الثورة نت:
2025-11-29@18:27:23 GMT

عدن وحلم الرفاهية المُستحيلة

تاريخ النشر: 24th, November 2025 GMT

عدن وحلم الرفاهية المُستحيلة

 

لا تكاد تسمع في عدن حديثًا يعلو على حديث الماضي الذي يصوره أهلها كعصرٍ ذهبي، كانت فيه المدينة ــ كما يقولون ــ مركزًا اقتصاديًا مزدهرًا وواحة رفاهية يقصدها الجميع. ذلك الماضي تحول اليوم إلى حلم تتعلق به قلوب الصغار والكبار، يخففون به عن أنفسهم قسوة الواقع الذي يطوقهم منذ عقود.

فالمدينة، في أعينهم، تنحدر كل يوم إلى وضع أسوأ من سابقه، حتى باتت صورتها الراهنة أقرب إلى مدن الصفيح التي يخشون السقوط في مستواها.

وبين ما كان وما صار، تبقى عدن أسيرة مقارنة موجعة، يطاردها حلم الرفاهية الذي يبدو أبعد من أي وقت مضى.

لكن الأقسى من هذا الواقع أن حلم الرفاهية ذاته بات وسيلة ابتزاز يتلاعب بها الغزاة والساسة. يلوّحون به كلما أرادوا إحكام قبضتهم أو تبرير نهب مقدرات المدينة، ويغذّون أملًا زائفًا يبقي عدن غارقة في فوضى مقصودة، حتى لا تستعيد مكانتها ولا تتحول يومًا إلى ميناءٍ أو بديل يهدد مصالحهم.

ومن هذا السياق، أصبح كثير من أبناء عدن ورقة تستغلها القوى المتسلطة، تدفع بهم إلى خطوط صراع لا تمثلهم، مستخدمة حاجتهم للعيش لإقناعهم بالانخراط في حروب لا تعود بالنفع عليهم ولا على مدينتهم. وهكذا، بدل أن يكون حلم الرفاهية بوابتهم إلى مستقبل أفضل، بات بعضهم يُقدَّم ــ نتيجة للاستغلال ــ كقوة عسكرية رخيصة توظَّف لتحقيق أهداف الآخرين، ما جعلهم أرخص مرتزقة في العالم، بحسب الإعلام الغربي.

والمؤسف أن ما تمرّ به عدن من أزمات ليس منفصلًا عن فكرة واحدة تكرّرت في تجارب عربية عديدة: التعلّق بحلم الرفاهية المطلقة والبحث عن حلول سريعة تُنقذ الحاضر بضربة واحدة. هذا الحلم، حين لا يستند إلى وعي واقعي، يتحول إلى فخّ تُستغل فيه تطلعات الناس لمشاريع ووعود لا تتحقق، بل تعيد إنتاج المعاناة بشكل أعمق. والتجربة العراقية شاهد بارز على ذلك؛ فقد أغرت الوعود الأمريكية البعض بمستقبل اقتصادي زاهر، ثم وجدوا أنفسهم أمام واقع مضطرب أثقل البلاد بفوضى أمنية راح ضحيتها الملايين ولا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

هذه الحالة من النهم والغباء السياسي تذكرنا بمقولات مأثورة لساسة غربيين سخروا من حال الشعوب المتعطشة للرفاهية، فالسياسي الأمريكي توماس جيفرسون، وهو من المؤسسين للولايات المتحدة، حذر شعبه من الانجرار خلف وهم الرفاهية كون ذلك ينتهي بالتبعية للقوى المتسلطة، وكان يقصد بتلك القوى بريطانيا العظمى التي احتلت أمريكا لقرون طويلة.

كما حذر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل شعبه من الانخداع بالدعاية النازية التي أطلقت وعودًا كثيرة للإنجليز، حين قال: «من يضحّي بالواقع من أجل الوعود، يخسرهما معًا». وهذا التنبّه يتقاطع مع تحذير المفكر والمؤرخ الفرنسي ألكسيس دو توكفيل، الذي قال: «الشعوب التي تهرب من مشقة البناء، تجد نفسها في حضن من يستغل حاجتها»، في إشارة إلى خطورة الانجرار وراء الوعود الزائفة والسعي وراء رفاهية لا تُبنى بالعمل والوعي.

وفي نهاية المطاف، تظل عدن مثالًا حيًا على مخاطر التعلق بحلم الرفاهية المطلقة دون وعي بالواقع المحيط. فالأمل في العودة إلى زمن الازدهار، إذا لم يصحبه إدراك لقيمة العمل والمقاومة الذاتية، يصبح أداة استغلال وابتزاز بيد من يملكون السلطة والنفوذ. والدرس واضح لكل الشعوب: الرفاهية لا تُفرض بالوعود ولا تُستدان من الخارج، بل تُبنى بالصبر، بالجهد، وبالقدرة على مواجهة الواقع والتحديات، وكما قال الشاعر:

لا يرتقي شعب إلى أوج العُلاء

ما لم يكن بانوه من أبنائه.

