رغم تصاعد الاتهامات الموثقة بارتكاب إسرائيل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما زالت تحتفظ بعضويتها الكاملة في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). هذا الواقع يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مدى اتساق استمرار هذه العضوية مع مبادئ الفيفا المعلنة والتزاماته باحترام حقوق الإنسان.

لقد وثّقت منظمات حقوقية وهيئات أممية ممارسات إسرائيلية تنتهك أبسط حقوق الرياضيين الفلسطينيين، بدءا من منع حرية التنقل والوصول إلى البطولات، مرورا بتدمير البنية التحتية الرياضية وقتل الرياضيين خلال العمليات العسكرية، وصولا إلى إشراك أندية كرة قدم في مستوطنات غير قانونية ضمن الدوري الإسرائيلي.

في هذا المقال سنحلّل الإطار القانوني والأخلاقي الذي يسمح باستمرار إسرائيل كعضو في الفيفا رغم هذه الانتهاكات، ونقارن ذلك بكيفية تعامل الفيفا مع أزمات مشابهة مثل تعليق عضوية روسيا عقب غزو أوكرانيا. كما نشير إلى لوائح الفيفا الانضباطية وقرارات محكمة التحكيم الرياضي الدولية ذات الصلة، ونركّز على البعد الأخلاقي وازدواجية المعايير، خاتمين بدعوة إلى تحرّك قانوني وأخلاقي يوقف هذا الخلل القائم.

أولا: انتهاكات إسرائيل للوائح الفيفا ونظامه الأساسي

يُلزم النظام الأساسي للفيفا جميع الاتحادات الأعضاء باحترام مبادئ أساسية في مجالات حقوق الإنسان وعدم التمييز. المادة 3 من نظام الفيفا الأساسي (نسخة 2022) تنص صراحة على أن: "فيفا ملتزمة باحترام جميع حقوق الإنسان المعترف بها دوليا، وستسعى لحماية هذه الحقوق".

وبموجب المادة 4 من النظام ذاته، يُحظر أي شكل من أشكال التمييز صراحة:"أي تمييز من أي نوع ضد بلد أو فرد أو جماعة بسبب العرق أو اللون أو الأصل الإثني أو الوطني أو الاجتماعي أو الجنس أو الإعاقة أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الثروة أو النسب أو أي وضع آخر، أو بسبب الميول الجنسية أو لأي سبب آخر، محظورٌ حظرا باتا ويُعاقَب عليه بالإيقاف أو الطرد".

هذه النصوص تضع على عاتق كل اتحاد وطني عضو واجبا واضحا باحترام حقوق الإنسان ونبذ التمييز بجميع أشكاله في أنشطته. إلى جانب ذلك، يمنح النظام الأساسي للفيفا هيئاته صلاحيات لمعاقبة أي عضو يخل بالتزاماته.

المادة 16 (التعليق) تقرّر أن بمقدور الفيفا تعليق عضوية اتحادٍ ما إذا ارتكب "مخالفة جسيمة (خطيرة) لالتزاماته". وتنص المادة 16/1 تحديدا على أن مجلس الفيفا يملك سلطة تعليق فوري لعضوية أي اتحاد ينتهك التزاماته بشكل خطير، على أن يُعرض الأمر لاحقا على مؤتمر الفيفا (الجمعية العمومية) لإقراره.

كما تؤكد المادة 16 أن العضو المعلَّق يفقد حقوق عضويته كالمشاركة في المباريات والتصويت، ولا يجوز لباقي الأعضاء التعامل الرياضي معه خلال فترة التعليق.

وبالإضافة إلى التعليق، يمكن للجمعية العمومية للفيفا اتخاذ عقوبة الطرد النهائي (المادة 17) بحق أي اتحاد "ينتهك النظام الأساسي أو لوائح الفيفا أو قراراتها بشكل جسيم ومتكرر".

