كالكاليست: عجز حاد في سوق العمل الإسرائيلي
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
تتجه سوق العمل الإسرائيلية، وفق ما نشرته صحيفة "كالكاليست"، نحو مرحلة تصفها الصحيفة بأنها "غير مسبوقة في هشاشتها"، مع ارتفاع حاد في عدد المهن الشاغرة واقترابها من مستوى قياسي، في وقت يستمر فيه غياب واسع للقوى العاملة بسبب استدعاءات الاحتياط المتواصلة منذ اندلاع الحرب.
قفزة قياسية في المهن الشاغرة تحت ضغط الاحتياطوتشير بيانات "كالكاليست" إلى أن عدد الوظائف الشاغرة قفز في أكتوبر/تشرين الأول المنصرم إلى 149.
وتقول "كالكاليست" إن ما يحدث الآن "لا يشبه أزمة ما بعد كورونا"، حيث كان التفسير آنذاك مرتبطا بعدم التطابق بين مهارات العاملين والوظائف.
أمّا اليوم، فتؤكد الصحيفة أن السبب الرئيسي هو "الحجم الواسع للمِلّيام (الاحتياط) الذي يخلق فجوات هائلة في القوى العاملة"، مما يجعل المهن الشاغرة ترتفع بوتيرة تُعد -وفق وصفها- "نتيجة مباشرة للنزيف البشري في مواقع العمل".
تباطؤ حاد في التوظيف في إسرائيلورغم الحرب، تُظهر البيانات أن عدد العاملين ارتفع بحوالي 4.6% مقارنة بفترة ما قبل الحرب (سبتمبر/أيلول 2023)، لكن "كالكاليست" تلفت إلى أن هذه الزيادة "متواضعة جدا" مقارنة بالنمو الذي بلغ 11% بين 2021 و2023، مما يشير إلى تباطؤ عميق في قدرة الاقتصاد على توليد وظائف حقيقية.
كما أن الارتفاع في الوظائف الشاغرة طال جميع القطاعات تقريبا، لكن الصحيفة تذكر أن "الزيادات الأشد سُجّلت في خدمات الضيافة والطعام والتجارة، في حين سجّل قطاع البناء الزيادة الأعلى على الإطلاق"، وهو ما تعتبره مؤشرا إضافيا على اضطراب حاد في القطاعات الأكثر اعتمادا على العمالة اليومية.
بطالة منخفضة على الورق في إسرائيلأما نسبة التشغيل، فقد تراجعت من 60.8% إلى 60.2% خلال شهر واحد، في اتجاه تقول "كالكاليست" إنه "يستمر منذ بداية الحرب، حيث يعجز الاقتصاد عن تجاوز حاجز 61%"، وهو ما تصفه الصحيفة بأنه "علامة واضحة على ضعف النشاط الاقتصادي الحقيقي رغم الأرقام المنخفضة للبطالة".
إعلانوبشأن البطالة، تكشف بيانات "كالكاليست" أن المعدل الرسمي ارتفع قليلا من 3% (140.1 ألف شخص) إلى 3.2% (145.7 ألفا)، لكن الصحيفة تصر على أن هذه الأرقام "لا تعبّر عن الواقع"، مشيرة إلى أن البطالة بهذه المستويات "هي بطالة احتكاكية تُخفي غيابا واسعا عن العمل بسبب الخدمة الاحتياطية والإجازات القسرية".
أما البطالة الموسعة -التي تشمل العاطلين واليائسين ومن هم في إجازات غير مدفوعة- فقد تراجعت من 4.3% (197.9 ألفا) إلى 4.2% (193.2 ألفا)، لكن "كالكاليست" وصفته بأنه "تراجع شكلي لا يعكس حجم الاختلال في بنية سوق العمل".
