الوصاية الأمريكية وإعادة إنتاج الاحتلال بصيغة أكثر استدامة
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
في خضم الترتيبات المعقّدة التي أعقبت اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار، تبرز ظاهرة سياسية واضحة في المشهد الشرق أوسطي لعام 2025، وهي تحول الدور الأمريكي من شريك استراتيجي للاحتلال الإسرائيلي إلى ما يشبه الوصي الإداري. هذا التحول لم يعد مجرد استنتاج تحليلي، بل أصبح واقعا تبرزه استطلاعات الرأي داخل كيان الاحتلال، وتتحسب له الأروقة السياسية الفلسطينية والإقليمية، مما يشكل مشهدا تتداخل فيه السيادة بالتبعية، والضمانات بالفخاخ السياسية.
عقدة "المحمية الأمريكية" وأزمة السيادة في كيان الاحتلال
لعل المفارقة الأبرز في المشهد الإسرائيلي الراهن هي تلك الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الشعبي، فحينما يُظهر استطلاع لـ"القناة 12 الإسرائيلية" أن 69 في المئة من الإسرائيليين يرون أن كيانهم بات تحت الوصاية الأمريكية، وأن قرار الحرب والسلم يُطبخ في واشنطن لا في "الكرياه"، فإننا أمام أزمة ثقة عميقة تضرب صلب العقيدة الصهيونية القائمة على الاعتماد على الذات.
نتنياهو، الذي يحاول عبثا نفي صفة المحمية الأمريكية عن حكومته، يجد نفسه محاصرا بتناقضات خطابه؛ مرة يصف التدخل الأمريكي بالهراء، ومرة أخرى يؤكد التنسيق الكامل لتبرير العجز عن اتخاذ قرارات منفردة بشأن القوات الدولية. أما المعارضة الإسرائيلية، بقيادة لابيد وغانتس، فتمارس لعبة مزدوجة؛ فهي تبارك الوصاية كوسيلة لإنقاذ الأسرى وجثث الجنود ووقف النزيف، لكنها تحذر بخجل من تآكل الردع المستقل. وكما وصفت صحيفة "هآرتس"، فإن السيادة الإسرائيلية في عهد نتنياهو تحولت إلى سيادة خطابية ورمزية، بينما تمارس واشنطن السيادة الفعلية عبر ضباطها ومستشاريها الذين باتوا جزءا من أثاث غرفة العمليات الإسرائيلية.
المأزق الفلسطيني.. بين مطرقة الاحتلال وسندان الضامن المنحاز
فلسطينيا، لا يُنظر إلى هذه الوصاية الأمريكية بعين الرضا أو الاطمئنان، بل بعين الريبة المشوبة بالضرورة. تدرك حركة المقاومة الإسلامية "حماس" والفصائل الفلسطينية أن الانخراط الأمريكي القوي هو الرافعة الوحيدة المتاحة حاليا لإلزام الاحتلال ببنود اتفاق شرم الشيخ، خاصة بعد تسليم ورقة الأسرى.
ومع ذلك، فإن القراءة الفلسطينية العميقة ترى في هذا الدور فخا استراتيجيا، فواشنطن، التي تقدم نفسها كضامن، تتماهى عمليا مع الرؤية الأمنية للاحتلال الإسرائيلي الهادف لهندسة قطاع غزة ديمغرافيا وأمنيا عبر مقترحات القوات الدولية أو إعادة الإعمار الانتقائي. الخشية الفلسطينية تكمن في أن تتحول الوصاية الأمريكية إلى غطاء شرعي لتقسيم القطاع وظيفيا وتكريس الاحتلال تحت مسميات إنسانية، مما يفرغ الاتفاق من أي أفق سياسي حقيقي للدولة الفلسطينية، ويحصر القضية في تحسينات معيشية تحت حراب الرقابة الدولية.
الاستراتيجية الإقليمية.. التحوط وبناء "شبكة الأمان"
أمام هذا المشهد الضبابي، لم يقف الوسطاء الإقليميون (تركيا ومصر وقطر) موقف المتفرج، بل دشنوا استراتيجية التحوط النشط. تدرك هذه الدول أن الرهان على الجدية الأمريكية وحدها هو مقامرة غير محسوبة، نظرا للتقلبات الداخلية في واشنطن ولتداخل المصالح العضوية بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.
