الانتخابات ليست ورقة تُلقى في صندوق، ولا مشهدًا موسميًا يتكرر كل خمس سنوات.
الانتخابات، بكل أنواعها، ممارسة ثقافية تمتد عبر الأجيال، تبدأ في الشارع ومع المواطن، ثم تتبلور في شكل أحزاب سياسية تعكس احتياجاته، ويظهر أثرها في صندوق التصويت باعتباره صوت الدولة وضمير المجتمع.
ورغم أن مصر تمتلك تاريخًا سياسيًا طويلًا، فإن الحياة الحزبية منذ ثورة 1952 تعرضت لضعف واضح، فتحولت أغلب الأحزاب إلى كيانات قائمة على إرث الماضي بدلًا من تفاعل الحاضر.
ومع لحظة الانفجار، اختفت كل الأحزاب تقريبًا، ومنها حزب كان يضم ما يقرب من ثلاثة ملايين عضو، لأن أغلبهم لم يكونوا أبناءً للشارع الحقيقي، بل أبناءً لمصالحه، ودخلت مصر بعدها فراغًا سياسيًا خطيرًا في لحظة كانت الدولة تخوض فيها حرب وجود من كل الاتجاهات، مما جعل إعادة البناء السياسي تتراجع أمام أولويات حماية الكيان الوطني.
ومع بدء تشكل أحزاب جديدة بعد 2014، ظلت التجربة الحزبية تتحرك ببطء، مدفوعة بالحاجة لاستكمال الصورة السياسية أكثر من قدرتها على تمثيل المجتمع، وعندما جاءت انتخابات المرحلة الأولى لعام 2025، ظهرت أخطاء وتجاوزات أعادت الأذهان إلى درس 2010، فكان التدخل الواضح والحاسم من الرئيس عبد الفتاح السيسي وقفة ضرورية لإعادة الانضباط ووقف أي انزلاق مشابه.
في المقابل، جاء أداء بعض الأحزاب ومرشحيها مرتبكًا، غير قادر على التعبير عن خطورة اللحظة ولا عن تطلعات الشارع، بينما ظل الإعلام المصري مترددًا في تناول المشهد بوضوح، مما خلق حالة ارتباك أدت إلى غضب شعبي واسع بين المواطنين.
وتجري اليوم المرحلة الثانية من انتخابات 2025 وسط انتظار وترقب بأن يتم تجاوز أخطاء المرحلة الأولى، وفي ظل نظر المحكمة الإدارية العليا في مئات الطعون، وهي لحظة فارقة يشعر فيها الشارع بأنه شريك مباشر في تحديد مسار الدولة.
هنا يصبح السؤال: هل يمكن لدولة بحجم مصر أن تبني مستقبلها السياسي دون حياة حزبية حقيقية؟
تُجيب تجارب العالم بوضوح: السياسة لا تُبنى من فوق.. بل من تحت.
ففي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أعادت الأحزاب بناء نفسها من القاعدة الشعبية إلى القمة، فظهرت حياة سياسية قوية أصبحت نموذجًا عالميًا.
وفي الهند، لم تكن قوة أكبر ديمقراطية في العالم نابعة من مظاهر انتخابية، بل من أحزاب غُرست جذورها في القرى والجامعات والمصانع.
وفي المغرب وتونس، بعد زلازل 2011، ظهرت أحزاب صنعت حضورها من الشارع، فأصبحت جزءًا من معادلة الحكم.
هذه النماذج تؤكد أن الشارع هو من يصنع السياسة، لا القاعات المغلقة ولا مظاهر الدعاية المؤقتة.
إن تدخل القيادة السياسية اليوم ليس إدارة للأحزاب، بل توجيه لبوصلة إعادة تشكيلها، بحيث تصبح مؤسسات حقيقية تعمل بمنطق الدولة الحديثة، لا بمنطق المجاملة السياسية.
فمصر تحتاج إلى أحزاب تمتلك رؤية اقتصادية، وعقولًا إدارية، وقدرة على إنتاج معارضة وطنية تحرس الدولة بدلًا من معارضات افتراضية تصنع حضورًا على المنصات فقط.
المرحلة القادمة تفرض إعادة هيكلة شاملة للحياة الحزبية، تسمح لأصحاب الفكر والخبرة من أبناء الشارع بقيادة تلك الكيانات، حتى تصبح انتخابات 2030 بداية ظهور أحزاب حقيقية تنتمي للمجتمع لا للديكور السياسي.