بناء على هذه اللوائح، يفترض أن تكون انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان ومبادئ عدم التمييز سببا كافيا لتعليق أو حتى طرد اتحادها الكروي. إن التزامات إسرائيل كعضو في الفيفا تشمل احترام حقوق اللاعبين والمسؤولين الرياضيين الفلسطينيين، وضمان عدم التمييز ضدهم، والالتزام بجميع قوانين اللعبة وأنظمة الاتحاد.

ثانيا: ممارسات إسرائيل بحق الرياضيين الفلسطينيين وانعكاسها على الفيفا

1- منع حرية التنقّل والمشاركة الرياضية

تفرض إسرائيل قيودا مشددة على حركة الرياضيين الفلسطينيين، خاصة أولئك المقيمين في قطاع غزة، وكثيرا ما تمنع الفرق واللاعبين من مغادرة غزة أو التنقّل بين الأراضي الفلسطينية للمشاركة في المباريات الدولية أو حتى المحلية المهمة حصل كل ذلك قبل حرب الإبادة على غزة. وعلى سبيل المثال، في عام 2019 ألغيت المباراة النهائية لبطولة كأس فلسطين لكرة القدم بعد أن رفضت السلطات الإسرائيلية منح تصاريح سفر للاعبي نادي خدمات رفح الغزّي لخوض المباراة أمام نادي مركز بلاطة في الضفة الغربية. سمحت إسرائيل في تلك الواقعة لخمسة لاعبين فقط من أصل 35 لاعبا ومدربا بالسفر، ما جعل إقامة المباراة مستحيلة. إن حرمان الرياضيين الفلسطينيين من حقهم في التنقّل والمنافسة لا يشكل مجرد انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية (حرية الحركة) فحسب، بل يضرب أيضا مبدأ عدم التمييز في الصميم؛ إذ يُعامل الرياضي الفلسطيني بشكل مختلف عن غيره فقط لكونه من غزة أو الضفة. وهذا انتهاك واضح للمادة 4 من نظام الفيفا التي تحظر التمييز على أساس الأصل القومي أو أي وضع آخر.

2- استهداف المنشآت الرياضية وقتل الرياضيين

خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، تعرّض القطاع الرياضي لأضرار كارثية. فمنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 (بداية العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على غزة) وحتى منتصف 2025، استشهد المئات من الرياضيين الفلسطينيين وأُصيب كثيرون جراء القصف الإسرائيلي. تقارير حقوقية أفادت بأن عدد الرياضيين الفلسطينيين الذين استشهدوا على يد الجيش الإسرائيلي بلغ 664 رياضيا خلال أقل من عامين. كما دمّر الجيش الإسرائيلي 264 منشأة رياضية في قطاع غزة خلال تلك الفترة، بينها 184 منشأة دُمّرت بالكامل و81 دُمّرت جزئيا. هذه المنشآت تتضمن ملاعب وصالات رياضية وأندية كانت تخدم آلاف الشباب.

إن استهداف البنية التحتية الرياضية المدنية يعدّ انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني الذي يحمي المنشآت المدنية، ويُفاقم معاناة الرياضيين بمنعهم حتى من حق التدريب واللعب في بيئة آمنة. وبالنتيجة، توقفت الأنشطة الرياضية تماما في غزة منذ أواخر 2023 بسبب هذا الدمار واسع النطاق. هذه الأفعال تمثّل إخلالا جسيما بمبدأ "احترام حقوق الإنسان" المنصوص عليه في المادة 3 من نظام الفيفا، حيث إن الحق في الحياة والسلامة الشخصية هو أسمى حقوق الإنسان. كما أن استهداف الرياضيين على خلفية كونهم فلسطينيين يمكن اعتباره شكلا من أشكال التمييز الجماعي والعقاب الجماعي المحظور. استمرار إسرائيل في هذه الممارسات يتنافى مع قيم الرياضة وروح اللعب النظيف التي يُفترض أن الفيفا يسعى لتعزيزها.

