق بكثير؛ في داخل القائد نفسه. فهناك، في أعماق الوعي، تسكن معتقدات خفية تحرك قراراته وتوجّه سلوكه دون أن ينتبه. القيادة الحقيقية لا تبدأ من المكتب ولا من المنصب، بل من الداخل، من لحظة يواجه فيها ذلك المسؤول نفسه قبل أن يواجه الآخرين.


ليست المشكلة في المهارات ولا في الشهادات، بل في تلك الأفكار التي تشكّلت عبر السنين حتى غدت جزءًا من الهوية. المسؤول الذي يظن أن عليه أن يراقب كل تفاصيل قطاعه، يظن أنه حريص، بينما هو في الحقيقة يخنق فريقه. والذي يعتقد أنه وحده يملك الصواب، يغلق الباب أمام الإبداع ويصنع حوله جدارًا من العزلة. ومن يظن أن الخطأ عيبٌ لا يُغتفر، يعيش في خوف دائم يمنعه من التقدم. إنها أفكار صغيرة في ظاهرها، لكنها تتحول مع الوقت إلى سلاسل ثقيلة تُقيد المدير المسؤول من الداخل، حتى وهو يبدو قويًا أمام الآخرين.
تحت كل سلوك متكرر فكرة غير مرئية، وتحت كل قرار خاطئ خوفٌ لا يُقال. المسؤول الذي يريد كل شيء بسرعة يزرع في مؤسسته بذور التوتر، ومن لا يعرف كيف يرفض، يغرق في بحر من الالتزامات التي تسرق طاقته. أما من يقيس الجميع على نفسه، فلا يرى إلا نسخة باهتة من ذاته، فيقتل التنوّع الذي يولّد الإبداع. هذه المعتقدات لا تُرى بالعين، لكنها تُرسم في القرارات اليومية، في طريقة الحوار، في الصمت، في ملامح الوجه. إنها أشبه بظلٍ يتبعه أينما ذهب، مهما حاول تجاهله.
قرأت مؤخرًا مقالًا يؤيد هذا الكلام بعنوان”المعتقدات الخفية التي تُقيد القادة”، يوضح أن أكبر العوائق التي تواجه القائد ليست حوله؛ بل فيه، داخل تلك المعتقدات التي يظنها منطقية، بينما هي في الحقيقة قيود نفسية. سبعة منها تتكرر في أغلب قادة القطاعات: الرغبة في السيطرة، الحاجة إلى الكمال، الخوف من الخطأ، الإصرار على أن يكون دائم الصواب، أو الشعور بعدم الانتماء. والنتيجة واحدة: قائد ناجح في الظاهر، لكنه منهك في الداخل، يقاتل أشباحًا لا يراها.
القوة لا تكمن في الإنكار، بل في الوعي. أن يتوقف القائد لحظة ويسأل نفسه: لماذا أفعل ما أفعل؟ ما الذي يدفعني للسيطرة؟ ولماذا أرهق نفسي بالكمال؟ متى فقدت الثقة في أن الخطأ جزء من التعلم؟ تلك الأسئلة هي بداية التحرر، كما اشار اليها كاتب المقال. فحين يدرك ذلك المسؤول أن خوفه من الفشل هو ميراث قديم، يبدأ بالتحرك نحو قرار شجاع. وحين يكتشف أن حاجته إلى الكمال ليست سوى قناع يخفي خوفه من النقد، يصبح أكثر استعدادًا لفتح الباب أمام الآخرين للمشاركة، والفرق كبير بين القائد والمدير.
القيادة ليست أن تكون بلا أخطاء، بل أن تكون قادرًا على مراجعة نفسك بشجاعة. فحين يفهم القائد ذاته، يتحول من مدير إلى مُلهم؛ وقائد في ذات الوقت، لأن الناس يتعلمون من سلوك قائدهم أكثر مما يتعلمون من كلماته.