إن مصر التي عبرت أخطر سنوات تاريخها الحديث، قادرة اليوم على الانتقال من مرحلة تثبيت الدولة إلى مرحلة صناعة السياسة.
والانتخابات، كفكرة وقيمة وممارسة، ليست مجرد صندوق، بل عقد اجتماعي جديد بين المواطن والدولة، لا يكتمل إلا بحياة حزبية تليق بمصر 2030، وتبني مستقبلًا يليق بدولة تستحق أن تكون في مقدمة العالم.
اقرأ أيضاًمجلس النواب 2025.. رئيس حى الضواحى ببورسعيد تترأس غرفة عمليات متابعة الانتخابات
وزير الري خلال الإدلاء بصوته بانتخابات النواب 2025: واجب وطني يعكس وعي الشعب
مجلس النواب 2025.. تواصل الإقبال على لجنة 81 في أبشان بكفرالشيخ
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الانتخابات مصر 2030 القيادة السياسية المرحلة الثانية من انتخابات 2025
إقرأ أيضاً:
العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
صراحة نيوز – قال وزير الشؤون السياسية والبرلمانية عبد المنعم العودات: إن الشباب يشكلون محور مشروع التحديث السياسي وغايته في آن واحد، فهم القوة الأكثر قدرة على تجديد الحياة العامة وإثرائها بالأفكار والمبادرات الخلاقة، مؤكداً أن نجاح مسار التحديث يقاس بمدى انخراط الشباب في العمل الحزبي والسياسي وتحولهم إلى شركاء فاعلين في رسم السياسات العامة وصناعة المستقبل.
جاء ذلك؛ خلال رعايته اليوم الثلاثاء إطلاق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية بعنوان “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”، الذي تنفذه الوزارة لشباب وشابات الأحزاب السياسية في محافظات المملكة كافة، جاء ذلك بحضور عدد من أمناء عامي الأحزاب السياسية وممثلي عن فئة الشباب المنتسبين لها.
وأكد العودات أن مشروع التحديث السياسي الذي أطلقه الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم يمثل مشروعاً وطنياً إصلاحياً متكاملاً، يؤسس لمرحلة جديدة في الحياة السياسية الأردنية تقوم على المشاركة الواسعة، والعمل الحزبي البرامجي، وتعزيز حضور الشباب في مواقع التأثير وصنع القرار.
وأضاف أن التحديث السياسي لا يقتصر على تطوير المنظومة التشريعية والمؤسسية، بل يستهدف ترسيخ ثقافة سياسية جديدة قوامها المشاركة والمسؤولية والالتزام الوطني، وتعزيز الثقة بالعمل العام، وتمكين المواطنين من الإسهام الفاعل في صناعة القرار من خلال الأطر الديمقراطية والحزبية.
وبين الوزير أن المواطنة الفاعلة تمثل أحد أبرز المرتكزات التي يقوم عليها مشروع التحديث السياسي، مشيراً إلى أن المواطنة في مفهومها الحديث تتجسد في المشاركة الإيجابية، وتحمل المسؤولية، والإسهام في خدمة المجتمع والدولة، وترسيخ قيم الحوار والتعددية واحترام الرأي الآخر.
ولفت الوزير أن ترسيخ قيم سيادة القانون وتعزيز المواطنة الفاعلة يعدان من أهم الاهداف الاستراتيجية لمنظومة التحديث السياسي، باعتبارهما الأساس الذي تقوم عليه الدولة المدنية الحديثة، والقادرة على توسيع المشاركة السياسية وتعزيز الاستقرار الوطني وترسيخ نهج الإصلاح والتطوير.
واختتم العودات بالتأكيد أن الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، ماضٍ بثقة في مسيرة التحديث والتطوير، مستنداً إلى وعي أبنائه وإيمانهم بدولتهم ومؤسساتهم، وإلى دور الشباب بوصفهم الشريك الأبرز في بناء المستقبل وصون المنجزات الوطنية وتعزيز مكانة المملكة على مختلف الأصعدة.
ويهدف المشروع إلى تعزيز قيم المواطنة الفاعلة وسيادة القانون لدى الشباب وزيادة المشاركة السياسية الواعية والمسؤولة لديهم، وتعزيز انخراطهم الايجابي في الحياة الحزبية والعامة ضمن إطار ديمقراطي قائم على الحوار واحترام التنوع، وذلك من خلال عدد من الجلسات النقاشية والانشطة التفاعلية المخصصة للشباب من الاحزاب السياسية في محافظات المملكة كافة.
كما تم خلال حفل الاطلاق عرض فيديو بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين.