هند الحمدانية
في يوم الوطن.. لا نسأل الأرض عمَّا مضى، نسألها عمَّا تبقى من الحلم في عيون الأجيال، نُمسك بكفِّ التاريخ كما يُمسك الابن يد أبيه، نقول للعشرين من نوفمبر: ها نحن هنا... نُواصل بداية وُلدت مع الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، ولا تزال الجبال تناديها من مسندم حتى ظفار، وتبث البحار صداها من مصيرة إلى صحار، كأنَّ الوطن نشيد نردده دائمًا، ولا نصل إلى آخر بيت فيه.
تتفتح ذاكرة الشعوب في الأعياد الوطنية؛ فهي تحتفل لتؤكد أن حاضرها ابن ماضيها، وأنها رغم تغير الأزمنة، لا تزال تحمل جذورها فوق أكتافها كما يحمل الفلاح جدوله الأول إلى آخر أرض في الأفق، الأعياد الوطنية مرافئ للهوية، تستعيد فيها الأمم ثباتها، وتعيد ترتيب مشاعرها، وتصالح شعوبها مع إرادة أجدادها العظماء.
جاء العشرون من نوفمبر ليكون علامة مضيئة في تاريخ عُمان، فهو اليوم الذي بدأت فيه مرحلة جديدة من الحكم مع تأسيس الدولة البوسعيدية، يوم تحول فيه قدر البلاد إلى قدر العز والثبات، وتجلت الرسالة منذ اللحظة الأولى: أنَّ الوطن يستطيع أن يولد من جديد حين تمسك به يد قوية وعقل حكيم، وأن البناء لا يحتاج إلى وقت طويل بقدر ما يحتاج إلى رؤية بعيدة، ومنذ ذلك اليوم كان التاريخ يميل ناحية عُمان، كأنما وجد فيها ما يخلد به نفسه.
انتقلت عُمان إلى عهد جديد حين اختار السلطان قابوس -طيب الله ثراه- حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم- أبقاه الله- ليحمل الأمانة ويُواصل المسير، لقد جاء العهد الجديد بنهضة متجددة أعادت صياغة طريقة التفكير ومنهج الإدارة وهندسة المستقبل.
انطلق مسار مختلف في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وابتكرت أبواب واسعة نحو اللامركزية وتمكين المحافظات، لتنبض التنمية في كل زاوية من أرض الوطن، ولتتحول الإدارة من تسلسل تقليدي إلى منظومة ديناميكية، تنجز وتبتكر وتعيد تعريف كفاءة العمل العام، وتجلت الرؤية بوضوح: أن الدولة الحديثة لا تقاد بالنوايا الطيبة وحدها، وإنما بفكر مستنير يحول الطموح إلى نتائج يلمسها الناس في حياتهم اليومية.
اليوم.. تتقدم سلطنة عُمان بخطى ثابتة نحو الاقتصاد المتنوع، وتعيد توزيع ثرواتها الفكرية والطبيعية، وتمنح المساحة لكل قطاع كي ينمو ويتنفس ويسهم في صناعة المستقبل، فالسياحة تحولت إلى دعامة اقتصادية، والاستثمار اتخذ طريقاً أكثر انفتاحًا مدعومًا بتشريعات حديثة وأنظمة رقمية وتسهيلات تُعيد الثقة إلى رأس المال، وتضع السلطنة في مسار جديد من المنافسة الذكية والأفق الاقتصادي المستند إلى رؤية "عُمان 2040"، رؤية تجعل من التعليم والتنمية البشرية والاقتصاد والتكنولوجيا ركائز أساسية لبناء الدولة العصرية.
وضعت عُمان الإنسان في قلب فلسفة التنمية، فلَمْ تُعامل الحكومة المواطن على أنه مُتلقٍ للخدمات؛ بل شريك في البناء وركن أصيل في صناعة التحول، وبذلك نشأت علاقة ناضجة بين الدولة والمجتمع، قائمة على المسؤولية المشتركة والوعي، والولاء الذي يتحول إلى عطاء وتعاون وروح وطنية تمد جسور الأمل بين الأجيال.
أما سياسيًا.. فقد حافظت سلطنة عُمان على توازن عجيب بين العطاء الداخلي والتقدم الخارجي؛ فلم تسمح للرياح أن تغير بوصلتها، ولم تنس يومًا أنَّ القوة الحقيقية تكمن في الثبات، ولهذا عرفت عُمان بأنَّها الدولة التي إن حضرت نشرت السلام، وإن غابت تركت خلفها أثرا طيبًا في القلوب.
صاغت عُمان علاقاتها الخارجية بوعي عميق، فلم ترفع صوتها كثيرًا، لكن العالم تعلم أن يصغي إلى حضورها الهادئ، لأنها تتقن لغة السلام، وتفهم تعقيدات المنطقة والعالم بحكمة نادرة، حيث استطاعت أن تجعل اسمها مرادفا للسياسة المتزنة، فكان موقفها تجاه القضية الفلسطينية ثابتا وواضحا، قائماً على التزام إنساني عميق لا يتلون بتغير الظروف ولا ينحني أمام ضغط أو مساومة.
ويبقى الشعب جوهر الحكاية وسر النهضة، فالأوطان تنهض بإيمان الناس بها، وإحساسهم أنهم ينتمون إليها كما ينتمي الجذر إلى التربة، فالمواطن العُماني يرى الوطن قدرًا وامتدادًا لعائلته وأجداده، ومشروعًا ينتظره أبناؤه في المستقبل، وحين يحب المرء وطنه يرفع الراية، ويرفع مستوى العمل والمسؤولية والتعليم والإنتاج.
في هذا العيد، تسترجع عُمان تاريخها التليد، وتدعو أبناءها إلى استكمال المسير واستئناف البناء، وتعزيز الوحدة التي جعلت من هذا الوطن قلبًا واحدًا لا يتشظّى، ومن عهد إلى عهد تتشكل عُمان بروحها الأصيلة: حكمة واستقرار وثقة بأن المستقبل يصنع بإرادة الشعوب ويبنى بالصبر ويحمى بعقولٍ تعرف أن الثبات على المبادئ أعظم قوة في زمنٍ تزدحم فيه المتغيرات.
ويبقى القول.. إنَّنا تحت القيادة الحكيمة لجلالة السُّلطان المُفدّى- حفظه الله ورعاه- نمُد يدنا إلى المستقبل بثقة، وُنحافظ على أركان الدولة الحديثة الراسخة، ويظل الوطن هو الفكرة التي نتنفسها، والنبض الذي يحمل أسماءنا نحو الغد، وإنْ كان لكل شعب عيد، فإنَّ لعُمان عيدًا يعُم القلب كله، ويعلن أن الهوية مسؤولية تُحمَل، وأمانة تَنتظر من يحافظ عليها جيلًا بعد جيل.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .