«الاتصال المؤسسي» ومواجهة الحسابات المضللة
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
كخبير في مجال الإعلام والاتصال لم اتفاجأ من كمية الحسابات المضللة التي تعج بها منصة "X" تويتر -سابقا-، والتي كانت تستهدف السياسة السعودية والمجتمع السعودي. ومع إطلاق منصة إكس لخاصية إظهار المواقع التقريبية للحسابات، تبيّن أن كثيرًا من الحسابات التي تتخذ من السعودية هوية ظاهرية ليست موجودة داخل المملكة، بل تنشط من دول أخرى.
وبالنظر لهذه الحسابات، فقد استخدمت الكثير منها علم السعودية في ملفاتها التعريفية، وبعضها تبنّى لهجة محلية مصطنعة، بينما هدفها الأساسي توجيه محتوى عدائي يمسّ السياسة السعودية أو ثقافتها أو نسيجها الاجتماعي. وهذا الكشف لم يكن مجرد عمل تقني، بل محطة مهمة في فهم آليات التضليل الرقمي وكيف تُصنع روايات مزيفة تستغل الثقة والانتماء الوطني.
ولعل المتابع لهذه الحسابات يجد أنها تعتمد على ثلاث آليات أساسية، أولها التمويه، حيث يستخدم الحساب رموز الهوية الوطنية ليظهر كصوت داخلي، وثانيها تكثف المحتوى السلبي، عبر رسائل سريعة ومكررة تستهدف موضوعات حساسة وتُقدَّم بلهجة استفزازية أو عاطفية، وثالثها التحريض المقنّع، إذ تتخفّى الدعوات الهدامة خلف أسئلة تبدو بريئة أو تحت غطاء “الرأي” و“الحرية”.
ومن قراءة اتصالية، فإن الردّ العاطفي أو الانفعال الفردي لا يكفي لمعالجة الظاهرة، بل قد يغذّيها، لا سيما وهذه الحسابات تبني حضورها على اقتصاد الانتباه؛ فكل تفاعل غاضب وكل مشاركة متسرّعة يضاعف من انتشارها، وهنا يكمن الخطر كون المشكلة ليست فقط في الرسالة ذاتها، بل في ردّ الفعل عليها.
وأمام ذلك، يمكننا تبني نهج توعوي يقدّم للمجتمع أدوات للفهم، بعيدا عن الخوف أو الغضب، وتعد أول خطوة توعوية هي إدراك طبيعة الهوية الرقمية حيث أن وضع علم الدولة أو صورة محلية لا يثبت الانتماء، والحسابات قد تُدار بطريقة آلية أو من غرف إعلامية خارجية. ثم تعزيز مهارات التحقق مثل مراجعة تاريخ الحساب، نمط منشوراته، زمن تفاعله، ونوعية متابعيه، وغالبًا ما تكشف هذه المؤشرات الحسابات المصطنعة التي تكرّر الرسائل ذاتها في أوقات متزامنة وبعبارات متقاربة.
أيضا فإن إبراز نماذج للخطاب الهادئ والمتزن ضرورة لا تقل أهمية، فالمجتمع لا ينتصر للوعي عبر الصراخ والمحتوى الحانق، بل عبر تقديم رواية بديلة تحترم العقل وتدعم الحقائق. وهنا يأتي الدور المؤسسي، فعلى مراكز الاتصال والهيئات الإعلامية توفير بيانات موجزة توضح المعلومات دون تضخيم أو تهويل، وتربط المواطن بالمصدر الرسمي بدلاً من الانجرار خلف حسابات مجهولة.
وفيما يتعلق بالأفراد من المواطنين، فالشراكة معهم تعدّ عنصرًا مكملًا، إذ أن المؤثر الحقيقي ليس من يملك جماهيرية كبرى فحسب، بل من يستطيع تحويل النقاش من حالة توتر إلى حالة بناء، فيقدم المعرفة، ويشرح الخلفيات، ويعرض تجارب واقعية. هؤلاء يساهمون في تشكيل “القوة الناعمة الرقمية” التي تدافع عن الصورة الوطنية دون صدام.
ومع كل ما سبق، يبقى من الضرورة بمكان إيجاد مناهج وطرق في التربية الإعلامية الرقمية باعتبارها حل مهم وفاعل على الطويل المدى. حيث إن هذه المناهج تساهم في تعليم الجمهور كيف تُصنع الحملات، وكيف تشتغل الخوارزميات، وكيف تُزرع الأفكار، كما تمنح الناس مناعة مستدامة. لذلك، سيفهم المستخدم أن بعض المحتوى ليس رأيًا فرديًا بل استراتيجية موجهة، يصبح أقل عرضة للاستدراج وأكثر قدرة على الرد الواعي أو عدم الرد أصلًا.
بقي القول، نحن أمام ظاهرة لا تُواجه بالغضب أو الحنق أو تحت بند (قد قلت لكم)، بل ببناء وعي نقدي يعيد تعريف علاقة المواطن والمقيم بالمحتوى الرقمي، فالحسابات المضللة قد يكون لها تأثير لحظي، لكن المحتوى المبني على منهجيات علمية هو الأداة الفاعلة في مواجهتها. كما أن هذه المناهج أيضا تسهم في جعل المجتمع يعرف نفسه، ويثق بقيادته، ويملك أدوات معرفية تجعله يميز بين الصوت الحقيقي الوطني، والضجيج المصطنع التي تصنعه تلك الحسابات المضللة.
قد يعجبك أيضاًNo stories found.
المصدر
المصدر: صحيفة عاجل
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..