كيف تحفز ألمانيا زوارها على خوض سفر صديق للبيئة؟
تاريخ النشر: 24th, November 2025 GMT
لم يعد السفر اليوم مجرّد انتقال بين المدن، بل أصبح بحثاً عن تجربة متوازنة تجمع بين الاستمتاع بالمكان وحماية البيئة التي تمنح هذا الجمال، ففي أوروبا خصوصا يتزايد هذا التوجه بسرعة، لكن ألمانيا تقدّم مثالاً خاصاً على كيف تتحوّل الاستدامة من فكرة تجميلية إلى جزء فعلي من الحياة اليومية.
السائح هنا يعيش تجربة يشعر فيها أن الترفيه والرفاهية والوعي البيئي ليسا خيارين متناقضين، بل يعد كل منهما مكملا وامتدادا للآخر.
ألمانيا لا تتعامل مع مفهوم الاستدامة كشعار، بل تبني مدنها بحيث يصبح السلوك الصديق للبيئة هو الخيار الأكثر سهولة وانسياباً. فالشوارع والحدائق والمساحات المخصصة للمشي، وممرات الدراجات كلها عناصر تجعل الزائر جزءا من منظومة بيئية متكاملة.
واللافت أن هذا التحول لا يأتي عبر تعليمات مباشرة، بل عبر تصميم مدن تشجع تلقائياً على اتباع الخيارات الصحيحة التي تصون البيئة المحيطة.
لا يمكن الحديث عن السياحة المستدامة في ألمانيا دون التوقف عند جودة النقل العام. القطارات السريعة تربط المدن بدقة وانتظام، وتقلّل الحاجة للسفر الجوي الداخلي، في حين تعمل عربات المترو والترام داخل المدن بإيقاع يسمح للسائح بالتحرك بسهولة دون سيارة.
هذا النظام لا يخدم البيئة فحسب، بل يجعل الرحلة أقل توتراً وأكثر إنسيابية، فيشعر الزائر بأن تنقّله جزء من التجربة وليس عبئاً عليها.
ثقافة الدراجات في ألمانيا ليست نوعا من التقاليع، بل أسلوب حياة، فالمسارات المخصصة تمتد لعشرات آلاف الكيلومترات، والمدينة تُصمّم بما يمنح الدراجين حضوراً كاملاً في الشوارع.
إعلانلهذا يجد السائح نفسه مستمتعاً بتجربة مختلفة حين يستأجر دراجة ليوم واحد، ليقترب أكثر من تفاصيل المدن الصغيرة والحدائق والضفاف النهرية، وليكتشف ما لا يمكن رؤيته عبر وسائل النقل الأخرى.
فنادق ومطابخفي الفنادق الألمانية، ستجد أن الاستدامة لا تنتقص من وسائل الشعور بالراحة. الاعتماد على الطاقة المتجددة، تقليل استخدام البلاستيك، والاعتماد على المكونات المحلية في وجبات الطعام أصبح جزءاً من الهوية الفندقية.
حتى التفاصيل الصغيرة مثل تقليل تغيير المناشف أو استخدام مواد تنظيف أقل ضرراً يتم تقديمها بطريقة لطيفة تجعل النزيل جزءاً من التجربة لا متلقياً للتعليمات.
الاستدامة في ألمانيا تجد طريقها أيضاً إلى الطعام. فالمطاعم تعتمد بشكل واسع على المنتجات الموسمية القادمة من المزارع القريبة، وهو ما يقلل من عمليات النقل والتخزين وبالتالي يجعل الأطباق مكونة من عناصر طازجة.
هذه التجربة تجعل السائح يتذوّق نكهات ترتبط مباشرة بجغرافيا المكان وتنوّعه الزراعي، وكأنه يشارك جزءاً من الدورة الطبيعية للمنطقة.
طبيعة محميةالغابات والبحيرات والحدائق الوطنية في ألمانيا ليست أماكن مفتوحة للعابرين فقط، بل بيئات محمية تُصمّم بعناية لاستقبال الزائر دون الإضرار بالطبيعة. المسارات محددة بوضوح، والمناطق الحساسة تُحاط بإشارات بسيطة، والزائر يشعر بأن المكان يدعوه للاستكشاف ويحمي نفسه في الوقت ذاته.
هذه العلاقة المختلفة مع الطبيعة تغيّر إحساس السائح بالمساحات الخضراء، ليصبح جزءاً من مسؤولية الحفاظ عليها.
ونظرا لما سبق، فإن السائح في ألمانيا يجد نفسه وسط منظومة تشجّع على السلوك البيئي بشكل غير مباشر. فممارسات مثل فصل النفايات، وإعادة تعبئة المياه من المحطات العامة، إعادة الزجاجات مقابل مبلغ رمزي، وعدم ترك أثر في الأماكن الطبيعية… كلها تتحول إلى تصرفات تلقائية بفضل وضوح الإرشادات وسهولة الالتزام بها.
البيئة هنا مصممة لتجعل الخيار الأخضر هو الأسهل، فيتحول الزائر إلى جزء من إيقاع المكان دون أن يشعر بضغط أو واجب ثقيل، والأجمل أنه يعود إلى بلاده غالبا وقد أصبح مهتما بهذه الثقافة بشكل أو آخر.
