نهيان بن مبارك يشارك أبناء الجالية السورية الاحتفال بموروثهم الثقافي والحضاري
تاريخ النشر: 22nd, November 2025 GMT
دبي (الاتحاد)
شهد معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، ونخبة من الشخصيات الاقتصادية والاجتماعية من الجالية السورية في الدولة، الاحتفالية الجماهيرية الكبرى التي أقيمت لمشاركة أبناء الجالية السورية الاحتفاء بموروثهم الحضاري والثقافي، وذلك في مركز دبي للمعارض بمدينة إكسبو دبي.
وحظيت الاحتفالية، التي شكلت فرصة لتعريف أبناء كافة الثقافات الأخرى على جوانب من خصوصية التراث والثقافة والفنون السورية، بحضور جماهيري كبير، معظمه من أبناء الجالية السورية، حيث وصل عدد الحضور إلى أكثر من 25 ألف شخص.
وشكل الحدث الذي نظمته صفحة «الإمارات تحب سوريا»- وهي صفحة تشارك محتوى ملهماً يُبرز قصص نجاح ومساهمات الجالية السورية في دولة الإمارات - بالتعاون مع عدد من أبناء الجالية السورية بالدولة، مناسبة لإبراز ثراء الثقافة والتراث والموروث السوري، وتنوع مواهب المجتمع السوري في دولة الإمارات، فضلاً عن تعزيز العلاقات الاجتماعية بين أفراد الجالية السورية، وإبراز العلاقات القوية والعميقة التي تربط بين الشعبين الإماراتي والسوري، والاحتفاء بالعلاقات الراسخة بين البلدين، وتعزيز روابط الصداقة بين الجانبين.
جسور التواصل والتعاون
في كلمته أمام الحضور، قال معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان إن هذا اللقاء الأخوي يجسد المحبة المتبادلة بين شعب سوريا وشعب الإمارات، مؤكداً فخره بالعلاقات القوية التي تجمع البلدين الشقيقين، وحرصهما المشترك على أن تبقى هذه العلاقات نموذجاً للتعاون المثمر بين الأشقاء في مختلف المجالات.
وأضاف معاليه أن العلاقات بين سوريا والإمارات تقوم على تاريخ عريق وتراث أصيل وقيم إنسانية نبيلة يشترك فيها الشعبان، مشدداً على أن هذه الروابط المتجذرة تمثل قاعدة راسخة لتعزيز العمل المشترك لما فيه الخير والنماء للشعبين وللأمة العربية بأسرها.
وأكد معاليه أن احتفال اليوم بسوريا الشقيقة في الإمارات يأتي تجسيداً لرؤية الدولة بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التي تقوم على دعم الأشقاء، وتعميق جسور التواصل والتعاون، وترسيخ قيم التضامن الإنساني والعمل المشترك من أجل مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للمنطقة والشعوب العربية.
وتابع معاليه موضحاً أن هذا الاحتفال هو أيضاً احتفال بأبناء الجالية السورية الذين يعيشون في الإمارات ويساهمون بجهودهم وإبداعهم في مسيرة التطور في الدولة، مقدماً شكره وتقديره لهم على عطائهم المتواصل وقدرتهم العالية على العمل والإنجاز.
ونوه معاليه بأن هذه المناسبة تحمل رسالة محبة وإجلال للشعب السوري، وتؤكد اعتزاز الإمارات بتراث سوريا العريق، وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين، ومدنها التاريخية التي تعد من أقدم مدن العالم، فضلاً عن إسهامات الشعب السوري في الحضارة الإنسانية ومسيرتها العلمية والثقافية.
وأشار معاليه إلى التزام البلدين، سوريا والإمارات، بتعميق جسور الود والأخوة والمحبة، والعمل معاً في سبيل تعزيز الاستقرار وتحقيق التنمية، وتأكيد التعاون، بما يحقق منفعة الشعبين، ويدعم مسيرة الأمة العربية. كما أعرب معاليه عن تمنياته الطيبة لسوريا الشقيقة، داعياً الله أن يحفظها بلداً قوياً بأبنائه، عزيزاً بتاريخه، واثقاً بمستقبله، وأن ينعم أهلها بالأمن والسلام والاستقرار.