المصدر

المصدر: صحيفة البلاد

كلمات دلالية: بدر الشيباني التی ت

إقرأ أيضاً:

ثلاثة زعماء عالميين .. ثلاث قراءات بالغة السوء

ترجمة: أحمد شافعي

يختلف دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وفلاديمير بوتين اختلافا كبيرا، ولكن بينهما مشتركا مهما هو أن كلا منهم يحسب نفسه الأذكى في كل مكان يوجد فيه. لكن المؤسف هو قيامهم جميعا بأغبى ما يمكن أن يفعله قائد، وهو أن يحيط نفسه بالمرائين، واندفاعهم في حروب بلا أفق لا يستطيعون اليوم استلال أنفسهم منها إلا بتجرع مرارة الهزيمة.

وانتبهوا إلى هذا. ما من شيء أخطر من قائد متهور في مواجهة الهزيمة، إذ تدفعه الغريزة أحيانا إلى مضاعفة جهوده في استراتيجية خاسرة بدلا من تقبل الهزيمة.

ولنبدأ برئيس الوزراء الإسرائيلي. جنوح نتنياهو عن المسار ـ وسحبه قيادة جهاز المخابرات الإسرائيلي المعروف بالموساد معه، ينعكس في قرارين اتخذهما وكانا سافري الجنون: فأولهما أن إسرائيل قادرة على إسقاط نظام الحكم في طهران بضربة واحدة شديدة من الجو، وثانيهما أن بوسعها اختيار زعيم إيران الجديد.

وإليكم خلفية بسيطة قبل أن أستفيض في أسباب جنون القرارين: منذ أن رأيت عن كثب كيف ساعدت ميلشيا مسيحية لبنانية هي (الكتائب) في خداع الموساد سنة 1982 فظن إسرائيل أنها قادرة بغزو سريع على تنصيب بشير الجميل زعيم الكتائب المناهض للفلسطينيين رئيسا في بيروت، صرت أتبنى القاعدة التالية في ما يتعلق بجهاز المخابرات الإسرائيلي المغالى في تقديره: إذا أردت اغتيال شخص في بيروت أو طهران اتصل بالموساد، وإذا أردت أن تفهم الاتجاهات السياسية والاجتماعية فيهما فإياك أن تتصل بالموساد. لأن ما يجعله بارعا في الأمر الأول هو نفسه ما يفضي إلى سوء أدائه في الثاني.

الموساد شديد البراعة في اصطياد خصوم إسرائيل وقتلهم، وذلك إلى حد كبير لأنه شديد البراعة في تجنيد المواطنين الساخطين في لبنان وإيران والضفة الغربية وغيرها في العالم العربي، أي الكارهين لأنظمتهم الحاكم الراغبين في العمل مع إسرائيل من أجل إسقاطها. والمشكلة هي أن هذه العناصر ذاتها، بدافع من الإحساس بالظلم أو بدافع الطمع في المال، يميلون إلى المغالاة في مدى ضعف أنظمتهم ومدى سهولة إسقاطها.

وهم يريدون من إسرائيل أن تنوب عنهم في القيام بالعمل القذر. والنتيجة أن يفترض ساذج لا دراية له بأي تاريخ، أن براعة الموساد في اغتيال الناس يعني براعته بالقدر نفسه في التنبؤ بما يمكن أن يحدث في الصباح التالي لموتهم.

وهذا يفسر ما جرى بعد اجتماع البيت الأبيض في فبراير الذي زعم فيه بنيامين نتنياهو وديفيد برنيع أنه في حال قيام إسرائيل والولايات المتحدة باغتيال كبار قادة إيران فإن الحكومة سوف تسقط ويتولى بدلا منها رجال لطفاء، فما جرى بعد ذلك الاجتماع هو أن ترامب لم يضحك مما قالاه ولم يطردهما من المكتب. بل يبدو أن الرئيس افترض أنه بما أن لدى الموساد قدرات فائقة في الاغتيال فإن لديه أيضا قدرات فائقة في التحليل، ومن ثم فسوف تنهار إيران وتقع بين يديه بمثل ما كان من أمر فنزويلا حينما أطاحت الولايات المتحدة برئيسها نيكولاس مادورو.