لذا، نشهد حراكا لافتا نحو بناء كتلة إقليمية صلبة"، تتجلى في التقارب المصري التركي، وتفعيل دور السباعية الإسلامية، وتعزيز التعاون العسكري والاقتصادي بين دول المنطقة. هذه التحركات تهدف لغرضين، الأول، محاصرة نتنياهو سياسيا وقانونيا، كما فعلت المحاكم التركية لتقليم أظافره إذا ما قرر الانقلاب على الاتفاق، والثاني، تقديم بدائل إقليمية لمقترحات التدويل الأمريكية، عبر الإصرار على أن تكون أي قوات لحفظ السلام تحت مظلة أممية واسعة لا تحت عباءة النفوذ الأمريكي المنفرد.
ختاما.. إن الوصاية الأمريكية على الاحتلال الإسرائيلي، وإن بدت في ظاهرها قيدا على جنون اليمين المتطرف، إلا أنها في جوهرها قد تكون أداة لإعادة إنتاج الاحتلال بصيغة أكثر استدامة وقبولا دوليا، لذا، فإن المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون في الميدان العسكري فحسب، بل في ميدان التفاوض السياسي، حيث سيتعين على الفلسطينيين وحلفائهم الإقليميين تفكيك الألغام السياسية التي تزرعها واشنطن تحت غطاء الضمانات، لضمان ألا يتحول وقف إطلاق النار إلى وقف للمشروع الوطني الفلسطيني.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الإسرائيلي الاحتلال الفلسطينية الوصاية إسرائيل امريكا احتلال فلسطين وصاية قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد اقتصاد رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الوصایة الأمریکیة
إقرأ أيضاً:
القيادة الوسطى الأمريكية تنفي استهداف مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وقاعدة جوية أمريكية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
نفت القيادة الوسطى الأميركية مزاعم الحرس الثوري الإيراني باستهداف مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وقاعدة جوية أمريكية.
وأعلنت القيادة الوسطى الأميركية، ان القوات الأمريكية أسقطت 3 طائرات هجومية مسيرة أطلقتها إيران باتجاه بحارة مدنيين.
واضافت أن القوات الأمريكية تنفذ أيضا غارات على محطة التحكم الأرضية العسكرية الإيرانية في جزيرة قشم.
وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار المحادثات المباشرة وغير المباشرة بين واشنطن وطهران بشكل متواصل، نافيًا التقارير الإعلامية التي تحدثت عن توقفها أو قطع إيران للاتصالات جراء التصعيد العسكري الأخير، واصفًا إياها بالأخبار الكاذبة
تأتي هذه التصريحات في وقت حساس يسعى فيه الطرفان إلى تمديد اتفاق التهدئة الهش وبحث إمكانية إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل، بعد الاضطرابات الجزئية الحادة التي شهدها هذا الممر الملاحي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية
شهدت الساحة اللبنانية تصعيدًا ميدانيًا خطيرًا بعد إصدار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين أوامر بشن موجة غارات جديدة استهدفت الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت
تسببت التحذيرات الإسرائيلية والغارات الجوية المتتالية في موجة نزوح جماعي لآلاف السكان من معقل حزب الله بالضاحية الجنوبية، مما أدى إلى اختناقات مرورية حادة وشلل في الطرق المؤدية إلى خارج المنطقة
أسفرت الغارات الجوية الليلية على جنوب لبنان عن مقتل 6 أشخاص، في حين تبنى حزب الله استهداف مواقع بنية تحتية عسكرية وقوات إسرائيلية في الشمال.
المواجهة العسكرية المباشرة
وعلى نحو موازٍ اتسعت رقعة المواجهة العسكرية المباشرة بين الجيش الأمريكي والقوات الإيرانية، فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن توجيه ضربات استهدفت منشآت رادار ودفاع جوي ومواقع تحكم بالطائرات المسيرة داخل إيران، وذلك ردًا على إسقاط طهران طائرة مسيرة أمريكية من طراز فوق المياه الدولية.
وأعلنت طهران عن ردها على الهجمات الأمريكية ونشرت مقاطع مصوَّرة لإطلاق صواريخ باليستية. وفي سياق متصل، أفادت السلطات الكويتية باعتراض طائرات مسيرة وصواريخ قادمة في الأجواء الباكرة من صباح الإثنين.
وعلى الرغم من هذا التصعيد العسكري المحموم على أكثر من جبهة، إلا أن القنوات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة للحد من الانزلاق نحو حرب شاملة، ومن المتوقع أن تستضيف واشنطن هذا الأسبوع جولة محادثات جديدة بين وفدين من إسرائيل ولبنان
تستمر المفاوضات الموازية بين الولايات المتحدة وإيران أملًا في تثبيت وقف إطلاق النار وحلحلة أزمة إغلاق مضيق هرمز وسط مخاوف دولية من أن تؤدي الحسابات الميدانية الخاطئة إلى تقويض هذه الجهود بالكامل