واستطرد معاليه قائلاً إن أبناء الجالية السورية لطالما تميزوا بمحبتهم للغة العربية ومهاراتهم العالية في التعبير بها، لافتاً إلى مسابقة «حياتنا في الإمارات» التي أطلقتها وزارة التسامح والتعايش بالتعاون مع صندوق الوطن بمناسبة عام المجتمع، داعياً أبناء الجالية السورية إلى المشاركة الواسعة في هذه المسابقة التي تفتح المجال للتعبير عن مشاعرهم تجاه الإمارات ونموذجها الإنساني المتفرد. وختم معاليه كلمته داعياً الله سبحانه وتعالى أن تظل سوريا دائماً بلد السلام والاستقرار، وأن تظل الإمارات أرض التعايش والأخوة الإنسانية، وأن يشكل البلدان معاً رمزاً لوحدة الأمة العربية وتقدمها وازدهارها بين الأمم.
تكريم أصحاب الإنجازات
قام معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان بتكريم عدد من الشخصيات الرائدة وأصحاب الإنجازات النوعية من أبناء الجالية السورية الذين قدموا من خلال عطائهم على أرض الإمارات نموذجاً للتميز والنجاح في العديد من المجالات.
وكرم معاليه محمد بشیر قلعه جی المؤسس والمدير العام لـ«بي كلينك»، ومحمد بشار سلو الرئيس التنفيذي ورئيس شركة «سيدار» العالمية، والفنان السوري القدير ياسر أنور العظمة، وموفق القداح رئيس مجلس إدارة مجموعة «ماج» القابضة، والفنان السوري القدير أسعد فَضّة، وعبدالقادر السنكري، مؤسس مجموعة السنكري الاستثمارية، ود. بشار تيسير سمحة، رجل أعمال سوري وخبير تطوير عقاري، ود. عمر الحلاق، استشاري أمراض القلب والتداخلات القلبية في دبي، ود. سليمان نيال، المدير العام لـ The Polyclinic في دبي، وعادل مارديني، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «جيتكس»، ود. أسامة الببيلي، المؤسس والمدير العام لمختبرات «يورك» للتشخيص الطبي في الإمارات، ود. مازن الصواف، طبيب سوري متخصص في مكافحة الشيخوخة، والإعلامي السوري الكبير الأستاذ مصطفى الآغا، والمهندس معتز المالح، محكم وخبير محلف معتمد لدى محاكم دبي ومركز دبي للتحكيم الدولي، وغازي قدسي، مؤسس ورئيس مجلس الإدارة لمركز العناية الصحية «نيوكانتري».
الثقافة والفنون السورية
شهدت الاحتفالية أجندة فعاليات متنوعة تضمنت العديد من الأنشطة الثقافية والفنية والعروض الموسيقية والمعارض التراثية، ومعارض المنتجات المتنوعة التي تشتهر بها سوريا، وعروضاً فنية حية للموسيقى والرقصات الشعبية، والعروض الحية للعائلات والأطفال، إلى جانب معارض للحِرَف اليدوية والمنتجات الإبداعية التي تعكس خصوصية المنتج السوري، وأكشاكاً لبيع المأكولات التقليدية وتجارب تفاعلية تُقرب الجمهور من تفاصيل التراث السوري.
واشتملت الفعالية على العديد من الفعاليات التي تعبر عن مختلف جوانب تاريخ وثقافة وموروث سوريا، بالإضافة إلى مجموعة من الجلسات الحوارية الملهمة، والملتقيات المجتمعية، كما استقطبت الفعالية كذلك شاحنات طعام قادمة من مدن سورية مختلفة، شهدت إقبالاً متميزاً. وشكلت الاحتفالية مناسبة لتسليط الضوء على الثقافة والتراث والفنون السورية، ومساهمات الجالية السورية في مسيرة التنمية المستدامة التي تشهدها دولة الإمارات، والاحتفاء بالعلاقات التاريخية الممتدة بين البلدين الشقيقين، وتعزيز علاقات الصداقة بين الشعبين.
