البحر الكاريبي يعود إلى واجهة التوتر.. هيمنة أمريكية متجددة واحتمالات الغزو لفنزويلا
تاريخ النشر: 17th, November 2025 GMT
يمانيون | تحليل
تتحول منطقة البحر الكاريبي مجدداً إلى ساحة صراع مفتوح يعكس طبيعة السياسة الأمريكية القائمة على الهيمنة في نصف الكرة الأرضية الغربي منذ القرن التاسع عشر.
فمنذ أن أعلن الرئيس الأسبق جيمس مونرو مبادئه الشهيرة أمام الكونغرس عام 1823، والولايات المتحدة تتعامل مع الكاريبي باعتباره مجالاً حيوياً لسيطرتها الاستراتيجية.
ومع العودة إلى البيت الأبيض في يناير 2025، أحيا دونالد ترامب هذه العقيدة بحدة أكبر، ممهداً لسلوك أكثر عدوانية تجاه فنزويلا ومنطقة الكاريبي عموماً تحت ذرائع “محاربة المخدرات”، بينما تقف المصالح الاقتصادية والسياسية الحقيقية في الخلفية.
المبدأ الأمريكي للسيطرة على الكاريبي
رسالة مونرو عام 1823 وضعت حجر الأساس لما اعتبرته واشنطن “حماية” الغرب، لكنه كان في حقيقته إعلانًا واضحًا لوصاية أمريكية على المنطقة.
ورغم أن الولايات المتحدة لم تنفذ المبدأ فعلياً إلا في مطلع القرن العشرين، فإن إدماج مبدأ روسفلت لاحقاً أعطى واشنطن حقاً معلناً في التدخل العسكري والسياسي والاقتصادي في شؤون دول المنطقة.
هذا الإطار كان مبرراً لتاريخ طويل من الانقلابات والتدخلات المباشرة، بدءاً من احتلال نيكاراغوا وهايتي والدومينيكان، وصولاً إلى حصار كوبا وتخريب استقرار جواتيمالا وفنزويلا.
عودة ترامب وإحياء الهيمنة بالقوة
ويمثل وصول ترامب إلى السلطة في يناير 2025 نقطة انعطاف جديدة.. فالإدارة الحالية أعادت صياغة مفهوم التدخل العسكري في الكاريبي، مبررةً تحركاتها بـ”محاربة المخدرات”، لكنها عملياً تعمل على إعادة فرض السيطرة الكاملة على منابع الطاقة والموارد الطبيعية.
شهدت الأسابيع الماضية توسيعاً غير مسبوق للانتشار العسكري الأمريكي، شمل إرسال حاملة الطائرات “جيرالد فورد”، أكبر حاملة طائرات في العالم، إلى البحر الكاريبي، وإعلان وزارة الحرب الأمريكية عن عملية “الرمح الجنوبي”.
وبحسب خبراء في القانون الدولي، فإن استهداف الإدارة الأمريكية لقوارب وسفن في البحر الكاريبي يشكل إعداماً خارج نطاق القانون، ويؤسس لمرحلة جديدة من التدخل المباشر.
فنزويلا هدف مركزي
وتُعد فنزويلا مركز الثقل في المواجهة الحالية.. فالرئيس نيكولاس مادورو ينتهج سياسات لا تتوافق مع الأجندة الأمريكية، بدءاً من تحالفاته مع دول تصنفها واشنطن “خصوماً”، وصولاً إلى مواقفه المؤيدة للقضية الفلسطينية ورفضه الاصطفاف مع السياسة الأمريكية.
حيث تسعى واشنطن للاستحواذ على الموارد الفنزويلية، وعلى رأسها النفط، وتجاوز تأثير الصين وروسيا في كاراكاس. ومن الواضح أن ذرائع “المخدرات” ليست سوى غطاء لعملية تطويق سياسي واقتصادي وربما عسكري لفنزويلا.
كولومبيا… الهدف التالي
ولا يقتصر التوتر على فنزويلا وحدها.. كولومبيا، رغم كونها حليفاً تقليدياً لواشنطن، تشهد تغيراً في سياستها الخارجية منذ وصول الرئيس غوستافو بيترو إلى السلطة.
مواقفه المؤيدة لغزة والمعارضة للكيان الصهيوني أثارت غضباً أمريكياً متزايداً.
ومع الاتهامات الأمريكية المتكررة لكولومبيا بالتساهل مع تجارة المخدرات، يبدو أن واشنطن تمهد لمرحلة جديدة من الضغط قد يتطور لاحقاً إلى تدخل مباشر أو عقوبات مشددة.
المخدرات أم السيطرة على موارد الغرب؟
المراقبون يعتبرون أن “محاربة المخدرات” ليست سوى ستار سياسي يغطي أهدافاً استراتيجية كبرى، أبرزها:
– ضمان السيطرة الأمريكية على أهم الممرات المائية جنوب الولايات المتحدة.
– منع تمدد النفوذ الروسي والصيني في أمريكا اللاتينية.
– الاستحواذ على الموارد النفطية والمعادن الاستراتيجية لفنزويلا والدول المجاورة.
– إعادة تثبيت العقيدة العسكرية القديمة التي ترى في الكاريبي “البوابة الأولى لأمن الولايات المتحدة”.
ختاماً
تتصاعد التوترات في البحر الكاريبي بوتيرة توحي بأن المنطقة مقبلة على اختبار حاد بين واشنطن ودول تعتبر السياسات الأمريكية تهديداً لسيادتها.