3- إشراك أندية المستوطنات غير القانونية في المنافسات

إحدى أبرز الإشكاليات القانونية تتعلق بوجود عدة أندية كرة قدم إسرائيلية مقرها مستوطنات مقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة (الضفة الغربية) تلعب ضمن الدوري الإسرائيلي. هذه المستوطنات غير معترف بشرعيتها وفقا للقانون الدولي (اتفاقية جنيف الرابعة تعتبر المستوطنات خرقا للقانون الإنساني الدولي)، وبالتالي فإن ضمّ أندية من تلك المستوطنات إلى اتحاد كرة القدم الإسرائيلي (IFA) وإشراكها في بطولاته يطرح تساؤلات حول قانونية ذلك ضمن أطر الفيفا. بالفعل، لوائح الفيفا نفسها تمنع الأندية والاتحادات من اللعب في أراضي اتحاد آخر دون موافقته، حيث تنص المادة 64 الفقرة 2 من نظام الفيفا الأساسي على أنه "لا يجوز للاتحادات الأعضاء وأنديتها لعب مباريات على أراضي اتحاد عضو آخر دون موافقة ذلك الاتحاد".

وجود ما لا يقل عن ستة أندية إسرائيلية في مستوطنات الضفة الغربية تشارك في دوريات إسرائيل يشكّل انتهاكا صريحا لهذا النص، لأن تلك الأندية تتواجد فعليا على أرض الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم (PFA) دون إذنه. وقد اعترض الاتحاد الفلسطيني مرارا على هذا الوضع منذ أكثر من عقد، وقدم شكاوى رسمية للفيفا بهذا الشأن. إن إشراك أندية المستوطنات في الدوري الإسرائيلي يشكّل انتهاكا صارخا للقانون الدولي ويكرّس الاحتلال، وتجاهل الفيفا لذلك يقوّض سيادة القانون الرياضي ويكشف ازدواجية في المعايير.

رابعا: تعامل الفيفا مع أزمات مماثلة وأزمة ازدواجية المعايير

لم يتردد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تاريخيا في اتخاذ إجراءات صارمة بحق اتحادات وطنية عندما تُرتكب انتهاكات جسيمة تنافي مبادئه أو تهدد نزاهة اللعبة. أبرز مثال معاصر هو تعليق مشاركة روسيا في المنافسات الكروية إثر غزوها لأوكرانيا عام 2022؛ إذ سارع الفيفا إلى حرمان منتخباتها وأنديتها من المشاركة الدولية، وتبعه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بقرارات مماثلة. وقد استندت هذه الخطوات إلى اعتبارات أخلاقية وقانونية تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان وسيادة دولة مستقلة، وهو ما أكدته محكمة التحكيم الرياضي (CAS) في تموز/ يوليو 2022 عندما رفضت الطعون الروسية واعتبرت الظروف "الاستثنائية وغير المسبوقة" تبرر هذا الحرمان إلى أن تستقر الأوضاع.

هذا النهج ليس جديدا؛ فقد سبق للفيفا أن علّق عضوية اتحاد جنوب أفريقيا أثناء نظام الفصل العنصري لسنوات طويلة، كما حُرم منتخب يوغوسلافيا من المشاركة في بطولات كبرى في التسعينيات بسبب الحروب الأهلية والعقوبات الدولية. هذه السوابق تؤكد أن الفيفا ليس غريبا عن تفعيل أدوات التعليق والإقصاء حين تقتضي الضرورة الأخلاقية والقانونية حماية نزاهة اللعبة وقيمها.

ومع ذلك، تثير المعايير المزدوجة أسئلة حادة في حالة إسرائيل. فالأعمال المنسوبة إليها -قتل رياضيين فلسطينيين، تدمير منشآت وملاعب، منع الفرق من اللعب، وإشراك أندية في مستوطنات غير قانونية- تشابه أو تفوق في خطورتها بعض ما ارتكبته دول عوقبت رياضيا، لكن الفيفا لم يتخذ الخطوة نفسها حتى الآن.