ويأتي تنظيم الحدث الذي أقيم في أجواء مجتمعية نموذجية جمعت ما بين التواصل الاجتماعي للعائلات والأفراد الذين حرصوا على حضور فعالياته، في سياق العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع دولة الإمارات والجمهورية العربية السورية، وما تشهده من نمو متواصل في مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري والثقافي، وما يرتبط بذلك من برامج ومبادرات تعزز التبادل المعرفي وتتيح فرصاً أوسع لقطاعي الأعمال والإبداع لدى الجانبين.
«ماج» القابضة شريك استراتيجي
قد انضمت مجموعة «ماج» القابضة شريكاً استراتيجياً في فعالية «الإمارات تحب سوريا». وتعد مجموعة «ماج» من أبرز المؤسسات الرائدة في دولة الإمارات والمنطقة، حيث تتمتع بحضور مميز وإسهامات واسعة في قطاعات عدة. ويأتي هذا التعاون تأكيداً على التزام الجانبين بدعم المبادرات الإنسانية، وتعزيز الروابط الأخوية بين الشعبين، بما يسهم في تحقيق أثر إيجابي مستدام.
وعبر موفق أحمد القداح، رئيس مجلس إدارة مجموعة «ماج» القابضة بهذه المناسبة عن تقديره للجهود المميزة في تنظيم مثل هذه الفعاليات المجتمعية، وقال: يسعدنا في مجموعة ماج القابضة أن نكون شريكاً وراعياً لفعالية «الإمارات تحب سوريا»، هذه المبادرة الراقية التي تجسد عمق الروابط الأخوية بين الشعبين الإماراتي والسوري، وتعبر عن رسالة محبة وتضامن إنساني وثقافي تتجاوز الحدود، وتؤكد أن القيم النبيلة هي ما يجمعنا دائماً.
مجموعة «سنكري» شريك استراتيجي
قد انضمت مجموعة سنكري شريكاً استراتيجياً في فعالية «الإمارات تحب سوريا». وقد تأسست مجموعة سنكري عام 1983 في مدينة العين بدولة الإمارات العربية المتحدة على يد الدكتور عبدالقادر أحمد سنكري، كمشروع متخصص في قطاع الأزياء. وقد حققت المجموعة نجاحات مهمة، إذ امتلكت وأدارت علامات تجارية عالمية رائدة، بعضها بملكية إقليمية للشرق الأوسط وبعضها بملكية عالمية كاملة، مما عزّز حضورها مجموعة ذات امتداد دولي.
وقال الدكتور عبدالقادر سنكري مخاطباً السوريين في الإمارات: «لقد احتضنتكم الإمارات إخوةً في العروبة يوم ضاقت السبل، فكونوا لها أبناء وفاء… اعملوا من أجلها، وامنحوها من محبتكم كما منحتكم من محبتها وأمنها وفرصها وكرمها».
بيئة من التعايش والانفتاح
الجدير بالذكر أن تنظيم الفعالية يترجم النجاح الذي حققته دولة الإمارات في توفير بيئة من التعايش والانفتاح والانسجام تتيح للجميع العيش بسلام وتناغم مرسخة نموذجاً عالمياً يحتذى به في احترام التنوع الثقافي القائم على التعايش والتمازج والتقدير والاحترام المتبادل بين أبناء المجتمعات والثقافات كافة، وبما يعكس حرص دولة الإمارات على تعزيز أواصر التعاون والمحبة مع شعوب مختلف الدول الشقيقة والصديقة، وترسيخ قيم التسامح بين شعوب العالم كافة.
وتعد دولة الإمارات من أهم الشركاء التجاريين لسوريا على المستويين العربي والعالمي، وتشهد العلاقات بين البلدين في المجالات الاقتصادية تنامياً يعكس خصوصية العلاقات الإماراتية السورية، وتسعى البلدان لتعزيز مجالات التعاون، بما يلبي تطلعات البلدين وإمكاناتهما الاقتصادية، والاستفادة من الفرص الجديدة، خصوصاً من خلال الاستثمار في القطاعات الحيوية والمستقبلية، وتوسيع علاقات التعاون الاقتصادي بين البلدين في المجالات ذات الاهتمام المشترك، وتطوير الشراكات الاستثمارية الجانبين.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: نهيان بن مبارك الجالية السورية احتفال أبناء الجالیة السوریة نهیان بن مبارک دولة الإمارات بین الشعبین بین البلدین فی الإمارات آل نهیان
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.