ذكر مقالان نشرتهما صحيفتا واشنطن بوست الأميركية وآي بيبر البريطانية أن قضية جيفري إبستين كشفت حدود نفوذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب داخل معسكره، بعدما دفعت النائبة مارجوري تايلور غرين بقوة نحو الكشف عن الوثائق السرية.

ووفق جيم غيراغتي -كاتب العمود في واشنطن بوست- فإن غرين، رغم سجلها المثير للجدل، استطاعت أن تُرغم ترامب على التراجع عن موقفه الرافض لنشر الوثائق، لتقدم مثالا نادرا على قدرة شخصية من داخل تيار حركة ماغا على تحدي الرئيس.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2صحف عالمية: خطة ترامب تجاهلت مصير الضفة والعالم وقف ينتظر كارثة الفاشرlist 2 of 2بسبب حرب غزة.. الناتو يواجه نقصا بتوفير تي إن تي لأوكرانياend of list

ويرى الكاتب أن هذا المشهد يؤشر على بداية حقبة "ما بعد ترامب" داخل ماغا، إذ لم يعد الرئيس يحتفظ بهيبته القديمة بوصفه المرجعية المطلقة للتيار، خصوصا بعد أن تجرأت غرين على انتقاده علنا دون أن تدفع ثمنا سياسيا كبيرا.

وطبقا للمقال، فإن تحول ترامب المفاجئ، من إدانته لغرين إلى تبني مطلبها بالإفراج عن الوثائق، يظهر ارتباكا سياسيا غير مألوف، خاصة مع تزايد ضغط قاعدته الشعبية المنشغلة بقضية إبستين منذ سنوات.

وبدوره أكد الكاتب البريطاني جيمس بول في مقاله بموقع "آي بيبر" البريطاني أن الرئيس، الذي اعتاد تصوير نفسه بوصفه "لا يُهزم"، وجد نفسه هذه المرة عاجزا أمام قضية تلاحقه منذ عقدين، خاصة بعدما كشفت تسريبات حديثة آلاف الإشارات لاسمه داخل مراسلات مرتبطة بإبستين.

وقال إن هذه اللحظة ذكّرت ترامب بأنه ليس فوق قوانين السياسة، وأنه يمكن أن يُجبر على التراجع تحت ضغط ناخبيه، تماما كأي سياسي تقليدي.

تمثال للرئيس ترامب (يسار) وجيفري إبستين في متنزه بالقرب من مبنى الكابيتول في واشنطن (أسوشيتد برس)ماغا تنقلب

وحسب الكاتب، فإن ترامب الآن في مأزق من صنع يديه، فهو الذي أقنع قاعدته بنظرية مؤامرة "كيو أنون"، التي تنص على وجود عصابة من النخب متورطة في إساءة معاملة الأطفال على نطاق واسع.

كما تعهد كبار المسؤولين في إدارة ترامب، بأنهم سيُفرجون عن "ملفات إبستين" بمجرد انتخابهم، ويعود ذلك جزئيا إلى صداقة إبستين الوثيقة مع العديد من أعداء ماغا مثل الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون ومؤسس مايكروسوفت بيل غيتس.

خطوة غرين في تحدي ترامب فتحت الباب أمام آخرين داخل الحزب لطرح تساؤلات حول حدود نفوذ الرئيس، وهو ما قد يرسم ملامح توازن قوى جديد داخل ماغا

ولكنهم (كبار المسؤولين في إدارة ترامب هؤلاء) تراجعوا عن وعودهم بمجرد انتخابهم -يتابع المقال- بعد أن اطلعوا على الوثائق ورأوا أن اسم ترامب ورد عدة مرات وهو الرجل الذي وصفه إبستين بأنه "أفضل صديق" له لمدة عقد أو أكثر.

إعلان

وأكد المقال أن محاولات البيت الأبيض تصوير التسريبات بأنها "مؤامرة إعلامية ليبرالية" لم تنجح، لأن الضغط هذه المرة قادم من داخل المعسكر الجمهوري، الذي طالب نوابه بإصدار الوثائق بالكامل.

ويرى كاتب آي بيبر أن ترامب، الذي طالما استخدم أسلوب التشتيت والضوضاء الإعلامية لتجاوز الفضائح، فوجئ بأنه لم يستطع إخماد شرارة قضية إبستين، لأنها مرتبطة بتساؤلات قديمة حول علاقته الشخصية بالمتهم.

ووفق غيراغتي، فإن خطوة غرين في تحدي ترامب فتحت الباب أمام آخرين داخل الحزب لطرح تساؤلات حول حدود نفوذ الرئيس، وهو ما قد يرسم ملامح توازن قوى جديد داخل ماغا، للمرة الأولى منذ صعود ترامب عام 2016.

وأضاف أن موقف الحزب الجمهوري المحلي في دائرة غرين، الذي منحها دعما "كاملا وغير مشروط"، كان إشارة قوية بأن تهديد ترامب بسحب تأييده لغرين لم يعد سلاحا فعالا كما كان في السابق.

أميركي يحمل لافتة كتب عليها "أميركا تريد الحقيقة" ضمن حراك يطالب بنشر وثائق تتعلق بإبستين (رويترز)أزمة متفاقمة

وحسب مقال آي بيبر، فإن التسريبات الأخيرة، تلمّح لوجود مواد أشد حساسية قد تُنشر لاحقا، وهو ما يزيد من مأزق الرئيس ويفتح الباب لمزيد من التساؤلات.

ولفت الكاتب إلى أن الرسائل التي نشرت مؤخرا ليست "ملفات إبستين" الكاملة، ولا تمثل أسوأ ما قد يظهر لاحقا، إذ إنها مجرد مراسلات كشفها القائمون على تركة إبستين للجنة في مجلس النواب، وليست السجلات الداخلية لوزارة العدل، المتوقع أن تكون أشمل بكثير.

ويتوقع بول أن تتعمق أزمة ترامب مع تصاعد الضغوط داخل الكونغرس لمواصلة نشر الملفات، بعد فشله في إقناع قاعدته بتجاهل القضية، إذ أمر وزارة العدل بفتح تحقيقات تستهدف فقط الديمقراطيين الواردة أسماؤهم في الرسائل، في خطوة عدّها حتى أنصاره مناورة مكشوفة يصعب تبريرها.

وخلص الكاتبان إلى أن ماغا قد تكون دخلت مرحلة جديدة، حيث يتراجع نفوذ ترامب تدريجيا، وتبرز وجوه داخل التيار تنافسه في ظل فضيحة ملفات إبستين التي لا تزال تتكشف، مما يجعل مستقبل الحركة وقيادتها أكثر غموضا من السابق.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • حكم جديد بالمؤبد مع السجن 30 سنة في حق زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي
  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • وزارة الخزانة: أميركا تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران
  • الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟
  • الرئيس البرازيلي: ماركو روبيو يعادي أمريكا اللاتينية وأبلغت ترامب بأنه لا يحب البرازيل
  • الرئيس الأمريكي: لا أحد يعلم إلى أين ستقود المفاوضات مع إيران
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • الرئيس اللبناني: لا عودة إلى الوراء والفتنة خدمة لإسرائيل
  • الرئيس اللبناني: لا خيار أمامنا غير التفاوض لإنهاء العدوان الإسرائيلي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