إن محكمة التحكيم الرياضي الدولية، التي يمكن أن تكون ملاذا للطعن في قرارات الفيفا، أكدت في حكمها عام 2018 بخصوص استئناف الاتحاد الفلسطيني ضد قرار الفيفا بشأن أندية المستوطنات؛ أن مجلس الفيفا تصرّف ضمن صلاحياته التقديرية عندما قرر عدم اتخاذ إجراء بحق إسرائيل آنذاك، ما يعني أن غياب العقوبات في الحالة الإسرائيلية ليس نقصا في القواعد بل نقصا في الإرادة السياسية والأخلاقية لتطبيقها.

هذا التراخي يُضعف شعار الفيفا في الالتزام بحقوق الإنسان ويمنح إسرائيل غطاء لمواصلة انتهاكاتها، بل ويُستخدم لتلميع صورتها عبر الرياضة فيما يُعرف بـ"تبييض الانتهاكات". إن تذرّع الهيئات الرياضية بالحياد لتجاهل الانتهاكات الجسيمة يُعدّ انحرافا عن المسؤولية الأخلاقية، كما أن الحياد في سياق الإبادة أو الفصل العنصري هو تواطؤ مقنّع.

خامسا: إذن، تجميد عضوية إسرائيل ضرورة قانونية وأخلاقية

في ضوء ما سبق، يبدو تجميد عضوية إسرائيل في الفيفا خطوة قانونية وأخلاقية لازمة ما لم تبادر إلى تصحيح مسارها والالتزام بقواعد الاتحاد. فالقواعد الحالية تتيح تعليق العضوية أو الإقصاء النهائي عند الانتهاكات الجسيمة، وما يُنسب لإسرائيل ليس مجرد مخالفات فنية، بل اعتداء على جوهر القيم الرياضية والإنسانية: قتل رياضيين ومدنيين، وتمييز على أساس الهوية، وانتهاك حرمة المنشآت الرياضية، وتحدٍّ للقانون الدولي.

لذا يتعيّن على مجلس الفيفا والجمعية العمومية ممارسة صلاحياتهما لتعليق عضوية إسرائيل، بما يشمل وقف استهداف الرياضيين والبنية الرياضية وضمان حرية تنقّل اللاعبين الفلسطينيين وإخراج أندية المستوطنات من مسابقاتها. كما يجب على لجنة الانضباط التحقيق في التمييز والعنف لفرض العقوبات المناسبة، وعلى الاتحادات القارية دعم هذه الجهود واتخاذ إجراءات مشابهة، مثل حظر إقامة المباريات الرسمية في إسرائيل.

صحيح أن الفيفا منظمة رياضية وليست هيئة سياسية، لكنها ملتزمة باحترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان وأظهرت سابقا استعدادها لمنع كرة القدم من تلميع صورة أنظمة تنتهك القيم الإنسانية. لذا فإن المطالبة بتجميد عضوية إسرائيل ليست مطلبا سياسيا، بل انحياز لقيم الرياضة ذاتها التي تقوم على السلام والاحترام والتنافس الشريف حفاظا على مبادئ القانون الدولي الرياضي وقيم هذه اللعبة الجميلة.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء إسرائيل الفيفا غزة الرياضة إسرائيل غزة الفيفا الرياضة ابادة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة اقتصاد صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الریاضیین الفلسطینیین للقانون الدولی عضویة إسرائیل حقوق الإنسان مستوطنات غیر عدم التمییز لکرة القدم کرة القدم على أن

إقرأ أيضاً:

سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة

{فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ومَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً، وما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}.
هذه الآية القرآنية تدل على أن الأمة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدالة في الأرض وحماية المستضعفين، وأنه يجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم حيثما كان ويزيلوا أسبابه؛ فكل قتال لأجل الدين والدفاع عنه هو في سبيل الله، وكل قتال لدفع الظلم ومعاونة المظلومين ضد الظالمين ونصرة الحق هو من القتال في سبيل الله، وكل طريق للوصول إلى الحق أو حمايته أو الدفاع عنه هو في سبيل الله.
وإذا كان التاريخ الإنساني والبشري قد شهد مآسي عديدة، فإن مأساة الشعب الفلسطيني تظل الجرح الأكثر نزفاً للضمير العالمي؛ فمنذ عقود يرزح الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يزال يعيش أبشع صوره من تشريد وقتل واحتلال القدس الشريف، والتدمير للبنية التحتية بغرض طمس الهوية العربية والإسلامية في فلسطين وعلى رأسها المسجد الأقصى، ورغم صدور عشرات القرارات من مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تطالب بإنهاء الاحتلال والانسحاب إلى حدود 1967م، إلا أن الكيان الصهيوني يضرب بها عرض الحائط، مدعوماً بغطاء دبلوماسي وعسكري أمريكي يصادم القانون الدولي ويخدم الصلف الصهيوني، وبما يدل على العجز الذي يبديه المجتمع الدولي -بما في ذلك المنظومة العربية والإسلامية- عن رفع هذا الظلم التاريخي، وإنهاء الحصار الجائر والشامل على قطاع غزة، وإجبار الاحتلال على الانسحاب الكامل من غزة والقدس والضفة الغربية. إنها مظلومية لم تعد مجرد قضية سياسية، وإنما هي اختبار ساقط للعدالة الدولية المدعاة.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: ما هي مصلحة الشعب الأمريكي في استمرار الدعم الأعمى للصهيونية؟ في الواقع لا شيء يستفيده الشعب الأمريكي، وإنما يترتب على ذلك هو توسيع رقعة الصراع ومحاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي لا يخدم المواطن الأمريكي البتة. إن الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي -والتي تصل إلى نحو 66%- تعارض الدخول في مغامرات عسكرية أو حروب ضد إيران، إذن فالسياسة التي ينتهجها الرئيس ترامب تمثل خطأً استراتيجياً فادحاً يضر بالشعب الأمريكي أولاً قبل غيره، وتلويح ترامب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران يمثل تجاوزاً صارخاً للدستور الأمريكي الذي منح الصلاحية للكونجرس، ويشكل إعلان حرب يضرب أسس الديمقراطية الأمريكية ويكشف هشاشتها؛ لأنه يستنزف قدرة الأمريكيين في حروب لا ناقة لأمريكا فيها ولا جمل، ويضعف مكانتها السياسية والعسكرية بشكل مباشر، وإن خدم الصهيونية فإنه يواجه المواطن الأمريكي بأزمة اقتصادية، منها ارتفاع أسعار الوقود والنفط، ويشكل سبباً رئيساً في تعطيل الخطوط التجارية والملاحية؛ مما يثقل كاهل المواطن الغربي بصفة عامة والأمريكي بصفة خاصة؛ لأن الاقتصاد الأمريكي يصاب بالتضخم والركود.
