ترامب يحاصر زيلينسكي بخطته لإنهاء حرب أوكرانيا
تاريخ النشر: 23rd, November 2025 GMT
مع خطته الجديدة المكونة من 28 نقطة لإنهاء حرب روسيا في أوكرانيا، يُعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح حجته القائلة بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لا يملك "القوة" لمواصلة القتال، ويجب عليه التوصل إلى تسوية تميل بشدة لصالح موسكو.
يقول ترامب، الذي لم يبد أي احترام لزيلينسكي منذ ولايته الأولى، إنه يتوقع أن يجيب الزعيم الأوكراني على خطة إدارته الجديدة لإنهاء الحرب بحلول يوم الخميس المقبل.
وقال ترامب يوم الجمعة الماضي عن زيلينسكي: "سيتعين عليه الموافقة عليها"، إلا أنه كان أكثر تصالحا في اليوم التالي، قائلا: "أود أن أحقق السلام".
وقال ترامب للصحفيين خارج البيت الأبيض أمس السبت "نحاول إنهاء هذه الحرب. بطريقة أو بأخرى، علينا أن ننهيها".
وبعد ساعات، قال أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي المنتقدون لنهج ترامب لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية إنهم تحدثوا مع وزير الخارجية ماركو روبيو الذي أخبرهم أن خطة السلام التي يضغط ترامب على كييف لقبولها هي في الواقع "قائمة أمنيات" للروس وليست الاقتراح الفعلي الذي يعرض مواقف واشنطن.
ووصفت وزارة الخارجية الأميركية هذا الادعاء بأنه "كاذب"، واتخذ روبيو لاحقا خطوة استثنائية مساء أمس بإصراره على أن الخطة أعدتها الإدارة الأميركية، لكن الأمرأثار المزيد من التساؤلات حول مصيرها.
موقف صعبومع ذلك، وفي ظل فضيحة فساد في حكومته، وانتكاسات في ساحة المعركة، وشتاء قاسٍ آخر يلوح في الأفق مع استمرار روسيا في قصف شبكة الطاقة الأوكرانية، يقول زيلينسكي "إن أوكرانيا تواجه الآن ربما أصعب خيار في تاريخها".
كانت علاقة ترامب وزيلينسكي متوترة. لم يتحدث زيلينسكي مع ترامب منذ إعلان الخطة الأسبوع الماضي، لكنه قال إنه يتوقع التحدث مع الرئيس الجمهوري في الأيام المقبلة. ومن المرجح أن تكون هذه المكالمة حلقة أخرى من سلسلة محادثات صعبة أجراها الزعيمان على مر السنين.
إعلانوفي أول مرة تحدثا فيها، عام 2019، حاول ترامب الضغط على الرئيس الأوكراني الجديد آنذاك للكشف عن معلومات تضر بالرئيس السابق جو بايدن قبل انتخابات الرئاسة الأميركية التي جرت عام 2020. وأدت تلك المكالمة الهاتفية إلى أول محاكمة لترامب.
جعل ترامب دعم بايدن لأوكرانيا قضية محورية في حملته الانتخابية الناجحة عام 2024، قائلا إن الصراع كلف دافعي الضرائب الأميركيين مبالغ طائلة، وتعهد بإنهاء الحرب بسرعة.
وفي وقت سابق من هذا العام، وفي اجتماع كارثي بالمكتب البيضاوي، انتقد ترامب ونائبه جيه دي فانس زيلينسكي بشدة لما وصفاه بـ"نقص الامتنان" لأكثر من 180 مليار دولار خصصتها الولايات المتحدة للمساعدات العسكرية وغيرها من المساعدات لكييف منذ بداية الحرب. أدت تلك الحادثة إلى تعليق مؤقت للمساعدات الأميركية لأوكرانيا.
بين الكرامة والتاريخوالآن، وبعد الإعلان عن خطته لإنهاء الحرب يضغط ترامب على زيلينسكي للموافقة على التنازل عن أراضٍ لموسكو، وتقليص هائل في حجم الجيش الأوكراني، وموافقة من أوروبا على التأكيد على عدم قبول أوكرانيا أبدا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) .
وقال زيلينسكي في خطاب مصور يوم الجمعة الماضي "قد تجد أوكرانيا نفسها الآن أمام خيار صعب للغاية، إما فقدان الكرامة، أو خطر فقدان شريك رئيسي".
وتتمحور خطة ترامب حول دعوة أوكرانيا للتنازل عن كامل منطقة دونباس الشرقية، على الرغم من أن مساحة شاسعة من تلك الأراضي لا تزال تحت السيطرة الأوكرانية.
وقدر محللون في "معهد دراسات الحرب" المستقل أن الجيش الروسي سيستغرق عدة سنوات للسيطرة الكاملة على المنطقة، بناء على معدل تقدمه الحالي.