ومثلما قال زميلاي ماجي هابرمان وجوناثان سوان في كتابهما واجب القراءة (تغيير النظام)، فقد استعمل جون راتكليف مدير المخابرات المركزية الأمريكية كلمة واحدة لوصف سيناريوهات تغيير النظام الإيراني التي طرحها نتنياهو: “هزلية". ولكن ترامب، ثقة في أنه أعلم منه، تجاهله هو وغيره، وها هو يدفع الثمن منذ ذلك الحين.

وثمة قصة أدل من ذلك على أن نتنياهو وجهاز مخابراته قد أسكرتهما القوة، وهي قصة لم تتناولها نيويورك تايمز، ومفادها أن الموساد الإسرائيلي كان يعد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد لتولي حكم إيران بعد القضاء على المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. فقد كتب زميلاي أن "قرار إسرائيل بوضع خطة لتغيير النظام تتمحور حول محمود أحمدي نجاد تمثل انعطافة استثنائية في ملحمة علاقة البلد بالرئيس السابق الذي كان معروفا بتسريع برنامج إيران النووي والدعوة إلى دمار إسرائيل وإنكار الهولوكوست".

كيف الحال يا إسرائيل؟ هل تعرفين أي شيء عن تاريخ إيران الحديث؟ هل سمعت من قبل عن محمد مصدق؟ لقد كان رئيس وزراء منتخبا لإيران من عام 1951 إلى عام 1953 وأطاح به انقلاب دبرته المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية (MI6) بعد تأميم إيران لشركة النفط الأنجلوإيرانية. والغضب من ذلك الانقلاب، الذي نجح في تنصيب رجل الغرب في طهران، لا يزال مستعرا في قلوب كثير من الإيرانيين.

وما ظن إسرائيل بقدرتها على تنصيب أحمدي نجاد وبأن الكيان السياسي الإيراني كله لن يرفضه بمثل ما يرفض الجسم البشري عضوا مزروعا إلا ضرب من الجنون الخالص. فهل تصور نتنياهو والموساد حقا أن الإيرانيين الوطنيين المعتزين، وحتى الكارهين، سيقولون "شكرا لك يا بيبي على تنصيب قائدنا القادم؟"

ولترامب ونتنياهو رفقة في بوتين الذي شرب كأس أوهامه فافترض أن الأوكرانيين كلهم يموتون لهفة إلى أن يكونوا جزءا من روسيا الأم مرة أخرى وأن النظام المنتخب ديمقراطيا في كييف سوف يسقط بسهولة.

قال المحلل العسكري روبين ليرد السنة الماضية إن "أفدح أخطاء بوتين هو إيمانه بسرديته القائلة بأن الأوكرانيين والروس (شعب واحد) وأن الاستقلال الأوكراني محض بنيان غربي مصطنع. فهذه النقطة الأيديولوجية العمياء هي التي أفضت به إلى أن يتوقع الترحاب بالقوات الروسية بوصفها قوات تحرير".

وفي صدى مثالي لما يجري في إيران، بدا أن المخابرات الروسية اعتمدت اعتمادا مفرطا على "مصادر موالية لروسيا قالت لموسكو ما أرادت أن تسمعه" حسبما كتب ليرد "بدلا من إمدادها بحقيقة صادقة دقيقة عن مشاعر الأوكرانيين وقدراتهم".

لم يحول نتنياهو أيا من جميع انتصاراته التكتيكية على حماس وحزب الله وطهران إلى واقع استراتيجي جديد لإسرائيل. وكان ذلك يقتضي منه أن يوضح أن عملياته العسكرية في غزة ولبنان وإيران ترمي إلى تأمين المنطقة للسلام الإسرائيلي الفلسطيني.

وبدلا من ذلك، يشهد العالم كله نتنياهو إذ يحاول تأمين المنطقة لضم إسرائيل لغزة والضفة الغربية، ويشهد استعداده من أجل تحقيق ذلك للإطاحة بكل ما عدا ذلك من تطبيع مع المملكة العربية السعودية، ودعم كثير من الشباب الأمريكيين، ودعم الحزب الديمقراطي، ودعم أوروبا الغربية واستقلال القضاء الإسرائيلي.