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

السؤال الذي ينقذك حين لا ينقذك أحد

هناك لحظة يا صديقي يتوقف فيها الإنسان أمام نفسه كما لو أنه يراها لأول مرة؛ لحظة لا تعود فيها الإجابات القديمة قادرة على تهدئة القلق الذي يتحرك تحت الجلد. في تلك اللحظة لا نبحث عن يقين جديد بقدر ما نبحث عن مساحة نتنفس فيها، مساحة تقول لنا إن الضياع ليس خطيئة، وإن السؤال ليس علامة ضعف بل بداية فهم أعمق لما يحدث داخلنا.
وما يجعل السؤال خلاصًا في أوقات كهذه هو أنه يوقظ شيئًا في أعماقنا كان نائمًا لسنوات طويلة. عزيزي القارئ، المجتمع يحب الإجابات لأنها تمنح شعورًا بالبقاء في منطقة آمنة، لكن الفلسفة – ذلك الفن القديم الذي يعلّمنا كيف ننظر للعالم – تخبرنا أن السؤال هو الخطوة الأولى للخروج من الظلام. السؤال حركة، والروح التي تتحرك تبدأ في التعافي مهما كان الألم الذي تحمله.
والحقيقة أن أغلب أسئلتنا ليست موجهة إلى العالم، بل إلينا نحن. نحن نسأل كي نفهم ما الذي جرحنا، وما الذي لم نعد قادرين على احتماله، ولماذا فقدت أشياء كثيرة قيمتها في أعيننا دون أن نفهم السبب. السؤال هنا لا يهدد استقرارنا بل يكشف هشاشته، يزيل الطبقات التي غطينا بها خوفنا، ويجعلنا نرى الحقيقة كما هي لا كما تعلمنا أن نقولها.
يا صديقي، السؤال ليس محاولة للهرب من الواقع، بل جرأة على مواجهته. لأن الإنسان حين يصبح أسيرًا لإجابات لم يخترها بنفسه، يعيش كأن حياته مُدارة من بعيد، بينما السؤال يعيد إليه مركزه، يعيد إليه صوته الذي نسيه وسط الضجيج. والسؤال الجيد لا يقدم خلاصًا سريعًا، لكنه يفتح بابًا كان مغلقًا في الداخل، بابًا لو فُتح تتغيّر طريقة رؤيتك لكل شيء.
ولأن الفلسفة بطبيعتها لا تفرض عليك طريقًا بل تكشف لك طرقًا جديدة، فإن السؤال الفلسفي يمنحك مساحة تُعيد فيها ترتيب فوضاك الداخلية. قد لا تجد جوابًا فورًا، وقد يظل السؤال معلقًا وسط الحياة مثل علامة استفهام كبيرة، لكنه رغم ذلك يمنحك قوة؛ قوة أن تعترف بأنك تبحث، وأنك لست متفرجًا على وجودك بل مشاركًا فيه.
عزيزي القارئ، نحن لا ننجو بالإجابات السهلة، ولا بالطرق التي سار فيها الجميع قبلنا. نحن ننجو حين نمتلك شجاعة أن نسأل: ماذا يحدث لي؟ ولماذا؟ وإلى أين أمضي؟ وهذه الأسئلة ليست دليل ضياع… بل دليل حياة. فالمياه الراكدة قد تبدو هادئة، لكنها بلا نبض. أما السؤال فهو الموج الذي يحرك الروح، يزعج سكونها، لكنه يوقظها في الوقت نفسه.
وفي النهاية، حين يصبح السؤال خلاصًا، فهذا يعني أنك بدأت ترى نفسك بصدق، وأن الرحلة الحقيقية قد بدأت. لا تخف من السؤال يا صديقي، لأن السؤال – وحده – يعرف الطريق إلى الباب الذي تنتظره روحك منذ زمن طويل.

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]

مقالات مشابهة

  • الطيران الدولى يدخل مرحلة «خدمات ما بعد الرفاهية».. وإسطنبول بوابة محورية للمسافرين العرب
  • السؤال الذي ينقذك حين لا ينقذك أحد
  • الفاسي: الشراكة الأورومتوسطية تحتاج للحوار والعمل لتحقيق مصالح الشعوب
  • ما هو القلم الآلي الذي ألغى ترامب كل توقيعاته؟
  • الثقافة دليل نهضة ورقى الشعوب
  • أبو العينين: تحركات الرئيس السيسي وضعت إطارا جديدا للعلاقات الدولية يقوم على الشراكة الحقيقية واحترام إرادة الشعوب
  • طارق المنهالي يمزج الألحان الإماراتية بالموروث الشامي في «إكسبو دبي»
  • اليمن.. صوتٌ أقوى من الحظر
  • تيك توك يطلق مساحة "الوقت والصحة" لتعزيز الرفاهية الرقمية للمستخدمين
  • مهرجان الشيخ زايد.. احتفاء عالمي بثقافات الشعوب وتراثها