ومع ذلك، يُصر ترامب على أن خسارة المنطقة -التي تضم مدنا تعد مراكز دفاعية وصناعية ولوجستية حيوية للقوات الأوكرانية- أمر واقع.
وردا على سؤال خلال مقابلة مع إذاعة "فوكس نيوز" قبل يومين حول مساعيه لإجبار أوكرانيا على التخلي عن المنطقة قال ترامب "سيخسرون في فترة قصيرة. أنتم تعلمون ذلك. إنهم يخسرون الأرض. إنهم يخسرون الأرض".
صبر ترامبقدّم دان دريسكول، وزير الجيش الأميركي، اقتراح ترامب رسميا إلى زيلينسكي في كييف يوم الخميس الماضي.
كانت الخطة نفسها مفاجئة لموظفي دريسكول، الذين لم يكونوا على علم حتى وقت متأخر من يوم الأربعاء الماضي بأن رئيسهم سيذهب إلى أوكرانيا ضمن فريق لعرض الخطة على الأوكرانيين.
غادر مسؤولو الجيش الأميركي ذلك الاجتماع بانطباع أن الأوكرانيين ينظرون إلى الاقتراح كنقطة انطلاق ستتطور مع تقدم المفاوضات، وفقا لمسؤول أميركي تحدث طالبا عدم ذكر اسمه.
وليس من الواضح مدى صبر ترامب على المزيد من المفاوضات. لكن السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت اعتبرت أن خطة ترامب الجديدة" تعكس واقع الوضع وتقدم أفضل سيناريو مربح للجانبين، حيث يحصل كلا الطرفين على أكثر مما يجب أن يقدماه".
وعندما سُئل عن رد زيلينسكي المتردد في البداية على الاقتراح، استذكر ترامب الاجتماع البيضاوي في فبراير/شباط الماضي.
ترامب يتتبع نقاط ضعف الآخرينيقول كونستانتين سونين، الخبير الاقتصادي السياسي والخبير في الشؤون الروسية بجامعة شيكاغو "ما يجيده دونالد ترامب بلا شك هو رصد نقاط ضعف الناس".
إعلانويدعو أحد بنود اقتراح ترامب، البالغ عددها 28 بندا، إلى إجراء انتخابات في غضون 100 يوم من نفاذ الاتفاق.
وقال سونين: "أعتقد أن هذا تقييم عقلاني بأن هناك نفوذا أكبر على زيلينسكي منه على بوتين". وأضاف "ظهر زيلينسكي إلى الحائط و"حكومته قد تنهار إذا وافق على الاقتراح الأميركي".
في الوقت نفسه، تظهر أوكرانيا علامات متزايدة على التوتر في ساحة المعركة بعد سنوات من الحرب ضد جيش روسي أكبر حجما وأفضل تجهيزا.
وتحاول أوكرانيا جاهدة صد الهجمات الجوية الروسية المتواصلة التي تسببت في انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد مع اقتراب فصل الشتاء.
كما تعاني كييف من شكوك حول مستقبلها. خصوصا وأن خطة أوروبية لتمويل ميزانية العام المقبل لأوكرانيا من خلال قروض مرتبطة بأموال روسية مجمدة أصبحت موضع تساؤل.
ويتضمن اقتراح ترامب، بصيغته الحالية، عدة عناصر من شأنها أن تمس بعمق بالكرامة الأوكرانية، وفقا لديفيد سيلبي، المؤرخ العسكري بجامعة كورنيل.
ويدعو أحد بنود الخطة روسيا وأوكرانيا إلى إلغاء "جميع الإجراءات التمييزية وضمان حقوق وسائل الإعلام والتعليم الأوكرانية والروسية، و"رفض وحظر جميع الأيديولوجيات والأنشطة النازية".
وقد يرى الجانب الأوكراني أن هذا العنصر يعطي مصداقية لترويج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لروايات تاريخية مشوهة لإضفاء الشرعية على غزو عام 2022.
وسبق أن قال بوتين إن الحرب هي في جزء منها محاولة "لنزع النازية" عن أوكرانيا، وشكا من "النظام النازي الجديد" في البلاد كمبرر للغزو الروسي.
وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة في أوكرانيا عام 2019، بلغت نسبة التأييد لمرشحي اليمين المتطرف 2%، وهي نسبة أقل بكثير من العديد من الدول الأوروبية الأخرى.
وقال سيلبي إن بند الخطة "محاولة واضحة لتعزيز ادعاء بوتين بالهوية الثقافية الروسية داخل أوكرانيا، بدءا من خسارة الأراضي، مرورا بالتقليص الكبير في حجم الجيش الأوكراني، وصولا إلى التنازلات الثقافية المطلوبة، ولا أعتقد أن زيلينسكي سيوافق على هذه الصفقة ويواجه جمهوره مجددا".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات دونالد ترامب ترامب على
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.