وتختتم الصحيفة تقييمها بجملة حادة "الأرقام الحالية لا تشير إلى سوق عمل صحية، بل إلى سوق تعاني من نقص عمالة بنيوي مرتبط مباشرة بضغط الحرب واستدعاءات الاحتياط، مما يهدد بامتداد الأزمة لسنوات".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات سوق العمل حاد فی
إقرأ أيضاً:
الإعيسر.. من بوق الحرب إلى عبئها
الإعيسر.. من بوق الحرب إلى عبئها
أحمد عثمان جبريل
ليست المأساة في أن يخطئ وزير، ولا في أن تزلّ الكلمات من فم مسؤول وهو يحاول الدفاع عن حكومته أو تبرير خياراته.. فالأخطاء السياسية تقع كل يوم، وزلات اللسان جزء من تاريخ الحكم والإدارة.. لكن المأساة الحقيقية أن تتحول جملة عابرة إلى لحظة انكشاف كبرى، وأن يصبح رجلٌ قضى أشهراً طويلة في خدمة رواية الحرب الكذوبة، واحداً من الذين أسهموا دون أن يقصدوا، في هدم جزء من بنيانها أمام الرأي العام.
❝ من طلب السلطان بالباطل، فضحه الله بالحق.❞
— ابن حزم
(1)
منذ اندلاع هذه الحرب اللعينة، ظل السودانيون يتعرضون لحملات تعبئة كثيفة قُدمت لهم فيها الحرب باعتبارها معركة وجود، وأنها تدور من أجل الوطن والمواطن والكرامة والسيادة.. وسُخرت المنابر والفضائيات والخطابات لإقناع الناس بأن الخراب الذي يلتهم البلاد ليس سوى ثمن ضروري لمعركة نبيلة.. لكن الحقيقة كانت تطرق الباب كل يوم عبر أرتال النازحين، وصفوف الجوعى، والمدن المدمرة، والقبور التي اتسعت أكثر مما اتسعت مساحات الحياة.
(2)
في قلب هذه المعركة الإعلامية، برز خالد الإعيسر، بوصفه أحد أكثر الوجوه التصاقاً بالرواية الرسمية.. لم يكن مجرد وزير يؤدي واجباً وظيفياً، بل تحول إلى أحد المدافعين عنها، والمسوّقين لها، والحريصين على إعادة إنتاجها في كل مناسبة.. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يُنظر إليه باعتباره أحد (الأبواق) التي راهنت على خطاب الحرب، وجعلت منه سلماً للصعود السياسي داخل معسكر البلابسة.
(3)
لكن الروايات المصنوعة تحت ضغط الحرب تخاف الحقيقة أكثر مما تخاف خصومها.. ولهذا كانت لحظة ظهوره التلفزيوني وما أثارته تصريحاته بمثابة الحجر الذي أُلقي في بحيرة راكدة.. فجأة خرج إلى السطح ما حاولت الدعاية إخفاءه طويلاً.. وفجأة وجد الناس أنفسهم أمام اعتراف يفتح الباب واسعاً أمام السؤال الذي ظل مطروحاً منذ اليوم الأول:” إذا كانت القناعة الوطنية وحدها هي المحرك، فلماذا يطل المال من خلف الستار؟ وإذا كانت الرواية بهذه الصلابة، فلماذا أربكتها جملة واحدة؟”.
(4)
هنا لم تكن الصدمة في حديث الوزير وحده، بل في رد الفعل الذي أعقبه.. فالذين ظلوا يدافعون عنه ويحتفون به ويقدمونه بوصفه صوت المعركة الإعلامي (السوخوي) انقلبوا عليه بضراوة نادرة.. وفجأة امتلأت الصحف والمنصات بالحديث عن ضعفه المهني، وفشله الإداري، وعجزه عن إدارة المؤسسات التابعة لوزارته، وتوتر علاقاته بالصحفيين، وتأخر الملفات التي تقع ضمن مسؤوليته. وكأن كل هذه الملاحظات لم تكن موجودة بالأمس، أو كأنها لم تصبح مرئية إلا بعد أن أخطأ في حق الرواية نفسها.
