عشتُ شهرا في طرقة: شهادة من دوامة الاعتقال والتدوير في السجون المصرية
تاريخ النشر: 22nd, November 2025 GMT
في أول أيام الدراسة في كلية الإعلام، قرأنا أن الخبر العادي لا يصلح للنشر لأنه خبر متداول يوميا ليس فيه إثارة للمتابعة. بمعنى أنه إذا عضَّ كلبٌ رجلا، هذا أمر شائع، أما إذا عضَّ رجلٌ كلبا، فهذا هو الخبر الذي يستحق النشر. لماذا؟ لأنه مليء بالإثارة وعدم التكرار.
أصبحنا اليوم نقرأ أنه تم اعتقال فلان، وفقد الناشط السياسي حياته في محبسه، وتعرض المعارض.
منذ ستة أشهر، وتحديدا في شهر أيار/ مايو 2025، تعرضتُ للاعتقال، وبقيتُ قرابة الشهرين في تلك البقعة الآسنة من الأرض؛ السجن. عشتُ أكثر من شهر في طرقة عرضها متر وبضع سنتيمترات، وطولها حوالي 8 أمتار، ووصل عدد المعتقلين السياسيين فيها إلى 14 سجينا. ليس فيها دورة مياه، كنا نضطر أن نتبول في أكياس، لأن الحارس ليس لديه مزاج لكي يفتح لنا الباب لقضاء الحاجة.
الطرقة كانت تُطل على ثلاث غرف بأبواب سوداء كالحة، غرفة معروفة أنها غرفة الإخوان، كانوا ملتزمين تجاهنا بتقديم وجبتي طعام يوميا دون كلل أو ملل، وأخرى تقدم لنا مشروبات ساخنة، والغرفة الثالثة عبارة عن مقبرة لا تقدم شيئا، وهي معروفة بـ"غرفة التطرف".
المضحك في الأمر أن أحد المعتقلين، وكان قريبا من الفكر الداعشي، كان يسبّ الإخوان سبا، وكنتُ مستغربا ومتعجبا في نفس الوقت، فهم الوحيدون من الغرف الثلاثة الذين كانوا يقدمون لنا الأكل.
كل غرفة فيها 24 معتقلا، أحيانا ينقص العدد بخروج أحدهم، ويزيد بدخول آخر، حتى وصلت لأقصى عدد بـ26 معتقلا.
أزمة "التدوير": وهي أن يتم أخذ قرار إخلاء سبيل المعتقل من القاضي، ولكي يخرج يجب أن يذهب إلى المركز أو القسم الذي تم تلفيق القضية له، مثل: الانضمام لجماعة إرهابية، تمويل جماعة إرهابية، تلقي أموال من الخارج وتوزيع منشورات.. إلخ. ومن ثم يتم تلفيق للمعتقل قضية أخرى في مركز وقسم آخر. قابلتُ الكثير منهم، من قضى في تلك الدوامة ستة أشهر، وعاما، وعامين ونصف؛ مهزلة بكل المقاييس. قابلتُ الأب وابنه في نفس المحبس وفي نفس المهزلة، والأخوين، والخال وابن أخته.
أخيرا، والله لا أستطيع أن أُسكت قلمي، فالمشاهد التي رأيتُها تتداعى إليّ كانسياب المياه. محمد صلاح، الشاب الذي تم سجنه وهو في أوائل العشرينيات وفي الصف الأول الجامعي بكلية الألسن، أتم عشر سنوات عجاف في 2023، والسلطة المصرية تراه خطرا. قال لي بالحرف: "أنا مش هاشوف الأسفلت ثاني".
أنا الآن خارج مصر، أنا وأولادي، الحمد لله. تم إيقافي عن العمل وقطع رزقي. الآن أنا أعيش حرا، أنام دون خوف، أصحو بلا خوف، أتحرك بلا ريبة.
حرام يا مصر، حرام يا سلطة، حرام يا سيادة الرئيس المنقلب على رئيسه!
افتكرُوهم، تكلموا عن مأساة المعتقلين، عن أسرهم، عن حقوقهم، عن كل ما يخصهم؛ لأنهم ببساطة هم ملح الأرض.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات السجن المعتقلين المصرية مصر سجن معتقلين سياسة رياضة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
نادي الأسير الفلسطيني: ارتفاع عدد الأسيرات إلى 89 داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي
أعلن نادي الأسير الفلسطيني ارتفاع عدد الأسيرات داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى 89 أسيرة عقب اعتقال أربع فتيات فجر اليوم الثلاثاء ، مشيرا إلى أن سلطات الاحتلال تواصل تصعيد استهداف النساء عبر حملات اعتقال ممنهجة ومتواصلة.
وأوضح النادي - في بيان صادر عنه أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) - أن من بين الأسيرات ثلاث طفلات، وثلاث أسيرات حوامل، و19 معتقلة إدارية، إضافة إلى أسيرتين مصابتين بالسرطان، لافتا إلى أن الأغلبية محتجزات في سجن "الدامون"، وعددا آخر في مراكز التحقيق والتوقيف.
ولفت نادي الأسير إلى أن الأسيرات يتعرضن لظروف اعتقال قاسية تشمل التجويع، والجرائم الطبية، والعزل، والاعتداءات، والتفتيش المهين، إلى جانب الاكتظاظ الشديد داخل الزنازين، حيث تضطر بعضهن إلى النوم على الأرض.
وبيّن أن وتيرة القمع داخل السجون تصاعدت بشكل واضح، مع تكرار عمليات الاعتداء الجسدي وفرض سياسات تنكيل ممنهجة، إلى جانب استمرار سياسة الاعتقال على خلفية "التحريض" أو الاعتقال الإداري بذريعة "ملفات سرية"، مشيرا إلى تسجيل أكثر من 760 حالة اعتقال لنساء منذ بدء الإبادة.
ونوه نادي الأسير الفلسطيني بتفاقم الأوضاع الصحية، خصوصا مع وجود أسيرات يعانين أمراضا مزمنة مثل السرطان، وحرمانهن من العلاج، في ظل سياسة قائمة على التجويع ونشر الأمراض داخل السجون.
وأكد أن هذه الممارسات تمثل جزءا من منظومة تعذيب منظمة تستهدف الأسرى والأسيرات، مطالبا بالإفراج الفوري عن الأسيرات، خاصة الأطفال والحوامل والمريضات، ووقف الانتهاكات المستمرة بحقهن.