فرانشيسكا ألبانيزي للجزيرة نت: فلسطين شوكة في خاصرة النظام العالمي
تاريخ النشر: 22nd, November 2025 GMT
باريس- في تصريحات خاصة للجزيرة نت، أشارت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي إلى العجز الحاصل في الأمم المتحدة، معتبرة أن العالم يعيش اليوم تحت "قانون الأقوى"، في مقابل تراجع فاعلية القضاء الدولي والدبلوماسية.
وأكدت ألبانيزي أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد مأساة إنسانية، بل عبئا سياسيا عالميا تتداخل فيه مصالح كبرى، محذرة من استنساخ السياسات المعادية للفلسطينيين داخل أوروبا، ومن محاولات الالتفاف على الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، عبر تحويل الأنظار إلى صراعات أخرى، مثل السودان.
كما شددت على أن ما يجري في غزة يرقى إلى الإبادة الجماعية التي تنكرها معظم الدول الغربية، مؤكدة أنها تواصل عملها رغم التهديدات "لأنها لا تريد أن تعيش وهي تشاهد إبادة تتكشف يوما بعد يوم" حسب قولها.
وعبّرت فرانشيسكا ألبانيزي عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ"العجز البنيوي" الذي أصاب الأمم المتحدة ومؤسساتها، خاصة في قدرتها على منع الجرائم أو وقفها أو جبر الضرر الناتج عنها.
ورغم قناعتها بأن المنظمة بإمكانها إيجاد مخرج إن توفرت الإرادة، تعتقد المقررة الخاصة للأمم المتحدة أن هذا العجز لا يتعلق بالفلسطينيين فقط، بل يمتد ليشمل عشرات الصراعات التي لم تُناقش بعد داخل المنظومة الأممية.
وقالت ألبانيزي "الأجواء نفسها تهب على مباني وإجراءات كل من المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية التي تعد جزءا من الأمم المتحدة، ونحن عالقون بين الأمل واليأس، هناك أمل في أن يسود حكم القانون في المحاكم الدولية وأمل في أن تستعيد الدبلوماسية السيطرة على الوضع".
وترى أن المشهد الحالي يُدار وفق "قانون الأقوى" وأن ذلك لا يعود بالنفع على أي طرف، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها التي "لا يستفيد سكانها من السياسة الخارجية الأميركية وسياساتها تجاه الأمم المتحدة"، ومع ذلك، تؤكد أن هناك نافذة أمل متبقية تتمثل في سيادة القانون الدولي، بدل قانون الأكثر تسليحا.
ورفضت ألبانيزي الاستمرار في تقديم القضية الفلسطينية كقضية إنسانية أو سلسلة مآس معزولة، مؤكدة أن ما يجري "لا يعتبر زلزالا أودى بحياة أكثر من 60 ألف فلسطيني، بل نظام ممتد من الانتهاكات"، وشددت على أن الخروج من "الفوضى" يبدأ بتطبيق القانون الدولي وأحكام محكمة العدل الدولية.
إعلانوعند سؤالها عن أخطر الانتهاكات التي ترصدها، قالت "من الصعب الإشارة إلى جريمة واحدة، لأن الانتهاكات تشمل جميع الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين في كل أنحاء الأراضي الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل".
وذهبت أبعد من ذلك حين أشارت إلى أن "السياسات المعادية للفلسطينيين التي تتبعها إسرائيل تُستنسخ اليوم في أوروبا، حين تُمنع المظاهرات والفعاليات الداعية للعدالة لفلسطين، بسبب تعرض الناشطين والمثقفين والصحفيين للاضطهاد".
وتعتقد ألبانيزي أن "قوة جماعات الضغط المؤيدة للفصل العنصري في أوروبا لا تأتي فقط من مواردها، بل من خوفنا وجبننا"، داعية إلى التحلي بالشجاعة.