ومع الحشد العسكري الأمريكي وتضييق الخناق على فنزويلا وكولومبيا، يبرز السؤال الجوهري:
هل تتوقف واشنطن عند حدود الاستفزاز والضغوط، أم تذهب نحو مغامرة عسكرية جديدة قد تغير وجه المنطقة؟
الوقائع الحالية تشير إلى أن احتمالات التدخل الأمريكي المباشر باتت أعلى من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل إدارة تستخدم القوة كأداة أساسية في سياستها الخارجية، ما يجعل البحر الكاريبي اليوم أقرب إلى ساحة مواجهة مفتوحة منه إلى منطقة نفوذ أمريكي تقليدي.
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: البحر الکاریبی
إقرأ أيضاً:
من الكاريبي إلى المونديال.. مشروع هولندي يقود كوراساو إلى الحلم العالمي
لم يكن تأهل منتخب كوراساو إلى كأس العالم 2026 وليد المصادفة أو نتيجة طفرة عابرة، بل جاء ثمرة مشروع رياضي طويل اعتمد على المزج بين الهوية الكاريبية والخبرة الهولندية، ليحول الجزيرة الصغيرة إلى منافس قادر على مقارعة كبار القارة.
ترتبط قصة كوراساو الحديثة بتاريخ جزر الأنتيل الهولندية، إذ يعد المنتخب الامتداد القانوني والرياضي لذلك الكيان الكروي الذي اختفى بعد التغييرات السياسية في المنطقة.
ومنذ حصول كوراساو على عضوية مستقلة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2011، بدأت ملامح مشروع جديد تتشكل بهدوء.
الخطوة الأولى تمثلت في استقطاب اللاعبين من أصحاب الأصول الكوراساوية الذين ولدوا ونشأوا داخل هولندا، مستفيدين من الروابط التاريخية والسياسية بين الجزيرة ومملكة هولندا.
هذا التوجه منح المنتخب قاعدة بشرية أكبر ومستوى فنيا أعلى، خصوصا أن عددا من لاعبيه تطوروا داخل أكاديميات ودوريات أوروبية تمتلك خبرة كبيرة في صناعة المواهب.
وبمرور السنوات بدأت النتائج تظهر تدريجيا، حيث فازت كوراساو بكأس الكاريبي عام 2017، ثم سجلت ظهورها الأول في الكأس الذهبية بالعام نفسه، قبل أن تبلغ ربع نهائي نسخة 2019 وتقترب من التأهل إلى مونديال قطر 2022.
لكن التحول الأكبر جاء مع وصول المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات مطلع عام 2024، ليقود الفريق بخبرته الطويلة في كرة القدم الدولية.
أدفوكات، البالغ من العمر 78 عاما، يمتلك سيرة تدريبية استثنائية، إذ سبق له قيادة منتخب هولندا في مونديال 1994، ثم كوريا الجنوبية في نسخة 2006، قبل أن يجد نفسه أمام تحد جديد في جزيرة صغيرة تطمح إلى صناعة المجد.
تحت قيادته تحولت كوراساو إلى فريق أكثر جرأة وفعالية هجومية، ونجح المنتخب في تسجيل 28 هدفا خلال 10 مباريات بالتصفيات، وهو رقم يعكس التطور الكبير في الأداء الهجومي والقدرة على فرض الشخصية داخل الملعب.
ورغم النجاح، لم تخل الرحلة من التقلبات ، ففي فبراير 2026 أعلن أدفوكات استقالته لأسباب شخصية مرتبطة بالحالة الصحية لابنته، ليتم تعيين فريد روتن مدربا جديدا استعدادا للمونديال.
لكن المفاجأة جاءت بعد ثلاثة أشهر فقط عندما تمت الإطاحة بروتن وعودة أدفوكات مجددا إلى منصبه، في قرار عكس حجم الثقة التي يحظى بها داخل المنظومة الكروية في كوراساو.
وتمنح هذه العودة المنتخب استقرارا فنيا مهما قبل البطولة، كما تجعل أدفوكات أكبر مدرب يقود منتخبا في تاريخ كأس العالم الممتد على مدار 96 عاما.
ولا يقتصر المشروع الكوراساوي على المدرب فقط، بل يعتمد أيضا على مجموعة من اللاعبين الذين يمثلون العمود الفقري للفريق، وفي مقدمتهم القائد لياندرو باكونا صاحب الخبرة الدولية الطويلة، وشقيقه جونينيو باكونا، إضافة إلى الهداف التاريخي رانجيلو جانغا الذي سجل 21 هدفا بقميص المنتخب.
هذا الخليط بين خبرة اللاعبين القادمين من أوروبا والروح القتالية المرتبطة بهوية الجزيرة منح المنتخب شخصية خاصة يصعب تجاهلها.
وسيكون الاختبار الأكبر عندما يبدأ المنتخب مشواره في كأس العالم بمواجهة ألمانيا في هيوستن يوم 14 يونيو، قبل لقاء إكوادور وكوت ديفوار ضمن مجموعة تبدو صعبة على الورق.
لكن كوراساو تدخل البطولة دون ضغوط كبيرة، فمجرد التأهل يعد إنجازا تاريخيا، بينما قد يمنحها غياب التوقعات فرصة للعب بحرية ومحاولة صناعة مفاجأة جديدة.