إن الضعف الأمريكي اليوم لم يعد عسكرياً فحسب بالمنظور العلمي وبالمعنى التقليدي، وإنما هو ضعف يسبب عجزاً عن التحمل؛ فحصار إيران لعقود لم يثمر -رغم مرور عقود من الزمن- شيئاً، وإشعال أمريكا للحرب ضد إيران أظهر ضعفها للعالم، وأكبر دليل على ذلك طلبها للمصالحة والتوقيع والتماسها لذلك، مما يشعر المتابعين في العالم بعدم تحقيقها لأي نصر وأن ذلك مستبعد. وفي هذا السياق تكون الصهيونية قد جنت على نفسها وعلى اليهود في فلسطين؛ لأن المراهنة على مظلة الحماية الأمريكية ستتراجع فهي تتآكل، وهذا ما سيتسبب في زوال الهيمنة الأمريكية، واعتمادها على الدعم من الحلفاء العرب لن يدوم ولن يكتب له النصر أبداً.
فالواجب الأخلاقي والسياسي يتطلب من الحزب الديمقراطي السعي لرفع ظلم واضطهاد الشعب الفلسطيني المظلوم ودعم حقوقه المشروعة، وإنهاء سياسة الحصار والعقوبات المفروضة على الشعب الإيراني منذ عقود، وهي السياسات التي ثبت فشلها؛ فإذا كان في أمريكا أهل عقول راجحة وسياسة ناجحة، فعليهم أن يعيدوا ترامب والتوجه الصهيوني عن هذه السياسات التصادمية قبل أن تتحول أمريكا إلى أضحوكة سياسية على مسرح السياسات الدولية، وقبل أن تكتشف الشعوب والشعب الأمريكي نفسه أن شعاراته البراقة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في أمريكا، ليست سوى أوهام وشكوك تخفي وراءها هشاشتها؛ فالعودة إلى صوت العقل والقانون الدولي وإعطاء الشعوب حقوقها هو المخرج الوحيد قبل أن يصير هناك انهيار استراتيجي شامل. وعلى الدول الغربية والإسلامية أن يتدبروا قول الحق سبحانه وتعالى: {وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}.
الشعب الفلسطيني يعيش تحت واحد من أطول وأقسى أشكال الاحتلال للأرض الإسلامية، ولم يكتفِ ذلك الاحتلال بحصار الأرض، وإنما تجاوز ذلك إلى محاولة اقتلاع الإنسان الفلسطيني من تاريخه وهويته ووجوده، تحت صمت عربي وإسلامي مؤلم، وتواطؤ سياسي من قوى كبرى جعلت من حقوق الإنسان شعاراً يرفع حيث تقتضي المصالح ويدفن حيث تكون الضحية فلسطينياً.
فعلى العرب والمسلمين كافة أن يرفعوا راية الجهاد وأن يعلنوا ذلك في عرفات في هذا العام كما رفع النبي البراءة من المشركين. وتفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية الشاملة، قطع العلاقات الدبلوماسية والتطبيعية، واستخدام أوراق القوة الاقتصادية (كالنفط والممرات المائية) التي تمتلكها المنظومة العربية والإسلامية للضغط على الغرب.
يا رافعاً رايةَ الإسلامِ مُحْتَسِبَا
جَاهِدْ فَمَا ضَاعَ حَقٌّ بَعْدَمَا طُلِبَا
تَمْسِي وَتُصْبِحُ فِي هَمٍّ وَفِي نَصَبٍ
لٰكِنَّ رَبَّكَ لَمْ يَتْرُكْكَ مُغْتَرِبَا
شَرِيعَةُ اللهِ نُورٌ فِي بَصَائِرِنَا
نَفِيءُ لِلْحَقِّ لا شَكّاً وَلا رِيَبَا
أَمَادَ جَيْشُ العِدَا أَرْضاً بِمَظْلَمَةٍ
وَأَشْعَلَ البَغْيُ فِي سَاحَاتِهَا لَهَبَا؟
فِي غَزَّةَ الجُرْحُ أَقْلَامٌ مُعَبِّرَةٌ
تَخُطُّ مَجْداً، وَتَسْقِي عِزَّةً شُهَبَا
ظَنَّ الطُّغَاةُ بِأَنَّ الأَرْضَ مِلْكُهُمُ
وَأَنَّ سُلْطَانَهُمْ قَدْ طَاوَلَ السُّحُبَا
يَقُولُ زُوراً كَذُوبُ القَوْمِ فِي عَلَنٍ
وَالفِعْلُ يَفْضَحُ مَا صَاغُوا وَمَا كَتَبَا
لٰكِنَّ أَسْدَ الشَّرَى هَبُّوا لِنُصْرَتِهَا
بِعَزْمِ مَنْ لَا يَرَى فِي دِينِهِ تَعَبَا
تَخَالُهُمْ مِنْ ثَبَاتِ الأَرْضِ جَلْمَدَةً
بَلْ رَاسِيَاتٍ تَهُدُّ المَارِقَ العَرِبَا
فَاصْبِرْ فَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ خَالِقِنَا
يُعِيدُ حَقّاً لِمَنْ عَانَى وَمَنْ غُلِبَا
لقد تحوَّلت فلسطين، ولا سيَّما غزَّة، إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للمجازرِ والحصارِ والتجويعِ والتدمير، حتى باتت صورُ الأطفالِ تحتَ الأنقاض، والأمَّهاتِ الثكالى، والمستشفياتِ المدمَّرة، مشاهدَ يوميَّةً تهزُّ ضميرَ كلِّ حرٍّ في العالم. عشراتُ الآلافِ من القتلى والجرحى والمعاقين، وملايينُ المشردين الذين حُرموا من أبسطِ حقوقِ الحياة، في ظلِّ حصارٍ خانقٍ يخالفُ كلَّ القوانينِ والمواثيقِ الدوليَّةِ.
وما يزيدُ المأساةَ فداحةً أنَّ الاحتلالَ الصهيونيَّ لم يكتفِ بقتلِ الأبرياءِ وتدميرِ البيوت، بل استمرَّ في تدنيسِ المقدَّسات، وعلى رأسِها المسجد الأقصى، الذي يتعرَّضُ لاقتحاماتٍ متكرِّرةٍ ومحاولاتِ تهويدٍ ممنهجة، في انتهاكٍ صارخٍ لكلِّ القوانينِ الدوليَّةِ والإنسانيَّةِ.
يفوزُ بالعِزِّ والإحسانِ مَن نَهَضا
للهِ يحملُ سيفَ الحقِّ محتسبا
لا يبتغي غيرَ وجهِ اللهِ منزلةً
ولا يُريدُ منَ الدُّنيا بها رُتَبا
قد أيقنَ الأمرَ حقًّا لا التواءَ بهِ
وأنَّ شرعَ الهدى يؤازر النجبا
وأنَّ خيرَ الورى الهادي محمّدَ قد
أرسى منَ العدلِ نهجًا يَصدَعُ الحُجُبا
وأمرَ الأمةَ الغرّاءَ أن تقفَ الـ
وقفةَ العُظمى إذا باغٍ بنا غضبا
كمنْ بغى في فلسطينَ الجريحةِ إذ
أضحى يريقُ دمَ الأطفالِ مُغتصبا
كم هدَّ دورًا وكم أفنى منازلَها
وكمْ أثارَ منَ الآلامِ والكُرُبا
حتى غدتْ ألسنُ التاريخِ شاهدةً
بأنَّهُ جاوزَ الطغيانَ والحقَبا
فأطلقَ الظلمَ في الآفاقِ منتفشًا
كأنَّهُ لم يخفْ يومًا ولا حِسَبا
وينفثُ الزورَ والتضليلَ في صلفٍ
ويزرعُ الإفكَ في الأذهانِ مُنتشبا
والناسُ بينَ مُضلٍّ قد أطاعَ هوىً
وبينَ حرٍّ رأى في الحقِّ ما وجبا
لكنَّ أنصارَ دينِ اللهِ قد نهضوا
كالسيلِ لمّا رأى الطوفانَ مُقتربا
قومٌ إذا ذُكرَ الإقدامُ كدتَ ترى
في حدِّ عزمِهِمُ التاريخَ قد كُتِبا
هيهاتَ يَذهبُ المعروفُ مُندثرًا
أو يتركُ اللهُ سعيَ المخلصينَ هَبى
فالنصر بإذن الله قادم، والتلويح بالحرب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران لن يجدي الصهيونية نفعاً، وإنما سيصيب أسس الديمقراطية الأمريكية ليرمي بها في مقتل، وسيكون عاقبة أمرهم خسراً {لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}، {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
عضو رابطة علماء اليمن

مقالات مشابهة

  • المجلس الدولي للتمور يعزز التعاون مع روسيا
  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • “الفيفا” يقر 6 قواعد تحكيمية جديدة في المونديال
  • الفيفا يتغزل في حسام حسن قبل مشاركة المنتخب في كأس العالم
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • حزب الوعي: اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب خطوة مهمة.. والنجاح مرهون بضمان الحقوق
  • حزب الوعي: لائحة قانون لجوء الأجانب خطوة مهمة لتعزيز الضمانات الحقوقية
  • التونسي كمال هديدر مشرفاً على مراكز إعداد الرياضيين ومنتخبات الصالات لليد
  • مسؤولون أمميون يحذرون من تصاعد إرهاب المستوطنين الإسرائيليين والتطهير العرقي للفلسطينيين