وأضافت المقررة الأممية أن "القضية الفلسطينية عبء سياسي يثقل كاهل ملايين البشر وكاهل الفلسطينيين، وحياة شعوب الشرق الأوسط، وأولئك الذين يدفعون الثمن، حيث إنه عندما يدفع أحدهم هذا الثمن الباهظ، يكون هناك من يستفيد ومن ينتصر".
وأبدت فرانشيسكا ألبانيزي حزنا بالغا تجاه ما يحدث في السودان، معتبرة أن "تسليط الضوء المفاجئ على مذبحة الفاشر ـرغم أنها ليست الأولى ـ يأتي في توقيت مريب بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة"، وترى أن هذا التحول "يخدم مناورة تهدف إلى تجنب التحدث عن غزة".
وتساءلت "لماذا نُدين هذه المذبحة فجأة، بينما العنف مستمر حقا في السودان، وتدعمه أيضا دول متورطة الآن في الصراع الذي بدأته إسرائيل ضد الفلسطينيين؟".
كما أوضحت أن "مجلس الأمن محكوم بتوازنات ورؤية عالمية لا تنتمي إلى هذا القرن أو القرن الماضي، بل إلى عالم ما قبل الاستقلال من الاستعمار"، وأن "حق النقض (الفيتو) لا ينبغي أن يكون جزءا من هذا النظام الذي لا يمكن إصلاحه طالما يُستخدم بهذه الطريقة المُسيّسة".
ولهذا السبب تعتقد ألبانيزي أن الأمم المتحدة ستفقد أهميتها ومركزيتها بشكل متزايد إذا لم تمضِ قدما وتغيّر الأمور على أرض الواقع.
"محض كذب وهراء".. المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز ترد على ما تدعيه الحكومة الإيطالية بقيادة ميلوني بأنها "ساعدت سكان قطاع غزة"#حرب_غزة pic.twitter.com/dgRCv24AtB
— قناة الجزيرة (@AJArabic) November 15, 2025
رفض الوصاية الدوليةوفي إطار تحقيق نشرته صحفية "الغارديان" كشف عن خطة لتقسيم قطاع غزة إلى منطقتين: منطقة خضراء يعاد إعمارها ومنطقة حمراء تترك في دمار كامل، يفصل بينهما خط أصفر، قالت ألبانيزي إن "أي نقاش حول غزة يقوده أي طرف غير الفلسطينيين هو نقاش خاطئ".
وأكدت أنه "لا توجد دولة مؤهلة لفعل شيء أفضل"، مطالبة بإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من أراضي غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وفق ما قضت به محكمة العدل الدولية وهو عدم شرعية الاحتلال.
وقالت ألبانيزي "لماذا لا نزال نتحدث عن رغبة إسرائيل في إعادة الإعمار؟ على إسرائيل ببساطة أن تردّ الجميل للولايات المتحدة وألمانيا، باعتبار أنهما أول دولتين تقدمان مساعدات عسكرية، والأكثر دعما تجاريا وماليا ودبلوماسيا، إلى جانب إيطاليا".
إعلانولذا، وصفت خطط الحماية والوصاية بأنها "ذريعة لترك إسرائيل تواصل سيطرتها على غزة وتهجير ما تبقى من الفلسطينيين، لأن وقف إطلاق النار سيسمح بتحقيق ما لم تتمكن الإبادة الجماعية والتطهير العرقي من تحقيقه في غزة" على حد قولها.
(الجزيرة)جدل الإبادة الجماعية
وأكدت ألبانيزي، وهي بالأصل محامية إيطالية، أن الحديث عن الإبادة الجماعية لا يزال "شبه محظور"، قائلة إنه من الصعب الحديث عنها، "ليس بالضرورة فقط في الأمم المتحدة، بل في الدول الغربية أيضا، لأن معظمها ينكرها، مع استثناءات قليلة مثل إسبانيا وسلوفينيا اللتين تعترفان بأن ما يحدث في غزة إبادة جماعية".
وتعتقد أن المشكلة تكمن في "البنية الاقتصادية والمالية والسياسية" التي تدعم إسرائيل، لأنها "متجذرة بعمق في أنظمتنا ومرتبطة جدا بالولايات المتحدة".