(5)
والحقيقة التي يجب ان تقال، أن المشهد كله بدا كاشفاً أكثر مما بدا صادماً.. فقد ظهر الوزير كما لو أنه اكتشف متأخراً أن الولاء في مثل هذه المعسكرات ليس عقداً دائماً، وأن من يصفق لك اليوم قد يكون أول من يطالب برأسك غداً.. فحين كان لسانه يعمل لصالح السردية كان بطلاً قومياً، وحين أفلتت منه عبارة أحرجت السردية ذاتها، أصبح فجأةً هدفاً مشروعاً للتجريح والتقريع والنبش في الماضي والحاضر معاً.
(6)
لكن المأساة الأكبر، أن هذه الواقعة لم تكشف هشاشة موقع الوزير فحسب، بل كشفت طبيعة العلاقة بين الدعاية والحقيقة.. فالحروب التي تحتاج إلى هذا القدر من الحراسة الإعلامية، تظل خائفة من كلمة، ومرعوبة من سؤال، ومضطربة أمام أي رواية مغايرة.. ولذلك جاءت العاصفة التي ضربت الإعيسر، لتؤكد أن الأزمة لم تعد في خصوم الحرب وحدهم، بل تسللت إلى داخل المعسكر الذي ظل يحتكر الحديث باسمها.
(7)
ولعل أكثر ما يثير الأسى، أن الذين يتبادلون اليوم الاتهامات، كانوا حتى الأمس القريب يقفون في خندق واحد. بعضهم صنع هذه الصورة، وبعضهم روّج لها، وبعضهم دافع عنها بضراوة.. ثم ما إن وقع الخلاف؛ حتى تحولت دفاتر الأسرار إلى منشورات، وتحولت المجاملات إلى لوائح اتهام.. وهنا تتبدى المعضلة الأخلاقية والسياسية معاً؛ لأن الأوطان لا تُدار بمنطق التواطؤ حيناً والفضح حيناً آخر، وإنما تُدار بالشفافية التي لا تتغير بتغير المواقع.
(8)
ولهذا، فإن أول ما ينبغي على الوزير فعله الآن هو أن يحفظ ما تبقى من ماء وجهه السياسي، وأن يقدم استقالته.. نعم استقالته وفورا؛ ليس لأن خصومه يطالبون بذلك، ولا لأن حلفاءه تخلوا عنه؛ بل لأن المنصب العام يفقد معناه حين يصبح صاحبه عاجزاً عن الدفاع عن نفسه أمام الذين كانوا أقرب الناس إليه.. فالاستقالة في هذه اللحظة ليست هزيمة، بل قد تكون آخر ما تبقى من فضيلة المسؤولية السياسية في مشهدٍ يكاد يخلو من الفضائل.
(9)
ولو أن هناك كلمة يجب نقولها ثم نمضي، فإننا نقول:” أن القضية في جوهرها أكبر من خالد الإعيسر وأكبر من منصبه.. ما يعني أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين جميعاً ليس ماذا قال الوزير، بل ماذا كشف قوله؟ وإذا كانت كل هذه الاتهامات التي يتبادلها أهل المعسكر الواحد صحيحة، فأين كانوا حين كان الرجل جزءاً من واجهة المشروع؟ ولماذا صمتوا عنها كل هذا الوقت؟ وإذا كانت غير صحيحة، فلماذا تُستدعى الآن بهذه القسوة؟ وكيف يمكن أن يطمئن شعب أنهكته الحرب إلى جماعات لا تقول الحقيقة إلا عندما تختلف، ولا تكشف الأوراق إلا عندما تتصارع؟ وكيف يُؤتمن على وطن كامل، من يجعل الولاء للحكاية أهم من الولاء للحقيقة؟”.
عند هذه النقطة تحديداً، لا يعود خالد الإعيسر سوى تفصيل صغير في مشهد أكبر؛ مشهد حرب أكلت أبناءها، ورواية بدأت تنهار تحت ثقل تناقضاتها، ووطن ما زال يدفع وحده فاتورة الجميع.. إنا لله ياخ.. الله غالب.
الوسومأحمد عثمان جبريل ابن حزم الحرب السوخوي السودان السودانيون خالد الإعيسر