ومن العناصر اللافتة في التجربة الألمانية ثقافة "معاداة الهدر"، ففي المطاعم تُقدّم الحصص بقدر مناسب بعيد عن الإفراط، وفي الأسواق تُعرض المنتجات القريبة من انتهاء صلاحيتها بأسعار أقل لتقليل الفاقد الغذائي، وفي الفنادق تُقدّم أدوات النظافة فقط عند الطلب.
هذه الثقافة تؤثر في الزائر لأنها تظهر في كل تفصيل: في التغليف البسيط، وفي غياب الزوائد غير الضرورية، وفي احترام واضح للموارد. السائح يعيش تجربة مختلفة، يُدرك معها أن الاستدامة ليست مفهوماً كبيراً بقدر ما هي ممارسة يومية.
السائح العربيبالنسبة للسائح العربي خصوصا، تحمل التجربة الألمانية معنى مضاعفاً. فالكثير من الزوار من العالم العربي يبحثون عن النظافة والتنظيم والراحة، وهي عناصر توفرها المدن الألمانية من خلال الاستدامة نفسها.
فاستخدام النقل العام، واختيار مطاعم تعتمد على المكونات الطازجة، المشي في المسارات الطبيعية، أو حتى التعامل مع النفايات بطريقة منظمة، كلها ممارسات تجعل الرحلة أقل استهلاكاً وأكثر عفوية.
إعلانمع الوقت، يكتشف الزائر أن المعرفة البيئية لا تُفرض عليه، بل تُكتسب عبر تجربة ممتعة وبسيطة. وهنا يتغير مفهوم السفر لديه: ليس مجرد زيارة، بل مشاركة في أسلوب حياة يحترم المكان.
منظومة متناغمةوتدعم السلطات الألمانية هذا الاتجاه بوضوح، وذلك من خلال توسيع المسارات الخاصة بالدراجات، وتطوير مساحات المشي، وتوفير بطاقة التنقل "Deutschlandticket" التي تسمح باستخدام معظم وسائل النقل في البلاد بتكلفة منخفضة، كلها عوامل تُحوّل الاستدامة إلى خيار جذاب وعملي.
وإن شئت وصف ما يجري، فالحكومة تضع الإطار، والمدينة تكمله بالسلوك، والزائر يجد نفسه جزءا من المنظومة بشكل طبيعي.
السياحة المستدامة في ألمانيا ليست تنظيرا، بل تجربة يشعر بها المسافر في كل خطوة. من المدن التي تُكتشف سيرا على الأقدام، إلى الطبيعة المحمية، إلى الثقافة التي ترفض الهدر وتشجع المشاركة، يجد الزائر نموذجاً قابلاً للتطبيق في أي رحلة حول العالم.
باختصار: ألمانيا اليوم تقول إن حماية البيئة لا تتعارض مع متعة السفر، بل تعمّقها… وتمنحها معنى إضافياً يستمر حتى بعد العودة.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات فی ألمانیا التی ت
إقرأ أيضاً:
وفد طلبة وطالبات المرحلة الثانوية يزور أكاديمية الشرطة
إستقبلت أكاديمية الشرطة عدداً من طلبة وطالبات المرحلة الثانوية ، وكان فى إستقبال الوفد الزائر عدداً من قيادات وضباط الأكاديمية وكذا مجموعة من طلبة وطالبات كلية الشرطة ، حيث تم الترحيب بالوفد الزائر ونقل تحيات وزير الداخلية وحرصه الدائم على الإهتمام بتلك الزيارات ، التى تأتى فى إطار تعزيز أواصر التعاون بين مختلف جهات الدولة .
وقد بدأت فعاليات الزيارة بمشاهدة فيلم تسجيلى يتضمن أنشطة الأكاديمية المختلفة فى مجال إعداد وتأهيل طلبة وطالبات كلية الشرطة ، عقب ذلك قام الوفد الزائر بجولة تفقدية للأكاديمية شاهدوا خلالها عروض (كتائب الخيالة - كلاب الأمن والحراسة) بمشاركة موسيقات كلية الشرطة حيث عزفت الموسيقات بعض المقطوعات الموسيقية لهذه المناسبة ، مما أضفى البهجة والسرور لدى الطلاب .
ومن جانبهم توجه أعضاء الوفد الزائر بالشكر والتقدير لوزارة الداخلية ممثلة فى أكاديمية الشرطة معربين عن سعادتهم البالغة بتلك الزيارة وحفاوة الإستقبال وما شاهدوه من إمكانيات تدريبية وعلمية وثقافية ولوجيستية متميزة تعرفوا من خلالها على جهود الأكاديمية فى إعداد رجال الشرطة .
وذلك فى ضوء إستراتيجية وزارة الداخلية الهادفة فى أحد محاورها إلى الإهتمام بتنمية الثقافة الشرطية لدى النشء لما لها من دور إيجابى على تنمية الوعى الشرطى للمجتمع وبناء علاقة قوية راسخة بين المواطنين ورجال الشرطة.