في الوقت نفسه أضعف ترامب أمريكا وعزلها باختياره البليد أن يغزو إيران بلا حلفاء، ولا شرعية دولية، ولا خطة بديلة للقضاء على قدرة إيران على تصنيع سلاح دمار شامل. وبدلا من ذلك أتاح ترامب لإيران أن تكتشف سلاحي دمار شامل هما السيطرة على مضيق هرمز وقصف حلفاء أمريكا في المنطقة في كل مرة تقريبا يقصف فيها ترامب إيران.

في الوقت نفسه، وبدلا من العمل الشاق من أجل تحويل روسيا إلى مجتمع حر قد ينجذب إليه الأوكرانيون حقا، أحال بوتين روسيا ذات الديمقراطية الضعيفة إلى دولة بوليسية كاملة ذات اقتصاد نفطي ضعيف. فلا مكان اليوم لروسيا في ثورة الذكاء الاصطناعي. فحالها كما لو أن بوتين جاء بعد اختراع السيارات للتو فأراد الاستثمار في المزيد من الخيول، تاركا زمام عقله لوهم الوطن الأم الروسي الذي كان في القرن التاسع عشر.

إن ما نشهده اليوم هو ثلاثة قادة يحاولون بالقنابل أن يخرجوا من زقاق مسدود.

ولا ينبغي أن ننسى أولئك القادة الذين يديرون إيران منذ عام 1979، فهؤلاء أيضا عالقون في طريقهم المسدود. إذ بدلا من تقوية شعوبهم الموهوبة، اختاروا أن يرسخوا قبضتهم على السلطة طوال سبعة وأربعين عاما، وإهدار مليارات الدولارات في محاولة تدمير إسرائيل.

لقد أفرط قادة إيران في استغلال بيئتهم وأقاموا سدودا على الكثير للغاية من الأنهار ليكافئوا بذلك موالين لهم، وهم الآن ضعاف أمام خصم أشد بأسا من ترامب أو نتنياهو بكثير، ذلك الخصم هو الطبيعة الأم.

فمن أشد التقارير إفزاعا عن مستقبل إيران ما صدر قبل سبعة أشهر لمحللين في مجلة (العلوم الذرية) المرموقة دونما أدنى ذكر للأسلحة النووية. ذكر التقرير أن أزمة المياه الحادة في إيران ربما أغلقت وحدها من المؤسسات الإيرانية أكثر مما أغلقته إسرائيل وأمريكا مجتمعتين.

قال المحللون إن "إيران شهدت خلال صيف 2025 موجة حارة استثنائية قاربت فيها درجات الحرارة نهارا في العديد من المناطق وبينها طهران 50 درجة مئوية مما فرض الإغلاق المؤقت للمكاتب الحكومية والبنوك، وفي تلك الفترة، تدنت الاحتياطيات الكبرى التي تغذي منطقة طهران إلى أدنى مستوياتها المسجلة...ونبه المسؤولون إلى أن العاصمة قد تتعرض للإخلاء إذا فشل تعويض إمدادات المياه".

والخلاصة أن هذه الصراعات في نهاية المطاف سوف تنتهي إلى مفاوضات، لأنه ليس بين أولئك القادة من يستطيعون إدامة حروبهم الغبية إلى الأبد. والسؤال الوحيد هو متى سوف يضطرون إلى استدعاء النادل قائلين: “هلا أتيت لي إذا سمحت بكأس الهزيمة".

ـ توماس فريدمان من كتاب الرأي في نيويورك تايمز منذ عام 1981

مقالات مشابهة

  • حسني بي: أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة محطات.. بل أزمة إدارة وحوكمة ودعم
  • نوح غالي: الأزمات فرصة مصر الكبرى لبناء اقتصاد مرن ومستدام
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الصراع الخفي بين فرنسا وألمانيا.. لماذا فشل مشروع الطائرة الخارقة الأوروبي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • ثلاثة زعماء عالميين .. ثلاث قراءات بالغة السوء
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية
  • نائب وزير الخارجية : من يورّط نفسه مع النظام السعودي سيدفع الثمن
  • الفرح: مصير فرعون يتكرر اليوم مع السعودي