واعتبرت ألبانيزي أن "المطالبة بتطبيق القانون الدولي لا تتعلق بالكراهية تجاه إسرائيل"، قائلة إن ذلك "سيحمي الإسرائيليين أيضا، لأن الكثير منهم يتعرضون لجنون الإبادة الجماعية، ولأن تدمير الشعب الفلسطيني يستلزم تدمير جزء من الشعب الإسرائيلي، وهذا لا يمكن السماح به".
View this post on Instagram عقوبات واتهامات وتهديداتوفي الوقت الذي فرضت فيه واشنطن عقوبات قاسية على المقررة الأممية، تعرضت ألبانيزي أيضا لانتقادات حادة داخل بلدها إيطاليا، بينما منعتها إسرائيل من الدخول إلى الأراضي المحتلة، وحتى إعلاميا اتُهمت بتلقي أموال من حركة حماس.
وتعليقا على ذلك، قالت ألبانيزي "ليس من المستغرب أن الدولة التي أتهمها بارتكاب إبادة جماعية ستهاجمني بكل قوتها، وأنا لست وحدي لأنني أعمل إلى جانب لجنة التحقيق بشأن فلسطين وإسرائيل ومنظمة العفو الدولية والعديد من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية والعديد من الباحثين والخبراء".
وتابعت "لا أستغرب أيضا من الهجوم التي أتعرض له من طرف الدول المتواطئة مع إسرائيل بالقول إنني أشكل تهديدا للاقتصاد العالمي، لأنها دول -مثل الولايات المتحدة- تؤوي معظم الجهات الفاعلة الخاصة التي تستفيد من هذه الإبادة الجماعية مثل البنوك وشركات التكنولوجيا الكبرى والصناعة العسكرية".
لكنها ترى أن ما يثير دهشتها هو "غياب أي موقف أوروبي يقول: كفى!"، محذرة من أن فشل الأمم المتحدة في حماية خبرائها المستقلين ومسؤوليها سيؤدي إلى "انهيار علاقة الثقة، التي تشكل أساسا التزاميًا".
وفي زيارتها الأخيرة إلى باريس، التقت ألبانيزي عددا من نواب حزب "فرنسا الأبية" اليساري داخل البرلمان الفرنسي، للتطرق إلى ملف فلسطين والمناخ السياسي في أوروبا.
وكان من بين التصريحات التي فاجأت الحضور حديثها عن نوع وتبعات العقوبات المفروضة عليها منذ يوليو/تموز الماضي، بما في ذلك منعها من فتح حساب مصرفي وتسلّم الراتب، وفرض حظر على السفر، قائلة "قد يُغرّم زوجي ما يصل إلى مليون دولار لدعمه المادي لشخص خاضع للعقوبات".
وبصفتها مقررة أممية ومحامية، ترى ألبانيزي أن القانون الدولي يعيش "لحظة حرجة" لكنها ليست لحظة انهيار، مشيدة بما يقوم به الناس في الشوارع ومطالباتهم بتطبيق القانون الدولي واحترام قرارات محكمة العدل الدولية، و"هذا دليل واضح على النضج في المجتمعات" بحسب كلامها.
وتساءلت "هل كان لا بد من إبادة جماعية لنصل إلى هذا المستوى من الوعي؟ أود أن أقول لا، لكن ذلك قد حدث بالفعل، كما أن من هم في الحكم ومن يترأسون أكبر الشركات متعددة الجنسيات يستفيدون من هذا النظام، ويستغلون حياة الناس حتى يصلوا إلى حد الإبادة الجماعية".
إعلانوتعتقد المتحدثة أن "فلسطين تُمثل شوكة في خاصرة -ليس فقط إسرائيل- بل النظام الغربي والرأسمالي والدول العربية أيضا، لأن الفلسطينيين كانوا دائما مقاومين وناشطين".
وأضافت "في زمن تطور الوعي السياسي، كان الفلسطينيون في سياق القومية العربية مناضلين من أجل الحرية، وقد لاقى ذلك صدى في أفريقيا، حيث كان الناس يقاتلون ضد الاستعمار، وأعتقد أن هذه السمة للفلسطينيين -أنهم مقاومون ويُقاتلون- لا علاقة لها بالإرهاب".
وتختم فرانشيسكا ألبانيزي بأنها تدرك المخاطر على حياتها، لكنها ستواصل عملها "طالما أن الاحتلال والإبادة الجماعية وسياسة الفصل العنصري مستمرة"، وقالت "لا بد أن يقوم أحد بذلك، أليس كذلك؟ وأتمنى أن تكون هذه آخر إبادة جماعية في التاريخ، وآخر جريمة نسمح لإسرائيل بارتكابها دون عقاب ضد الفلسطينيين".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات محکمة العدل الدولیة فرانشیسکا ألبانیزی الإبادة الجماعیة المقررة الأممیة القانون الدولی الأمم المتحدة إبادة جماعیة فی غزة
إقرأ أيضاً:
مندوب لبنان في الأمم المتحدة: عدم التزام إسرائيل بوقف النار تسبب في تعثر الدولة اللبنانية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
قال مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة إن عدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار تسبب في تعثر الدولة اللبنانية.
وفي وقت سابق، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه أجرى محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، طلب خلالها عدم تنفيذ غارة واسعة النطاق على بيروت، في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.
وشهدت مناطق جنوب لبنان خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية تصعيدًا عسكريًا حادًا وُصف بأنه من الأعنف منذ التهدئة الأخيرة، بالتزامن مع توتر سياسي إقليمي واستعدادات لجولة جديدة من المفاوضات في واشنطن.
وأفادت مصادر ميدانية بسلسلة غارات إسرائيلية استهدفت بلدات عدة، بينها النميرية وصربين وكفردونين وفرون وطيردبا ودير الزهراني وشقرا وحبوش ومحرونة، إضافة إلى قصف مدفعي طال أطراف كفررمان في قضاء النبطية. كما ترافقت العمليات مع تفجيرات ميدانية في مناطق حدودية، وسط تحذيرات إسرائيلية بإخلاء بلدات في الجنوب.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذه هجمات باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، استهدفت تجمعات لآليات وجنود إسرائيليين في بلدات عدة بينها دبل وحداثا والبياضة ورشاف والناقورة وشمع ويارون، إضافة إلى استهداف دبابات ميركافا ومواقع عسكرية إسرائيلية في محاور القتال الجنوبية. وأكد الحزب أنه حقق إصابات مباشرة وأجبر بعض القوات على التراجع.
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي عن إصابة عدد من جنوده في اشتباكات وانفجارات طالت وحدات عسكرية جنوب لبنان، بينهم إصابات خطيرة ومتوسطة، مشيرًا إلى استمرار تقييم الوضع العملياتي على مختلف الجبهات.
كما أفادت تقارير إسرائيلية بإصابة قائد لواء بجروح خطيرة جراء انفجار طائرة مسيّرة، بينما تحدثت وسائل إعلام محلية عن ارتفاع حصيلة الإصابات في صفوف الجيش خلال العمليات الأخيرة.
وعلى الصعيد الإنساني، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة القتلى والجرحى جراء الغارات الأخيرة، مع تسجيل سقوط عشرات الضحايا خلال الساعات الماضية، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى إصابات متفاوتة في مناطق متعددة من الجنوب.
وفي السياق السياسي، حذرت جهات لبنانية من تعويل المفاوضات على دور الوساطة الأمريكية، فيما واصلت الأطراف الدولية متابعة التطورات الميدانية المتسارعة، وسط مخاوف من توسع نطاق المواجهة.
وبين تبادل الغارات والهجمات، تبدو الجبهة الجنوبية مفتوحة على مزيد من التصعيد، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تهدئة قريبة، واستمرار العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة على جانبي الحدود.